سياسة الشطح واحتواء النطح

الشعر هو مبدأ تلخيص العمل الفكري لدى الصوفية . لذلك خلقوا منه عالما يحقق سياستهم الفكرية .
لذلك يرون الشاعر كائن مصنوع على عين الله ؛ جسمه في الأرض وقلبه في السماء يلتقط أخبار العالم العلوي يستمد بوضمات إلهية بها يكون شعره نارا تهجم على الأفئدة بغير حجاب .
وبرأيهم ذلك أن الشاعر يبتعد عن الواقع ويحتفظ بالحقيقة في باطنه ؛ فلا يحمل شعره الا دلائل ظاهرية لا تلامس العلوم وتداركها .

وعليه يكون الشاعر هو القادر الوحيد على تأويل الحياة وتفسيرها . لانها في نظرهم خيال وحلم كما قال ابن عربي في كتابه فصوص الحكم
: ( ” أما العالم في نفسه فليس إلا خيالا وحلما يجب تأويله لفهم حقيقته ” )

وعند مطابقة ذلك على حضرة الشعر في حياتنا نجد أنه بالفعل أصبح مقاربا لتلك المفاهيم . وعليه كانت سياسة التعامل بين افراد الشعب في المجتمع الواحد تحتاج دوما لشاعر يلخص حقائق تلك العلاقات وينوب باسم الجميع عن طرح العناوين الرئيسية في اذهان الجميع .

في التجمعات القبلية يكون حضور الشاعر كبيرا يقدم التحيات ويصف الجمع . وفي العزاء والرثاء ؛ أو في المحافل والمناسبات ؛ تكون وقفاتهم هي من البروتوكلات البسيطة لسياسة التعامل مع الأحداث . هذا الايمان الصادر عن لاوعي الفرد في المجتمع جعل للشاعر كيانا يشار اليه بالبنان . وكان ذلك أيضا في الجاهلية . وقراءة الشعراء والوقوف على تاريخهم ؛ يجعل المطلع من الخارج يعتقد بأن الأدب العربي تم اختزاله في حركة الشعر خلال العصور . فلا انتصار ولا معركة ولا حتى تجمع الا ويكون الشاعر منبرا في ذلك الحدث يعلن عن اهدافه واسبابه .
يمكن ملامسة ذلك في الحاضر عند رؤية التوجه العربي بالأخص الى تمثيل وجهات نظره وارائه سواء الوطنية أو الانتمائية ؛ ؟ بالشعر .! فيكون الشاعر سيد الموقف .

تحقق بوضوح موقع الشاعر . واعتباره سياسة اجتماعية تلقائية ؛ فيكون من الواجب علينا ان نقف على سياسة الشعراء انفسهم باعتبارهم اداة سياسية اجتماعية . هنا نرى أن الشاعر يفهم واجبه ولنقل موقعه وصدارته فينطبق في ذهنه دون تعمد مبدأ صوفي آخر يسمى الشطح

والشطح عند الصوفية هو محاولة لوصف ما لا يوصف، وهو حال قصير الأمد، ويقع عند الأخذ، ثم يرد صاحبه إلى وعيه ؛ لحظة تتحول فيها اللغة الى مجرد وسيلة نقل لما يشعر به العقل والجسد . ذلك العقل الذي تحول الى فيض دائم .

وهذا ما يحدث بالفعل . ان مجرد قولنا كلمة ( حب ) بامكانها اثارة شاعر بالقرب منك ليصف لك مالا يوصف في هذه الكلمة باعتبارها حالة فائضة ومستمرة . او كلمة ( ثورة ) فتجده يخلق عالما من المعارك والميادين المدماة ويصف بلغته ما لايمكن لاي شخص آخر وصفه .

والشطح ايضا يتجاوز هذا فيعتبر عند الصوفية : لحظة انخطاف تتحول فيها الكتابة الى مكاشفة صادرة عن التجربة في الذات الشعرية لدى الشاعر ؛لحظة الامتداد في المجهول حيث تصبح (الأنا ) في لحظة الشطح (أنت) أو (لا أنا) :” أناه أنا ”

وهذا بحد ذاته يوضح سبب تازم العلاقات قديما وحديثا وقادما بين الشعراء ؛ ان تسليط الضوء على الذات بعيون المجتمع على الشعراء وتوافقها على الأضواء المسلطة مسبقا من الشاعر على نفسه واعتبار ذوقه بحد ذاته دليل تميزه . ومن تلك التأزمات ينتج لدينا ما يسمى النطح . فتجد الصراع قائما دائما بين الشعراء ويمكن تسميته اعتبارا لتلك النتيجة ( بالتناطح ) .

وهنا اكمل من حيث توقف المتصوفة . او اكمل من حيث توقفت انا عن الاطلاع .

تكمن السخرية في أن النطح لغة كونية سادت السياسات المختلفة في كل انحاء هذا العالم الذي اصبح حلما يراود كل مفكر سياسي يرى في نفسه شاعرية تؤله وتفسره بما يخدم طموحه الذاتي . ولأن التركيز يتطلب مني تحديد اي فكر سياسي واي شعراء يتصدرونه . اعبر عن ذلك بجلاء وهو أن السياسية الأمريكية في مواجهتها الحديثة مع الواقع العربي احتاجت الى قراءة تاريخه لتكشتف ادواته السياسية الممثلة بالشعراء وشعرهم . فوجدت الادارة الامريكية أن الشعر هو الطريقة الوحيدة للدخول في حرب متكافئة الاطراف مع العرب ؛ لذلك كان رونالد رامسفيلد شاعرا وتم عرض ديوان شعري له في احدى الجرائد ستقوم بنشره “دار سيمون وشوستر” ؛
وقبل ذلك قالت لورا زوجة الرئيس الأمريكي أمام تجمع في مكتبة الكونغرس الامريكية في معرض للكتب في العاصمة واشنطن ان زوجها كتب القصيدة بينما كانت تزور روسيا الاسبوع الماضي وقدمهااليها لدى عودتها يوم الخميس.
وجاء في القصيدة..
“كان البعد يا عزيزتي حاجزا ..
وفي المرة القادمة التي تريدين فيها مغامرة ..
اهبطي على سطح حاملة طائرات”.

ولا تعلم الإدارة الأمريكية أننا حتى الآن لم نحتوي النطح في شطح الشعراء في مجتمعاتنا منذ بداياته في الهجاء الجاهلي وأمجاده بين الفرزدق وجرير . هذا عدا التناطح الحاصل حاليا وخصوصا في منطقة الخليج العربي والتي يمثل مورد اقتصادي نفطي عليه بنيت الكثير من معادلات التدخل الامريكي في المنطقة . واصبح التناطح هواية لدرجة أنه يفرغون له مناسبات ومحافل ليقف الشعراء بشطحاتهم يتنافسون من لديه اقوى قرون الشعر .

وحتى نحتوي سياسة الشطح القادمة من الغرب علينا احتواء النطح في الداخل . في محاولة لمجاراة ادارة امريكية طموحة قادتها السياسيين والعسكريين شعراء . ومن يدري لعل حل هذا الصراع وهذا التغلل الامريكي يكون بمحاورة شعرية في أحد واحات الصحراء الغناء بين رامسفيلد وبوش واثنان يتم اختيارهم من شعرائنا الأفاضل ..

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *