الشعر ديوان العرب وروايته الأولى

في هذا المحور الأدبي والثقافي قد أبدو متجاوزا للأساسيات الأدبية الدقيقة متوجها بفكرتي نحو رؤية شمولية للتراث الأدبي العربي ،  وأثار هذا المحور اعتراض الشاعر عبدالله الزيد في أمسيته الشعرية ولقائه في نادي أبها الأدبي وعندما يعترض الأخوة الشعراء على ما يروج له في المشهد الثقافي السعودي من أن السرد والرواية بدأت تتصدر على الشعر ، فأنا معهم في هذا الاعتراض ولكنني أيضا لست معهم في كونه يشكل حقيقة بسيطة على مستوى اهتمام القارئ والذي يتم قياسه من خلال معارض الكتاب وإصدارات دور النشر ، وربما يكون السبب في كون الرواية تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا من قبل القراء ، ويجعلها تطغى على دواوين الشعر ، هو أن الرواية تأتي كعمل كلي ليس له سوابق متفرقة وعلى فترة زمنية طويلة كان يعرض فيها الروائي أجزاء من روايته . وهذا ما يحدث في الشعر ، فالشاعر لا يعكف على كتابة ديوان  ليخرجه دفعة واحدة دون أن يكون القارئ قرأ في وقت سابق إحدى القصائد التي ضمنها الشاعر في ديوانه ، بمعنى أن الشاعر لا يقدم على كتابة الديوان بإرادة فعل واحد ومتصل كما يفعل الروائي حين يكتب روايته ، ولكنه يجمع إنتاجه المستمر من القصائد التي أبدعها وأنتجتها موهبته خلال فترة معينة يكون كثيرا منها قد نشر وتلقاه القارئ . هذا ما يجعل الشعر يفقد حقوقه في الاهتمام ككتاب وليس كمكانة أدبية .

ومن ناحية أخرى ، يجب الاعتراف أن الشعر هو ديوان العرب الذي حفظ لهم موروثهم الأدبي خلال مراحل التطور الثقافي الذي مرت به اللغة العربية وآدابها . وكان مصدرا وموثقا لكل الأدوات البلاغية والفنية التي ساعدت في تحسين أنواع الأدب الأخرى والتي تعتبر حديثه عهد على الشعر، مثل القصة والرواية.

ولكن من جانب آخر ، لا يمكن لنا الإنكار أن الشعر العربي كان يحمل في داخله روح الرواية وعناصرها الأدبية ، وبالعودة للشعر الجاهلي ، وهو الفترة التي كان فيها الشعر وسيلة التعبير الوحيدة  لكل الظواهر الاجتماعية والأحداث التاريخية ، إنما كان الشعر ينوب عن السرد في هذه المهمة لكونه يملك مقومات الحفظ والتوثيق التي تناسب البيئة والمجتمع العربي آنذاك والذي كانت القراءة والكتابة فيه نادرة  ، وعندما ندرك أن أغلب قصص العرب والأحداث الكبيرة التي وقعت في تلك الفترة  وثقها الشعر والشعراء في قصائدهم ومعلقاتهم ، وكان الشاعر يضع تجربته الإنسانية بكافة أنواعها وعلى جميع المستويات التي تشرح تفاصيل تلك التجربة وعلاقتها بمحيطه البيئي والاجتماعي ، فكان الشعر يحوي في داخله عناصر المكان والزمان والحبكة والعقدة والأحداث والشخصيات وحتى أحيانا الحوارات والصراع الداخلي ، وكلها عناصر أصبحت فيما بعد واتفق الجميع على أنها شروط أساسية يجب توفرها في العمل الروائي . كما أن اللغة الشعرية ظلت دليل جودة وعلامة مميزة للكثير من الأعمال الأدبية ، وهذا ما يجعل هوية الشعر العربي تشرح أهم تطورات مراحلنا الأدبية ، وتلعب دورا هاما في تشكيل معالمها ، بما لا يمكننا معه إنكار مكانة الشعر والذي أيضا يغلب المظاهر الثقافية الأخرى على المستوى الشعبي .

 

اطمئن الأخوة الشعراء ، بأن مكانة الشعر وصدارته مازالت قائمة ، وأن السرد بأكبر أمثلته وهي الرواية لا يمكن له منافسة الشعر على تلك المكانة ، ولكن السرد يملك الحق أيضا في أن يحقق مكاسبه النوعية على مستوى القراء واهتماماتهم الحديثة والتي يمكن قياسها من خلال الأرقام التي تقدمها دور النشر وتثبتها معارض الكتاب الدولية في كل مكان . وكما أسلفت إن تصدر الكتاب لقائمة الكتب الأكثر مبيعا لا يجعله يأخذ مكانة تفوق مكانته الثقافية وربما بالعكس أصبح هذا التصدر مرتبطا بعوامل ذوقية متدينة ربما تدين السرد لتجعل الرواة يتمنون لو لم يكتبوا الرواية .

 

 

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *