إشارة الورد

ما من قضية تتم إثارتها في وطننا العزيز، حتى تصبح قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، ويصبح للجميع حق المشاركة في الاقتراح والتنظير حول هذه القضية، وفي نظري أن هذا الأمر يعطيني فكرة عن مدى أهمية وثقل دولتنا في المجتمع الدولي، وكيف أن دولتنا تؤثر على أغلب الكيانات الأخرى سواء المجاورة أو البعيدة، أو تلك المتعاونة والمرتبطة بنا سياسيا واقتصاديا. وخارج الوطن يستطيع المواطن السعودي تلمس هذا الأمر وملاحظته. قضية سعودية داخلية بسيطة وذات أبعاد خاصة بالمجتمع السعودي، تصبح بقدرة قادر عنواناً يتصدر كل وسائل الإعلام المقروءة والمرئية. ولم أعد بحاجة إلى تتبع الأخبار عن الوطن فهي تصلني حتى من سائق التكسي الذي ينقلني من الجامعة إلى المنزل ؛ كما حصل لي بعد يوم دراسي شاق في الجامعة، خرجت وركبت سيارة أجرة يسوقها مواطن أردني، وكعادة السواقين هناك، بدأ بالسؤال هل أنت سعودي؟ ولم يكن ينتظر الإجابة كما توقعت، بل كان فقط يريد جذب انتباهي لكي يتحدث عن موضوع أو يثير قضية معينة، والجميل في هذا البلد، أن سواقي التكاسي، ليسوا دائما ذوي ثقافة محدودة، فربما تفاجأ بأنك تركب مع حامل شهادة سياسة أو قانون أو أدب أو علم نفس، والكثير الكثير من الشهادات والعقول تشرفت بالتحدث إليها.

وعند أول إشارة مرورية توقفنا، ونظر السائق إلى جواره. وأطلق تمتمة من فمه. كانت تشبه الضحكة المكتومة. وهذه إشارة لجذب انتباهي، إعلان لبداية النقاش – كما تعودت -، حولنا ما يقارب الست سيارات تقف بجوارنا وخلفنا وأمامنا، أربع منها يقودها (أربع نساء)؛ إحداهن متحجبة ومعها أولادها في زي المدارس. وأما الأخريات فكن بدون حجاب. سبحان الله كيف تناسب الموقف مع القضية التي سيبدأ بالحديث عنها السائق. وكانت القضية التي اعتقدت؛ بعد أن ضج بها وطني لابد أن ينتقل الضجيج إلى الدول المجاورة، فنحن دولة يقاس ما نفعله فيها على أنه استسلام لنفس الظروف التي استسلمت لها المجتمعات الأخرى من حولنا، وأحيانا تكون هناك نظرات متسائلة : هل أنتم أكثر فضيلة وشرفا منا ؟، هل رجالكم أكثر غيرة من رجالنا ؟، هل نساؤكم أكثر شرفا من نسائنا؟.
ومن المؤسف جدا أن إجابة (نعم) هي النظرة التي يمثلها الكثير من أبناء هذا الوطن لمن يقابلهم في المجتمعات الأخرى. فكم من مرة أخذ يتحدث أحد المواطنين بنظرة دونية عن بعض الممارسات في دول أخرى مجاورة سواء عربية أو خليجية. متجاهلا حضور أحد الأصدقاء والزملاء المحترمين من تلك الدولة. ويصبح الموقف كأنه طعن مباشر وصريح في أعراض الآخرين. وكم من مرة سألت : لماذا نفعل ذلك؟
كانت تلك هي الأسئلة الفعلية التي باشرني بها السائق بجواري، بدأ يضرب الأمثلة بما حوله من سيارات ومن نساء يقدنها، وكيف أن تلك التي لا تلبس حجابا لا أحد يتعرض لها، ولا أحد يوقفها لينتهك عرضها، تماما كالأخرى التي تلبس الحجاب، وأن كلاً منهن اختارت طريقة لبسها وحياتها بغض النظر عن قيادة السيارة، وكانت هناك سيارة أخرى تقودها امرأة وبجانبها رجل كبير في السن يغلب البياض على لحيته، لم يدعهم هذا السائق إلا وأشار إليهم كمثال على أن المرأة التي تقود يمكن لها مشاركة الرجل ومساعدته. كان الحديث من طرف واحد، ولم أشارك إلا بسؤال واحد: ما هو تخصصك؟.. فأجاب بأنه يحمل إحدى الشهادات التي ذكرتها سابقا. وعدا هذا السؤال، فأنا أحتفظ بكل ما لدي حتى أعود للوطن، فالمجالس هناك تنتظر الكثير من الأحاديث، والجميع مشغول بقضية قيادة المرأة للسيارة، من مجلس الشورى حتى مجلس شباب الحارة.
قضية قيادة المرأة للسيارة، أصبحت هاجساً إعلامياً وارتبط بقضايا اجتماعية وسياسية، ولن أقول دينية، لأن الدين هو العنصر الرئيسي في إثارة كل تلك النقاشات.
أفكر بكل هذا وكيف نستهلك الاستشارات والمحاورات والمناظرات، من أجل قضية ذات بعد شخصي، هناك من يريد وهناك من يرفض، إذن الصيغة التي يجب أن تطرح هي كيف لنا تحقيق رغبة أحدهم واحترام رغبته، مع الاحتفاظ برفض الآخر واحترام رفضه. ما هي الوسائل التي نلزم بها جميع الأطراف على احترام الاختلاف في الخيارات، ما هي العملية الاجتماعية والأمنية التي توفر معادلة متوازنة تضمن الحريات الشخصية.
تلك هي القضية المطروحة وليست قيادة المرأة.
الإشارة الخضراء تعلن انتهاء النقاش – رغم أنه من طرف واحد – وأنتهي أنا من التفكير وأتابع تلك السيارات تتحرك إلى الأمام. ويقول السائق: إن المرأة أكثر التزاما بقواعد المرور من الرجل، ومن المفروض أن نقدر لها هذا الأمر ونغير الإشارات الحمراء إلى لون الورد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *