فوضى المؤامرة الخلاقة

كنت أفكر بالحديث عن الفشل والحزن وغيره من الأمور التي ابتليت بها ما تبقى من “أمة”. وكيف أن الإسلام بدأ يظهر في تسامحه وطيبة الناس فيه كدين مهزومين لا حول لهم ولا قوة ، ومن جلد للذات وإعلان للتوبات وبكاء جماعي في المحاضرات والمؤتمرات.

وخطر لي أن اضمن ذلك في مقالة طلب مني أن أكتبها  عن الراحل “المسيري” رحمه الله  وكيف أن المقال المتوقع مني كان مقال تأبين وتمجيد لما قدمه خلال مسيرته الفكرية ، ولكن للأسف لم أجد لدي ما يشبه هذا التوقع ولا حتى ما هو قريب منه.

بل على العكس ؛ منذ أن عرفت المسيري وقرأت له وجدت أنه مؤسس جيد لما يسمى “نظرية المؤامرة” رغم أنه حاول تفادي وصفها بالمعنى الصريح كمؤامرة ، ولكنه فعل من حيث لا يدري بالتركيز على قراءة الصهيونية واليهودية بطريقة تجعلهم يظهرون إنهم كانوا وما زالوا قادرين على بناء واقعنا اليوم والتخطيط له منذ القدم  وأيضا التحضير لمستقبلنا دون أن يكون لنا أية إرادة أو محاولة في منع ذلك.
 ونظرية المؤامرة وإن كانت موجودة في ظرفية صغيرة إلا أن مفكرينا جعلوا منها تاريخا مترابطا محبوكا يقصده أصحابه منذ أن خسروا أول معاركهم مع المسلمين، وجعلوا من الصهيونية إلها جديدا يتحكم بهذا العالم فأفقدوا الناس إيمانهم بالقدرة على المقاومة وجعلوهم يشعرون بأنهم أحذية ينتعلها كل من أراد في اتجاه تحقيق مصالحه دون أن يكون له رأي رافض.

ولنقل أن الصهيونية واليهودية استطاعتا تحقيق المؤامرة الوحيدة، وهي إعلامية فقط لم تكن أكثر من أنها استطاعت إقناع المهزومين بأنهم واقعين تحت سيطرة ” نظرية مؤامرة ” نسجت خيوطها منذ أن كتب أول خطاب لآخر سلاطين الدولة العثمانية حين طلبوا منه تقديم القدس أرضا لليهود

وكان قبل ذلك مقال هاسلر عن أرض بديلة لليهود وضعت فيه عدة خيارات غير فلسطين والشرق الأوسط وكان على ما اذكر منها دولة في أفريقيا وأخرى في أمريكا اللاتينية

وهكذا ظل الناس يقتنعون بتزايد مستمر تدعمهم كل مظاهر الإعلام ، ومشاركة المثقفين والمفكرين في توثيق كل ظاهرة وصدفة يطلقها إعلامهم ليجعلها بناءا محكما في نظرية لا يغادرها صغيرة أو كبيرة مما أوقع في نفوس الناس عدم الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى موجود في خلال كل هذا وانه مقدر الأقدار وصانع التاريخ وليس الصهاينة كما أثبت لهم مفكرونا

المسيري لم يشارك في ذلك عن سوء نية ولكن كفعل مقاومة يريد أن يخلق في الناس ردة فعل ويحذرهم من الوقوع في شرائك تلك المؤامرة والانسياق فيها ، ولكن حجم ما طرحه مفكرونا ومنهم المسيري رحمه الله يجعل من المستحيل على أن الناس فهم الحذر واتخاذ الحرص فقط بل يتجاوزه إلى الاستسلام

من ذلك ما شاع بين الناس من طبيعة متسامحة تجاه كل الأمور وكيف أن كل مجلس ذكر ودعاء أصبح مجلس بكاء وعويل وانهزامية لم يقرها الإسلام وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ضرب بعصاه ذلك الذي خرج من المسجد وهو في حالة استسلام يعتقدها خشوعا وابتهالا

ولكي أؤسس لنظرية عربية قديمة اعتقد فعلا أن حديثي هنا ينطبق عليه ما يعرف بأن الحديث ذو شجون وكل فكرة وردت فيما سبق لم يكن لها أي نية تخطيط لما سأنتقل إليه الآن
 وبالفعل هذا ما يحدث هنا فالحديث خرج من كل سيطرة محكمة وأصبح عبثا وفوضى لذلك أجد من المناسب الحديث عن ما يسمى ” الفوضى الخلاقة “. والتي وردت على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية في تصريح لها عن ما يحدث في العراق ، كمحاولة لتجميل واقع القراءات ضد فشل السياسة الأمريكية من تحقيق مصالحها أو ما ادعت أنها تريد فعله في العراق ليصبح أكثر ديمقراطية واستقرار ، محولة بذلك ذلك الفشل إلى فصل جديد من فصول المؤامرة المحبوكة وإدخال عنصر الإبداع والخلق فيها على مستوى عبثي لا يفهمه إلا الأذكياء في الغرب ويؤمن بذلك الأغبياء في الشرق الأوسط .

فهل هناك فعلا ما يسمى “الفوضى الخلاقة؟”

كنت قد تحدثت عنها في جمع صغير على شكل محاضرة مختصرة ، وقلت نعم هناك ما يسمى الفوضى الخلاقة ولكن ليس كما يعتقد المدعون لها؛ هي فوضى في الظاهر منها، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن كل شيء مقدر بقدر ومفصل تفصيلا من لدن الله سبحانه وتعالى ، فيكون معنى ” الفوضى ” هو تعريف لحجم الإدراك الطبيعي لقدرة العقل البشري ، حين يعتقد بأن الأمور تنشأ من عدمية مطلقة وأنها تولد نفسها بعيدا عن تحكم أعلى وقدرة أكبر وهذا يناسب عقل الإنسان الذي يحاول دائما التحرر من كل سيطرة مفروضة عليه.

وحين يقول أحدهم أن غرفته مليئة بالفوضى هو لا يعرف أن تلك الفوضى هي في تفاصيلها الدقيقة نظام متكون لسبب غائب عن إدراكه وقدرته العقلية ، والدليل على ذلك أن تلك الفوضى في غرفته لا تمنعه من أن يجد أغراضه بسرعة ودون بحث وتأخر ، بعكس لو تدخل عنصر خارجي يدعي الترتيب والتنظيم لتلك الفوضى ، ليجد نفس الشخص غرفته مرتبة في ظاهرها ولكنها غريبة عليه لا يجد فيها شيئا مما تعود وضعه في مكان ما دون انتباه ودون تنظيم فهل كانت فوضاه نظاما.؟

إن الفوضى كما أسلفت هي أحداث صغيرة متراكمة عبر ظروف مكانية وزمانية متقاربة بما يمكن جمعه وإدراكه دون العودة للبحث، أو ممتدة ومتباعدة بما لا يمكن إدراكه إلا بالعودة للبحث والتدقيق في التاريخ وإيجاد أنساقه ونمطا يشير إلى الحاضر ، ومن الطبيعي أن يركز الإنسان على حاضره حين يريد رسم خارطة تتجه من الماضي إليه حيث يقف ، وهنا يكون الحاضر هو المؤثر الحقيقي والمحرك لشكل تلك الخارطة ، وليس للخارطة علاقة بكونها مرسومة من قبل المشاركين في أحداثها ، لأنه كما أسلفت هناك قدر متحكم وقدرة أعلى هي التي شاءت وأرادت _ سبحانه وتعالى _ للناس قبل أن يشاءوا واختارت لهم وتركت لهم مجالا للاختيار أيضا بما لا يتجاوز التحكم الكامل لله سبحانه وتعالى

لكن الذي حدث أن الحاضر أصبح أكثر إحباطا ومثيرا لليأس ويحتاج من متأمليه بدقة تبريرا آخر يبعد عنهم شبهات الخطأ ويضعهم في خانة الضحايا التي لم يكن لها قدرة على الرفض أو المقاومة بما مكنها الله من تمييز وإدراك هذا الفعل هو ما أسموه ” نظرية المؤامرة “

نجد اليوم أن الجميع يظهر مظاهر الخوف والذلة والمسكنة والحسرة والندم والتسامح بطريقة تجعله موضع شفقة أكثر منه موضع احترام لإنسانيته التي امتهنت بجعله غير قادر على محاربة حتى ” النظرية ” والتي ليس يشترط لها تطبيق حقيقي ، وكما قال أحدهم إن المسافة بين النظرية والتطبيق هي نفس المسافة بين الحلم والواقع إلا أن ذلك لم يمنعنا من اعتبارها تطبيقا منتهيا بما تشير إليه دلائل تاريخية أتت موازية لفعل القدر والإنسان مشاركا وليس العكس بأن يكون الفعل إنسانيا والقدر مشاركا فقط

لهذا ربما أكره تلك المظاهر المتمثلة بشيخ يستثير البكاء والنحيب في الحاضرين له ويجعلهم مسلوبي القدرة على التغيير ، ويترك لهم مجالا فقط هو مجال التحرك في فعل خال من أخطاء الماضي ولا يضيف له صوابا جديدا أو تفكيرا جديدا ، فتصبح التوبة فقط هي غسل القلوب لتعود خالية وتظل خالية من جديد ، دون أن يملأها شيء يقوي عزيمتها وإرادتها ويبث فيها لونا جديدا ليس شرطا أن يكون البياض فقط ولكن أيضا لون الانتصار ولون التحرك بفعل مقاوم ؛وكذلك كرهت كل فكر يبث الاستسلام حتى وإن قصد التحذير، يركز على البحث بما يكمل خارطة تخلي مسؤولية الناس ويجعلهم في خانة الضحايا ، ويقنعهم بأنهم غير قادرين على مواجهة تلك الآلة الضخمة المتكالبة في أمم وجدت في مفكرينا من يخدمها أكثر من مفكريها ، فأثبتوا لها فوضاها الخلاقة ونظرية مؤامرتها وخلدوها في الأذهان.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *