الطير الأخضر

هل يعرف أحدكم ماهو الطير الأخضر ،هو بالنسبة لطفل في السادسة من العمر جاسوس يقلقه ويجعله دائما يتوخى الحذر خوفا من أن تنكشف مشاكساته . وعندما كنت طفلا ( أو كما قيل لي ) كان الوزن عائقا أمامي لذلك لم تكن المشاغبة التي أمارسها جسدية بل كانت أقرب إلى العقلية . والخطط والمكائد هي الفرصة الوحيدة التي تجعلني حاضرا في جمع هؤلاء الأطفال في المدرسة أو في الشارع .
وعندما كنت أعود من المدرسة كانت هناك أدلة تشير إلى أنني لم أذهب إليها أبدا منذ أن أخرجت في الصباح الباكر . بقع الزيت من حفرة تغيير الزيت في الورشة المجاورة . بعض الإسمنت في أطراف الحذاء من بناية قريبة مازالت تحت الإنشاء .
ولم يخطر في بالي يوما أن الكبار أيضا أذكياء ، ولم يخطر في بالي أن أبي حين ينظر إلى ولسان حاله يقول ( كل اللي قريته أنا كتبته ) يعلم تماما كل ما أفكر فيه وكل ما سأفكر فيه . وعموما لم تكن المدرسة مشجعة وملزمة لطالب مستمع يحمل حرية الخروج والدخول متى أراد .
وأمي التي تنتظرني دائما لم أكن أستطيع الكذب عليها قط ، ليس لأنها تعلم ما أفعل أو ما سأفعله ، ولكن لأن هناك جاسوسا صغيرا يتابعني دون أن أراه.
طيرها الأخضر كما كانت تقول ومازالت تصر ، أنه موجود وهو طائر من طيور الجنة يرسله الله سبحانه وتعالى لكل أم لكي يخدمها ويراقب أطفالها . وفي رواية أخرى وعند أشخاص آخرين ( عصفور ) ، إلا أن صديقي بالأمس فاجأني حين أخبرني أن أمه أيضا لديها كائن جاسوس ولكن كانت تسميه ( حمارة القايلة ) .

وماطار طير وارتفع إلا كما طار وقع .
هذا المثل جعلته شعارا لي عندما بدأت أحس أن هذا الطير فعلا يؤرقني . وأعددت الكثير من العدة لكي أصطاده واشفي غليلي منه . ورغم أن مواصفاته لا تشجع على قتله فهو أخضر وصغير وغير ذلك من طيور الجنة ، إلا أنه كان عدوي اللدود .
ومرت سنوات المرحلة الإبتدائية وأنا الأحق كل عصفور يحط على نافذتنا أو أي عصفور ترمي له أمي بفتات الخبز في فناء المنزل . ولا أنكر أن الضحايا كانت بالعشرات . وما بين أخضر ورمادي وأي لون ممكن . كانت العصافير تسقط ، حتى الحمام لم يسلم .
في عيد الأم أرسل لي أخي من الرياض رسالة يقول فيها أن أخي الأصغر وعمره ( تسع سنين ) قد اشترى لأمي ببغاء أخضر صغير هدية بمناسبة عيد الأم . وحينها اكتشفت أنه أذكى مني كثيرا . فبدلا من أن يلاحق الطير الأخضر كل ما عليه هو أن يوظف واحدا من قبله لكي يضمن ولائه ويصبح عميل مزدوج .
وكل عام وأمي وكل الأمهات وطيورهم الخضراء بخير .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *