كلام رخيص عن الراحلين .. أثر لا أثر له

جاءني خبر وفاة محمود درويش في الوقت الذي كنت أحاول كتابة شيء ما عن رحيل المسيري وأثر ذلك في عالمنا العربي، كان ذلك هو مربط الفرس: أثر رحيل مفكرينا وأدبائنا على عالمنا العربي.ولا أدري ما هو الأثر الذي يمكن للميت أن يتركه رغم أن حياته لم يكن لها أثر كبير على حياتنا.

 فكر المسيري عن الصهيونية وترسيخه لنظرية المؤامرة وما كتبه وخطه خلال سنوات علمه وعمله . لا أرى له  أثرا واضحا؛ فمازالت القدس محتلة ومازال الصهاينة_ كما وصفهم المسيري وشارك بتوثيق تاريخهم_  يأتون بمختلف الأشكال والألوان، يحاربون مرة ويحاورون في مرة أخرى، ولعل رحيلهم هو الأثر الذي لن نتحدث عنه أبدا لأنهم باقون حتى ينفذ كل ما لدينا من رموز فكرية وأدبية.
 
محمود درويش أيضا وكل شعره بما فيه من تجاوزات وثورات ورثائيات وغزليات، ما التغيير الذي أحدثه خلال حياته حتى أتحدث عنه بعد وفاته. هل اقتبسُ شيئاً عن وطن تغزل به محمود باسم الجميع واليوم حماس وفتح كل منهما تدعي الوصل بوطنه؟.

خسارة المسيري أو درويش وغيرهم من المفكرين والأدباء ليس لها أثر سوى أننا ندعي الندم كأننا نقول ضمنيا وعلى حياء ” لو أنكم بقيتم قليلا لسمعناكم” وأقصد بالسمع هنا فعل الاستماع.

 ما هو فعل الاستماع؟
لم اعرفه إلا عندما أتقنت لغة لم يكتب بها المسيري ولا درويش . يقولون في الانجليزية hear   بمعنى أن يسمع الإنسان شيئاً دون قصد الاستماع له؛ كمرور سيارة إسعاف لنقل جثث متراكمة بعد عملية تفجير، أو قذيفة تمر من فوق منزل، أو مظاهرة في ميدان عام، أو ككل شيء آخر على شاشات التلفاز لدينا.
 بعكس  listen وتعني هنا فعل الاستماع قصدا ولهدف الفهم على أقل تقدير؛ ولا يوجد لدي أمثلة لذلك، لأن الأمثلة هنا لابد أن تكون أفعال، كمثال يعبر عن استماعٍ منتجٍ لفعلٍ يخلقُ فارقاً ويثير مقومات وإمكانيات بشرية يغير أي شيء في العقول والقلوب ليغير بها أوضاعاً ويقلب موازيناً وينقل أمة من حال إلى حال.

رحل المسيري ورحل درويش وسيرحل آخرون كتبوا ويكتبون ويعبرون بكل الوسائل عن حال الأمة العربية التي تبكي حالها وترثيه دائماً ،وأحياناً  تعلق خيبتها على شماعة المؤامرات.
 وتظل كل التعابير هنا محاولات لترميم الكرامة والشجاعة التي يفترض بالعربي أنه يملكها تجاه دينه ووطنه. تلك الأمور التي أصبحت قيم كتابية فقط بعيدة كل البعد عن الواقع، لن تجد قصائد درويش تغنى إلا في مهرجانات واحتفالات الصيف والخيم الرمضانية _ وهي مناسبة أريد أن اسبق الجميع بالحديث عنها _. ولن تجد من كتب ومؤلفات المسيري سوى أنها أصبحت مراجع ومواد بحث لمزيد من متطلبات التخرج والتفوق التي يرزح تحت وطأتها كاهل الطالب العربي المطالب بالحصول على حفظ أكبر قدر ممكن من تاريخ الكلام؛ سواء كان فكرا أو شعرا أو نثرا أو علما.

لقد رحلوا، وماذا بعد؟  نحاكمهم ؟ نقرأ سيرهم ؟ نوثق تاريخهم ؟.
 هذا فقط ما نجيده، وأما غير ذلك فنحن نعلم جيدا أنهم لو ظلوا مائة سنة أخرى لن يتغير شيء بوجودهم وسننتظر حتى يموتون كي نمارس توثيق تاريخ الكلام بما فيه من خيبات ونكسات ومؤامرات، ونلعن راحلين لأننا نكرههم وكأنهم وحدهم سبب ما نحن فيه من هزيمة، ونترحم على راحلين آخرين نحبهم وكأنهم حققوا أي نصر لنا في واقعنا.

نكتب عنهم وننسى أنهم مهما كانت حسناتهم أو سيئاتهم فأمرهم إلى الله وأصبحوا تحت رحمته. ننسى سيئاتنا وننشغل في رثاء موتانا وتبيان أثر رحيلهم عنا؛ لنظل ورائهم في واقع مر نمضغه ونجتره مرارا وتكرارا. نبحث فيه عن أي شيء يبقي أفواهنا مشغولة؛ ولا شيء أوفر وارخص من الكلام؛ خصوصا الكلام عن أثر الراحلين, ذلك الأثر الذي لا أثر له

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *