تسع وتسعون قبلةٌ

الذاكرة تملك عقلها الخاص ، تخلق لنا اجواء نعتقد ان الظروف الآنية هي المسبب لها ، وهي غير ذلك . لعل رائحة التراب حين يبتل برذاذ المطر هي التي أثارت الذكرى ..
اتتني الذاكرة تداهمني في ليلة كنت اتجنب كل أفعال العقل ، فكيف بأصعبها وهو التذكر . والذكريات الحزينة تعيش في عقولنا لأنها تتغذى على تلك اللحظات الجميلة والسريعة . فتظل كبيرة وواسعة الانتشار في مخيلتنا وكأن لحظة فيها عتاب استمرت سنة كاملة بين شخصين وهي لم تدم سوى مدة اطلاق كلمة ونظرة امتعاض .وذاكرة رحلة ألف كيلو مرت في لحظات..

رحلة كاملة من ديرتي إلى حيث يستقبلني المستقبل ينتظر أني اسعى وقد تجهز بكل العقبات . رحلة لم تستهلك سوى بضعة ريالات في بطوننا . وعشرات الريالات في بطن سيارتنا .
الملح في طعم البسكوت كان لذيذا مع الكلمات التي نتساير بها في الطريق . وكل الشمس الحارقة على طريق يشق كبد الربع الخالي لم تعطنا غير النور ويذكرنا عرق جباهنا بان هناك حر شديد .
نوافذ سيارتنا التي انزلناها يوما ولم تصعد بعد ذلك . تشاركنا الطريق وتعزم كل الهواء في الخارج . أغبرة وادخنة . وقليل من روائح الأسمدة . او بعض روائح الواحات التي تختلط جميعها في عبق ينخر الخياشيم ليطبع عنوان بيئة واحدة بما تحويه من ملامح للبشر .

ويظل السواد كالأفعى يلتف يمينا ويسارا نحو الشمال .
ونظل نهمل كل السواد فيه ونعد كل بياض متقطع .
نفوسنا حين تطمح إلى المستقبل ترى الجمال في كل موقف يمر بها حتى بوابة البداية . لم يهمنا ذلك . فمازال الطريق طويلا . ومازالت المحطات تنتظر نزولنا لتضحك أعمدتها على تقوس ظهورنا . نمتط يمينا وشمالا ونهرول قياما لكي نجري جلوسا بعد قليل في السيارة . الدم لا يتجمد كما يقولون . ولن يتحرك بالـ (التمغط ) . وما نفعله ليس سوى تكرار احاديث الرحالة على نفس الطريق .

ونسير نخطط للوصول وما بعده ، نخطط لكل التفاصيل وفي ضمير كل واحد منا نية للنوم تعادل ما نامه أهل الكهف .
يحدثني صاحبي عن المجتمع الذي كنا فيه وكيف يجب ان نعود له كما خرجنا . واحدثه ان المجتمع امامنا سيكون أجمل وأكبر وسيبتلعنا .
يحدثني عن الفتيات في ديرتنا ويجزم انهن اجمل من كل نساء الأرض ، واحدثه عن نظرة واحدة في نجد دانت لها رؤوس ( عطران الشوارب ) .
تحدثنا عن المال والمصاريف .
تحدثنا عن نصائح ( الشياب ) ، وقصص وتجارب من سبقنا من ( الشباب ) . تحدثنا عن كل شي ومازال الطريق مستمرا دون أية علامات فيه . لم تعد اللوحات تشد انتباهنا كما بدأنا أول مرة .
800 كيلو
600 كيلو
… كيلو
اولا كيلو

ذابت الرؤى في أحاديثنا . واختفت كل تفاصيل الدنيا من حولنا امام حجم أحلامنا . وكان حديثنا كالصمت تغطيه ألحانا كانت آخر مرة نسمعها . قصيدة نكررها بشغف الصبية وعباطة المراهقين . ونتغامز حين غنائها . يغنيها العود باريحية بسيطة تدل على أن الموسيقى ليست سمفونيات أو اوبرا. بل هي ترنمات خافتة لرجل يمني يدعى ( محمد مرشد ناجي ) يقول لنا ( وقبلتها تسع وتسعين قبلة ) ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *