تعريب الطب وكسر عظم لا اسم له

قرأت في شريط متحرك لإحدى المواقع الإخبارية أن 50 كلية طب عربية تدرس تعريب المناهج الطبية ، وهنا استرجعت المقابلة الشخصية التي أهلتني لدخول كلية الطب في جامعة الملك سعود عام 1415 هجرية ، وكان في لجنة المقابلة ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب ، وكان أحد الأسئلة التي وجهت لي في ذلك اللقاء هو سؤال مرتبط بتعريب المناهج  وما إذا كنت أرى ذلك مناسبا أم لا؟
وبصراحة أتذكر جيدا ردة فعلي التي أتت عفوية في بدايتها عندما عبرت عن سوء هذه الفكرة ودفعني حماس الشباب الذي يكسر حواجز الخوف والتصريح بالآراء مباشرة إلى التبرير بأن ذلك سيؤخر الطب لدينا ، لكن عندما لاحظت وجوه أعضاء اللجنة وكيف أنها تفاوتت ما بين ابتسامات ساخرة وممتعضة ، تداركت الموقف باعتباره سيحدد مستقبلي ، فعدت لكي أقول أن ذلك ممكن بوجود مراكز ترجمة مهمة كالتي لدينا وأشخاص مؤهلين وعلى درجة عالية من العلم ، وتحدثت بأمور خيالية بعضها صحيح والبعض الآخر مبالغ فيه جدا لمجرد أن أخرج من المأزق ، وكأنني في تلك اللحظة أحاول أن ” أرقع في الشق ” الذي أحدثته إجابتي الأولى ، وتخيلت نفسي مواطنا ينتقد كل شيء في مدينته حتى يصبح أمام التلفاز الرسمي فيعبر عن امتنانه لكل القطاعات الحكومية وشكره الشديد لكل تلك الإمكانيات ناسيا ما يزعجه في كل شيء حوله ، وتلك حالة عامة من الخوف تنشأ عن توهم البعض من أن الانتقاد سوف يسبب غضب النظام والحكومة ويرمي بالمواطن إلى غياهب السجون .


 وهذا ما اعترف به الآن وهو أن خوفي جعلني أتراجع عن أقوالي واعبر عن امتناني لهذه الفكرة السديدة وهي تعريب المناهج الطبية ، وبعد محاولة في جامعة الملك سعود لمدة خمس سنين لم تكلل بالنجاح ، تبعتها محاولة أخرى لمدة أربع سنوات بدأتها من الصفر في الجامعة الأردنية .أكملت فيها ما مجموعه 11 سنة دراسة في كلية الطب ، تعرفت خلالها على المناهج الطبية وربما حفظت اغلبها حفظا تاما لتكرارها بين الجامعتين وتشربت كل الأنظمة الأكاديمية و لوائح التعليم العالي في الوطن وفي دولة عربية شقيقة مما جعلني أحيانا موضع تندر العديد من الأصدقاء والزملاء باعتباري خبير أكاديمي لديه خبرة 11 سنة في المجال الأكاديمي ، ولعل السخرية هنا هذا الأمر صحيح جدا ويؤهلني للتحدث في هذا الموضوع وانتقاده دون أي خوف من الانتقاد الذي أصبح شائعا في كل الوسائل الإعلامية  وأن رأيي المتواضع والخفيف على القلب _ إن شاءه الله _ سيكون رأي المجرب الذي اعتدنا أن يكون مقدما على رأي الطبيب ، فهل يمكن فعلا تعريب المناهج الطبية للعربية ؟

 دعوني أخبركم بالحقيقة، التي يفرضها الواقع ولست أنا من يتخيلها. سأعرضها دون الدخول في خطابات قومية وتاريخية عن اللغة العربية والعلم في العالم الإسلامي ، ولكن بعرض أمثلة من الواقع ، ومنها مثال عايشته عن قرب وأطلعت عليه ، حيث أن الزملاء في مهنة الطب والدارسين للطب في سوريا الشقيقة درسوا الطب باللغة العربية ، وفهمت منهم أن الأمر متعب لهم لأنه يعزلهم عنا نحن من ندرس باللغة الانجليزية ويؤخرهم في دراسة اللغة الانجليزية كرديف ومتطلب مهم كون المراجع المهمة والأساسية تأتي باللغة الانجليزية فقط ، ويظل الطالب مضطرا لمتابعة دراسة اللغة الانجليزية ليبقى متصلا بالطب الحديث خلال حياته العملية ،وكذلك الأطباء الذين درسوا في روسيا أو دول أوروبا الشرقية ، نجدهم حين يعودون للوطن العربي حريصين على تحسين لغتهم الانجليزية ويتحدثون عن تأخر المراجع الطبية في تلك الدول عن مستجدات الطب الحديث،  كما أنني خلال دراستي وجدت كتبا عربية أو بالأصح كتيبات ، ولاحظت أن المتخصصين العرب يميلون إلى التلخيص والاختصار وتسهيل المواد على الطالب بذكر أساسيات ربما قديمة  والإشارة إلى مراجع انجليزية أكبر وأهم ، ومن ذلك مادة ” علم وظائف الأعضاء ” وهي مادة أساسية في الطب .
عدا عن الأمثلة والأدلة العالمية التي تثبت أن الجامعات الغربية وخصوصا الأمريكية والكندية والبريطانية وتلك التي تدرس موادها باللغة الانجليزية هي الأولى على قوائم كليات الطب ، وتلك الدول التي تدرس الطب بلغاتها المحلية  ينظر إلى خريجيها في المجال الطبي كالناقصين حتى يثبتوا أنفسهم من خلال مزيد من الدراسة لنفس العلوم ولكن باللغة الانجليزية . وكل ذلك إشارات ودلائل تجعلنا غير قادرين على  تجاهل الحقيقة التي تثبت دائما وفي كل مجال بأن اللغة الانجليزية نواة المنظومة العلمية المعاصرة  لكل المجالات العلمية الحديثة طبية كانت أو غيرها ، وعلى جميع المستويات حتى البرامج الحاسوبية التي تشغل الأجهزة الطبية باللغة الانجليزية ، وكذلك الأنظمة الاقتصادية والإدارية والتربوية والأكاديمية مازالت تعتبر اللغة الانجليزية متطلب مهم جدا لإتقان العمل ورفع الإنتاجية العلمية والعملية . لماذا إذن نحاول إنكار الواقع؛ والدخول في متاهات المشاكل وإيجاد الحلول.؟ لماذا ندرس الطب باللغة العربية ونحن نعلم أن الطبيب سيتخرج ليقرأ ويعيد قراءة كل ما تعلمه باللغة الانجليزية . ؟

افتخر بلغتي العربية ، وأحبها كثيرا وارى أنها أبدعت في كل المجالات ، ولكن من المبكر جدا _ وأكرر انه مبكر جدا _ أن نقحم أنفسنا في جدال لا ينتهي حول التعريب ، فمجمعات اللغة العربية مازالت حتى الآن لم تتفق على الأمور الأدبية في الترجمة والتعريب ، وعندما تقرأ كتابا أدبيا مترجما عن اللغة الانجليزية بواسطة دار نشر لبنانية ستجده مختلفا عن ذلك الذي ترجمته دار نشر مصرية أو سورية ، نحن لم نتفق حتى الآن على تسمية التلفاز بالرائي والراديو بالمذياع والفاكس بالطبقصل _وهي كلمة منحوتة من جملة ” صورة طبق الأصل “_ ، بالإضافة إلى الاختلاف العربي في الترجمة عند إخوتنا وأشقائنا في الدول العربية في الشمال الإفريقي والتي يبهرني فيها تلك المسميات التي اسمعها خلال التعليق على مباريات كرة القدم ، فالضربة الركنية تسمى صعقة ركنية .
دعونا من ذلك، هل تريدون فعلا معرفة مشكلتنا مع اللغة العربية ؟ لن أخبركم واترك الحظ يسعفكم يوما وتجلسون أمام إحدى القنوات العربية التي تعرض مناقشات برلمانية حيث تكون معظم الاحتجاجات تعديلات لغوية على النصوص الدارجة في النقاش ؟ فما بالكم بالمصطلحات الطبية كيف سيكون حجم الاختلاف فيها ومدة الوصول إلى اتفاق بخصوصها ؟
 أليس هذا اختلافا جذريا فكيف لنا أن نصبه في مجال واسع جدا ومهم جدا وحيوي جدا مثل الطب، لماذا نخلق فراغا وقطعية في التواصل والمواكبة لمستجدات العلم الحديث بجعل الترجمة جسرا غير موثوق فيه لكثرة الاختلاف فيه. وفي ظل عدم توفر قاعدة متفق عليها من التعريب والترجمة.  
 إن التدفق الهائل للمعلومات الطبية والذي تابعته عن قرب وباستمرار يجعلني أتأكد من أننا سنقع في مشكلة كبيرة ونخلق فراغا علميا يمنعنا من الاستمرار في التطور ومتابعة العالم الحديث.
اللغة الانجليزية أصبحت أساس للمنظومة العالمية العلمية وهي واقع لا يمكن إنكاره ، ولا يمكن بكل سهولة هدم هذا الأساس والبدء من جديد في بناء أساس آخر قد يؤخرنا الاتفاق عليه عقودا أخرى ، لأن الفكر عملية تعتمد في عملها على اللغة التي هي أهم أدوات الفهم ، وعندما نفعل ذلك فنحن نعطل القدرات العقلية بطريقة ما حين نجعل الطبيب العربي يقرأ المراجع والدوريات الانجليزية وذهنه يحاول ترجمتها حسب الترجمة الأقرب لمناهجه التي درسها ، فذلك له أثر كبير لأن الدراسة في كليات الطب هي الأساس الذي يؤهل الطبيب فكريا وعلميا ويشحذ أدواته العقلية ويكونها بطريقة تجعلها تتناسب مع الحياة المهنية للطبيب حين يتخرج ويغادر الكلية ، نحن مازلنا نعلن الشكوى ونصرح دائما بأن الطب في العالم العربي ومستواه مازال متدهورا وأن الانجازات الطبية التي تأتي بشكل بسيط وفردي ومتقطع لا تعادل تلك الانجازات والبحوث العلمية التي أصبحت لكثرتها  أمر مسلم به لا يحتاج للإعلام ولا للمتابعة والإشهار.
 إن المجال الطبي واسع ومتطور ومتنوع ، المؤسسات الطبية في العالم الغربي التي تهتم بالأبحاث الدوائية منها والمرضية ، أصبحت شائعة لدرجة أن أصبحت تتنافس اقتصاديا بطريقة تعجل بالحركة العلمية التي تحتاج للمادة كي تستمر في تطورها وتحديثها نظرا لتكلفة تلك الأبحاث ؛ لن أطالب بتوفر نفس المستوى العلمي من مراكز أبحاث خاصة وضخمة وميزانيات كبيرة للبحث العلمي ولكن سأتساءل فيما إذا كان لدينا إمكانيات ومراكز ترجمة واتفاقيات لغوية أساسية تخدمنا بطريقة أسرع ولا تؤخرنا .؟
 إن تعريب المناهج الطبية هو خيار بذخ ونعرة كذابة ومحاولة لتدارك التأخر الذي يجب أن لا نجعله عيبا يجعلنا نبحث عن خيارات تزيدنا تأخرا ، لم تفعل اليابان ذلك وهي التي ضربتها أمريكا بالقنبلة النووية وجعلتها تعود للعصر الحجري لتعود وتسبق أمريكا في كل شي وبنفس لغتها ، والصين الآن لا تعزل نفسها عن الثقافة والعلوم الغربية وتتقبلها على جميع الأصعدة وأصبحت مصدرا جديدا  يهدد الاحتكار الغربي . إن كان لا بد أن تعرب المناهج الطبية فليكن ذلك ضرورة يفرضها الواقع لا خيار يزيد الواقع صعوبة ويؤخرنا أكثر.
كليات الطب العربية حاليا تخرج أطباء من مستوى مقبول عالميا وتجعلهم قادرين على التفاعل مباشرة مع تطورات الطب حال التخرج والمشاركة والدراسة في الخارج بدون أي تأخير، فلماذا نعطل ذلك بمسألة اللغة ؟
 لا أجد هناك ضرورة؛ لذلك اعتبره خيار متعجل ومبكر حتى للبدء في دراسته، في وقت نحن بحاجة لدراسة المستوى العلمي للأبحاث والمراكز العلمية المتخصصة. هل نترك كل هذا ونتجه لمسألة اللغة ؟
 وعموما وكي لا يتهمني احد بأنني حداثي النزعة غربي الهوى والانتماء ، أقول لكم ، حاولوا جميعا فهم هذا الاسم الطبي العربي لعظم الحوض ، الذي هو الحوض كما قلت ولكن طبيا وفي منهج مصطلحات طبية عربية يسمى ( العظم اللا اسم له ) . واعتقد انه عظم نعرة العروبة التي تجعلنا أقدر الشعوب على خلق المشاكل والاحتياجات لا على احتواء الحلول ومجاراتها والانطلاق من حيث انتهى الآخرون . وكأننا نكسر العظم كي نجبره مرة أخرى ، فلا ينجبر ولا يسلم من كسرنا .

3 تعليقات على: تعريب الطب وكسر عظم لا اسم له

  1. يوم من الأيام كتب:

    يسلم مخك

  2. ذيب كتب:

    يا أخي إبراهيم ، قرأت موضوعك ولكن أرى و أنا طالب الصيدلة أن القدرة على الحفظ باللغة الأم للأفراد تزداد بشكل كبير
    و المعلومة تسكن الدماغ لمدة أطول لو أنها حفظت باللغة الأم للشخص
    هذا عدا الفهم

    طلاب جامعه الملك سعود في الطب والصيدله و العلوم الطبيه عايشين على المذكرات ومجانبين الكتب
    و الندرة من تقرأ من الكتب !

  3. يا سيدي إن تدريس العلوم الطب بلغة أجنبية في الجامعات العربية يختلف عن الاستفادة عن علوم الآخرين المكتوبة باللغة الإنجليزية، فإلقاء المحاضرات بالانجليزية وإجبار الطلاب على كتابة بحوثهم وأوراق امتحاناتهم بالإنجليزية إنتاج، أو قل إعادة إنتاج للغة، والقراءة والاستماع عبارة عن تلقي للغة.

    و تعلم قراءة لغة ما وفهم ما يكتب بها أيسر من التحدث والكتابة بها. وعليه فإن الاستفادة من علوم الآخرين لا تقتضي التحدث والكتابة بلغتهم وإنما القراءة بها، وإن كان هذا لا يحمينا من مخاطر التغريب والافتتان بالآخرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *