أين الله من كل هذا ؟

لكي تكتشف اثر أي فكرة أو أية نظرية يجب ان ترى أقصى حالاتها تطبيقا ، وأن تصل معها إلى آخر حدود التطرف . وهو حالة تصيب الإنسان عندما يبدأ بالتوهم بأنه مستهدف في ماله أو دينه أو عرضه . والتطرف هنا ليس مرتبطا بمذهب أو عقول معينة ، هو حالة تصيب الجميع حتى على مستوى النظافة الشخصية لتجد شخصا متطرفا ربما يفجر سيارة النفايات كي يطمئن من أنها لن تمر بمنزله وتنقل له بعض الجراثيم ، أو قد تجد شخصا متطرفا يقتل كل عائلته لإيمانه بانهم يدبرون له مكيدة وكانت بداية الخيط لكل استنتاجاته أن والده تزوج والدته دون رضاه وعلمه .

وقد تجد شخصا لا ينفك يخبرك عن أن الهاتف المحمول يسبب السرطان وكذلك اسلاك الكهرباء والمايكروويف ، وطلاء المنزل يحتوي على مركبات الرصاص التي تسبب السرطان أيضا ، وأدلته أن جاره اصابه سرطان البروستات وابن عمه اصابه سرطان المعدة وآخر مات بسرطان الرئة ، والأخير لم يكن يدخن ولكنه مات بسبب جلوسه مع مدخنين مازالوا على قيد الحياة وبدون أي سرطان ، وسوف تتطور النظريات السرطانية حتى تصبح سياسية ، وتسمع من يقول أن امريكا تريد سرطنة العالم الإسلامي ، وأن انفلونزا الطيور تم انتاجها معمليا لكي تقتل كل طيورنا ، واسرائيل تفكر باختراع مادة جينية تتقصد جينات العرب ، ولا يهم أي عرب ، فأمازيغ الجزائر عرب ، وطوارق ليبيا عرب ، وأقباط مصر عرب . وأكراد العراق عرب ، والجميع عربي لأنه يتحدث العربية وليس لأنه من أصل عربي ، لذلك ربما من الأجدر أن نفكر بأن المادة تصيب جينات اللسان ومركز النطق في الدماغ ، ولن تكتفي اسرائيل بهذا ، فهي من انتج سوسة النخيل التي اكلت كل النخيل في القصيم ، فالسكري والخلاص والتمور السعودية هي المورد الأول لتصنيع القنبلة النووية لذلك هي مستهدفة. وتستمر المؤامرات تحاك تجاه هذا المواطن العربي المسكين ، وكأنه فقد الوسيلة والطريقة في محاربتها ، وجعلته يؤمن بانه في خندق دفاع ، وليس بقدرته الهجوم أبدا ، او حتى الخروج من ذلك الخندق للوقوف في مواجهة الواقع واختبار كل التطورات والتغييرات وجعلها تصب في مصلحته كتجربة منهجية قبل البت تماما بأن كل شيء جديد هو ناتج عن نظرية مؤامرة تستهدفنا كعرب ، والأمة الإسلامية من الشرق إلى الغرب ، لم يعد بمقدروها التخلص من هذا الوسواس القهري المدعو ” نظرية مؤامرة ” ، الكل يتحدث عنها ، والكل يحملها نتائج العجز والقصور في قدرتنا على المشاركة في أحداث العالم ومجريات الأمور . وسنظل نؤسس لنظريات المؤامرة قدراتنا الخيالية التي حاربها الجميع ويحاول كبتها وخنقها في مهدها ، فنحن أبناء الفلاسفة والمفكرين والأدباء ، لم يعد بمقدورنا التفكير ولا الفلسفة ولا عمل أي شيء آخر ، وأصبحنا ضحية ما نعتقده حرب عالمية ضدنا ، دون الاعتراف بأن الحضارة الإنسانية إنما وصلت إلى هنا من خلال تداول الأمم ، وأنها مستمرة بين قوي وضعيف ، ولا شأن لها باستهداف خارجي ، نحن في بيوتنا نستطيع التفكير بعيدا عن تأثير البرامج التلفزونية ، نقرأ باختيارنا كل تلك الكتب التي تدعي قدرتها على كشف الخداع والمؤامرات التي تحاك ضدنا . الجميع يعمل وينتج ويتوسع ويتطور ، وحن في خندق المحافظة على آخر مظاهر الغباء وهي عدم التغير ابدا ، وأن نكون على نفس الحال منذ ان سقطت آخر قلاع دولتنا الإسلامية ، أفضل من محاولة الخروج والموت إثر كل تلك المؤامرات .
الذعر يدب في الجميع ، والكل يتوجس من كل شيء ، ويتخوف ، يلعنون أمريكا حتى على حفريات الطرق في الشوارع ، ويفكرون بأن اسرائيل ورااء كل ذلك وتتواطأ مع أمريكا والعالم الغربي . وفلسطين ذهبت لأن العرب لم يكتشفوا أنهم محتلين إلا عندما خرج الانجليز واستبدلوا مكانهم اليهود ، ولم يكتشفوا أن العراق بعثي وطاغية الا عندما غزا الكويت المسالمية والبريئة جدا ، ولبنان الكل يتآمر عليه ومواطنيه يعرفون ذلك ولم يصبح لديهم خيار سوى اختيار أقل المتواطئين ضررا ، هناك من يفضل ايران وسوريا على فرنسا وامريكا . المغرب ثارت عندما اعلن ملك أسبانيا زيارته لسبتة ومللية وكأنها لم تتذكر أنها قضية تستحق الاستمرار في إثارتها سوا، زارها الملك الأسباني أم لم يزرها . وساركوزي يرفض الاعتذار عن حرب فرسنا ضد الجزائر ولكنه يمد يده للتسامح والتفاهم ، وليبيا تتنازل عن كل قضاياها وترسل الممرضات لبلدانهم . والكل أصبح تدريجيا يستسلم بعد الخروج المفاجيء من الخندق ، وما زلنا في أوراق الماضي نصارخ تجاهها دون أن نفتحها ، خوفا مما قد ينتج عنها ، ننتظر أحدا ما يثير آخر ما تبقى لدينا من كرامة كي نحرك ساكنا . تحدثت عن كل هذا مع صديق احسبه اكثر المتطرفين استخداما لنظرية المؤامرة . اتفقنا في النهاية أن هناك نظرية مؤامرة ، ولكن مازلنا نفكر كيف يحدث كل هذا ؟
إن كان لا بد أن نعترف بهذه النظرية
فعلينا أن نعترف قطعا بعدم قدرتنا على اكتشافها لو كانت فعليه .
وانها اكتشاف غربي آخر تم تمريره تجاهنا حتى نؤمن به أكثر ونصبح منزوعي القدرة على المواجهة .

نحن نؤمن بالقدر ، ونؤمن بأننا مخيرين ومسيرين أيضا ، ولكن خيارنا هنا أن نكون مسيرين في خيارات الآخرين الذين ينطبق عليهم أيضا قدر الله ، نحن نحارب شيئا نعتقد فيه أكثر من القدر نفسه ، بدأنا نؤمن بأن قدرة الغرب الذي يحاربنا أكبر من قدرة الله على منع ذلك . نسينا أبسط الأمور التي كانت تخلق لدينا الإرادة الحرة ، وهي ان علينا نغير من أنفسنا حتى يسمع الله لدعائنا في كل صلاة . ونتكل دون أن نعقل حتى الحمير التي لا تضيع ولا يهتم أحد بسرقتها .
ونعود لنسأل بعد أن فقدنا الإيمان بالله
ويكون السؤال المنطقي البسيط الذي ينتجه لنا اليأس .
أين الله من كل هذا ؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *