اشتقت لكل الأحياء

في غمرة الابتهال والاقتراب من مقام السماء ، لم أكن اعلم أنها تهبط بأقدارها نحوي، والسر الحاكم على حياتي هو أن لا إرادة لي في حياتي فكيف بحياة من حولي ، تسابق عبراتي أنفاسي وتسد حنجرتي وتغرق الأصوات في شيء لا اعتبره أصوات ، يسمى نحيب ، وإن علت وتيرته قيل هو البكاء ، وذلك الماء الذي ينهمر مالحا من سحائب العين لم يعد يبرد حرارة قلبي المصاب ، ولا يغسل ندوب القدر الحاكم على أن أكون في حلقة تصريفاته الشائنة في حق الإنسانية ، الاعتراض واقع ليس إنكارا لحقيقته ولكن إنكارا لحقيقة أخرى وهي أن الحياة إرادة الأحياء .

 

قيمة ذلك الزائر على البيوت أنها تأتي في خضم ما يغمرالناس من مماحكات لسير هذه الدنيا ، الموت من حولنا سلعة رائجة والكل يقبل عليها حتى وإن اعتقد أنه هارب منها ، تلك النهاية التي تلتقي فيها كل البدايات ليست نقطة ثابتة وليست بعدا غائب ، شيء غريب يخبرني أن الموت هو المواسم والشهور والأيام والساعات ، بل هو ما يحرك كل ذلك ، وقيمته لا نحس بها إلا عندما تقع في محيط يقارب أهازيج الإقبال على متع الدنيا، وفي تلك اللحظة التي أتاني خبرها ، لم أحزن لفراقها ولكنني فجعت بأن حياتها كانت أقل مما أتوقع ، وبعدها بلحظة فارقني الحزن ، واشتقت لكل الأحياء ، وبدأت أعيش اللحظة باللحظة ، وانتقي الكلمات ، والحب في لساني أصبح شائعا كشاعر عاشق يسكر على أطلال مغامراته ..

ينمو الطفل منا في رحاب عائلته وهو يحس بأنه يمضي العمر كله معهم . والذكريات التي يحملها في آخر أيامه الحاضرة لا تتناسب مع ذلك الكم الهائل من العمر الماضي . إذن أين ذهبت البقية .!؟

أذا كان ثلث عمره يقضيه في النوم ، ونصف نهاره في تحصيل العلم ومرافقة الأصدقاء وبضع ساعات من كل نهار مع أصدقائه في الشارع . وفي المنزل يلهيه كل شيء ألعابه أو هواياته أو حتى عاداته السيئة . تلك الكلمات التي تخرج من أفواهنا ترد على كل نداء يخبرنا بأن الغداء جاهز أو تطلب منا الحضور والذهاب هي الذكريات التي تسقط من إرشيف الذاكرة وهي أغلب ما يملأ تلك المساحة الشاسعة في أحداث الدهر .

تجتمع العوائل في نهاية كل إسبوع بعد ان تقسمت حلقاتها لتصبح حلقات أكبر. وأصبح هناك أبناء وبنات أخوة وغيرهم من الحلقات السابقة والتي ولدنا في داخلها الخوال والأعمام . تترابط الأسر بنمط يمنع الإنسان من أن يتحرر من كل مثيرات الحزن والفرح . ومهما اعتقد أنه بعيد جدا من الاهتمام يشغل ظاهره القسوة والجمود واللامبالاة وفي باطنه يتجه الفؤاد إن لم يكن حزنا واشتياقا سيتجه اهتماما لمعرفة ماذا حل بكل أولئك الذين كانوا من حوله حيث نما وكبر واتسقت قامته .

عجبا كيف لكل تلافيف الدماغ الهائلة وتلك الذاكرة الضخمة أن تعجز عن اقتباس كل اللحظات وإن لم تكن ثمينة حتى وإن كانت نظرات في مرور روتيني من غرفة إلى أخرى على الكرسي المتحرك. حيث قذفت أختي تلك بابتسامتها إلي لمجرد وجودي في منزلها . لا أتذكر ذلك ولكن ذكرتها لي ذات يوم وأخبرتني أن مجرد التواجد حتى لو كعادتي الصامتة المملة يدخل السرور في نفسها .
وغيرها وغيرها من الجزيئات البسيطة لمواقف إنسانية لا تخرج إلا عن روح تعتصر في جسد ينسحق ببطء وتلامسنا بكل ما تستطيع من إثارة الاهتمام .

في أسرنا نفتقد القدرة على تقدير حتى مواقف العداء . والحب والكره روابط مهما كانت متناقضة . ومن يكرهني لابد أنه يتصل بحياتي بشكل أو آخر . تلك المشاكل التي تجعلنا ننفجر بكل إمكانيات النفس ويعبر كل شخص منا عن استقلاليته وحريته في الرأي والاختيار مهما كانت أراء الآخرين . تلك المواقف التي تملأ بيوتنا ليست إلا ذاكرة لن نقدرها إلا حين تختفي المثيرات . ولا شيء أقوى من الموت .

في المساء حين يخيم الليل على البيوت وتشتته أضواء المدينة تحاول إبقاء الجميع في أحضانها ليشعرونها بالحياة . حتى الليل يخشى الوحدة ويخشى الظلام . ونوره يكمن في تلك الأوراح النائمة أو الهائمة في رحابه . حتى ليالينا تكره الصقيع المتناثر في أجوائها وكل أنفاسنا مصدر دفئها في هذه الدنيا.

تذكروا حين تغفو الشمس على وسادة الغروب وبعد أن صعدت في الصباح متكبرة مغرورة تشعل فينا غبطة الحياة والأبدية . تذكروا أن تلك نهاية تشابه الموت ، تذكروا حين تتعب الأعين من الترقب والتطلع من حولها تلاحق الابتسامات والامتعاضات . وتأتي الجفون لتغرقها في ظلام آخر وليل آخر في دواخلنا . تذكروا أننا نموت في اليوم أكثر من مرة . وأن الحياة التي نتعلق فيها ليست سوى ظل لذلك العالم الآخر يزول بحلول الظلام . ويذوب في لون السواد . وذلك حال القبور ليل يشابه كل الليالي ونوم طويل لجسد لا ظل له . فهناك الشمس مهما تعجرفت وأشرقت ساطعة لن تخترق التراب لتخلق الظلال .
ما أسعدني في هذا اليوم وأتعسني في كل يوم غابر . فأيامي القادمة تخبرني أن حياتي فيها ستكون مرور آخر في طريق من ذهبوا ولن يعودوا إلى نفس الطريق .

والخروج من كيان ما ليس إلا دخول إلى كيان آخر . لا يوجد مداخل ومخارج . نحن في داخل البيوت نقول خرجنا إلى الشارع . والشارع المبتسم يلتف حول المنعطفات يخفي أرصفة من الأقدار تختنق بكل أنواع الوجوه . نحن في الجهة المقابلة ندخل إلى الشارع . الجدران التي نعتقد أننها ألفتنا حتى أصبحت قادرة على منع الأقدار من الدخول إلينا ليست سوى وهم بنيناه بأنفسنا . وذلك الشارع أيضا متى ألفناه سيكون له نفس المعنى . فيكون لكل إنسان منزله وشارعه وحارته ومدينته ووطنه.
تلك الغربة التي تخلق في الأنفس قبل الأمكنة وينفخ فيها الزمان روحه ، ليست غربة كغربة المكوث بصمت في القبور .

لن أقول خرجت رحمها الله من هذا العالم ولكن سأقول أنها دخلت إلى عالم آخر. وهناك حيث لا أعلم أن كان له صباح وغروب ونهار وليل . سأظل أتمنى أن نوافذ في هذه الحياة وفي هذا العالم تفتح لنلقي نظرة على الآخرين هناك . كما تنظر لنا السماء نريد أن ننظر إليها . شعور الأمان يغيب حين نعلم أن من حولنا عوالم أخرى تختفي وتراقبنا . وتخظف من بينا الأهل والأحباب والأصدقاء ، ولا نعلم إلى أي مصير هم ينقلبون .

لا أقول قولا يخرجني من حيث أقف عليه من عقيدة وإيمان . ولكنني أتسائل في كل هذا وأتجرد من كوني فرد على رقعة هذا الشطرنج لأعلم أين ستحركني أصابع الاله . وحين مللت هذه الدنيا وأصبح العالم لا يتسعني تمنيت يوما أن أغامر إلى ذلك العالم . وكان الفراغ من حولي سجنا جدرانه من هواء . كلما خرجت من باب دخلت إلى فراغ أكبر . وليس لكل منا إلا أن يحلم بعالم لا نشعر فيه بالفراغ مهما كان خاليا من كل ما نحن فيه على هذه الدنيا .

اقتربوا من كل من حولكم واتصلوا بمن سقط من حساب الذاكرة والتقطته بدعة النسيان . أجيدوا فنون الاتصال والتواصل . واعلموا أن الجميع ذاهبون . املأوا العقل بكل تفاصيل هذه الدنيا لنخلق ظلا لا يحتاج إلى ضوء الشمس . ظلا يشابه الوجوه لا يماثلها في الحدود وإنما يتجاوزها إلى الدواخل في النفوس . تخيلوا لو أن للأرواح فينا ظلال تشمي بجوارنا . كيف سيكون شكلها .؟
ستكون نحن قلبا وقالبا ولن تختلف إلا في كونها أكبر من أن يحتويها جسد يغفو يوما على أمل وقد يستيقظ به أو بدونه . ليخلق من جديد امل آخر يغفو عليه من جديد .

يضحكني أن الإنسان حين يولد يفرح الجميع من حوله ولا يتذكر . وحين يموت يحزن الجميع من حوله ولا يكون موجودا ليتذكر كيف كانوا . عجبا لحال هذا القدر كيف يخفي علينا أكثر المواقف وأصعبها وأهمها في حياتنا ..

تختلط الضحكات بالعبرات وتغتسل بالدموع تجاعيد الوجه ترفعها الابتسامات . والحزن يأتي كالريح الباردة يقشعر له البدن ويذهب ويتركها من بعده خاوية . كم هو جميل هذا الشعور والإحساس بالحزن . يبقي لنا أقل قيم الحياة متأصلة في النفس ( قيمة الروح الحقيقية )..

ويحي كم أطيل الضحك في مناسبة دون أخرى ويظل اللحزن ينتهز الفرصة ليضرب ضربته القاسية ويغيرعلى جوانحي بجندي واحد فقط ، ملاكا يحمل على أجنحته الموت وينتقي من كل فج عميق ضحية كتب لها أن تنتقل إلى عالم آخر لا تعلم عنه ألا أنها ستكون وحيدة فيه والجميع من فوقها يستمر في الحياة هروبا من مكانه وذكرياته .

لم يعد في المكان متسع للكلمات
ولم يعد للزمان متسع للحظات
وفراغ الدنيا يسلبه الموت
قبل ان يملأه بالحياة

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *