الله – العقل – التاريخ

وعندما نتحدث عن الإنسان، فنحن نبدأ بمحور” العقل: رغم أنني وضعته في المرتبة الثانية في ترتيب النقاط، إلا أن الترتيب هناك لا يعني التدرج بقدر ما يعني التكامل باتجاهين مختلفين يكون العقل أوسطهم. وعليه:
 
إن من الصعب على العقل أن ينطلق من الصفر، ومهما كانت قدراته وإمكانياته الإدراكية فهو بحاجة لدلائل وإشارات تبقيه على اتصال بالمحيط من حوله وتكون علاقته بهذه الحياة بما يجعله قادرا على التعامل معها بأفضل وسيلة ممكنة ، ولذلك كان العقل يحتوي في داخله نقاط البداية التي تتكون الأدوات البدائية ، ولكي لا أكون معقدا للفكرة، دعوني اعرض مثالا عن العقل الباطن، حيث تكمن ابسط الأدوات العقلية والتي يستخدمها الإنسان بدون إرادة وأدراك حقيقي لتلك الأدوات ، المثال هو أن قطة صغيرة للتو ولدت وبالكاد بدأت تتحرك وتفتح عينيها سوف تتعامل مع الحبل حين يلقى إليها بنفس الطريقة التي تتعامل بها القطة الكبيرة التي سبق لها تجربة المواجهة مع الأفعى، فهل كانت التجربة هنا كامنة في العقل بكل جوانبها من المحفزات وردات الفعل.

والإنسان كذلك ،يمشي ويجري ويبحث عن الغذاء ويقاتل من أجل البقاء ويقاوم المناخ والطقس ويميز بين الكيانات الصديقة والأخرى العدوة ، كل تلك إنما هي أدوات بدائية يملكها الإنسان الجاهل والعالم على حد سواء، وكلاهما يستخدمان تلك الأدوات بطريقة لا إرادية أو بدون إدراك حقيقي لكونها كامنة في العقل . 
فهل يملك الإنسان القدرة على التحكم بعقله.؟

إنني لو قلت لأحدهم توقف عن التفكير، سوف يبدأ بالتفكير في إيقاف عقله ، وهنا نلاحظ أنه لن يستطيع إيقاف تفكيره ، لذلك كان من المفترض أن يكون النوم أو افتقاد الوعي لظرف خارجي هو السبيل الوحيد الظاهري لذلك رغم أنه غير حقيقي . مما يجعل العقل الإنساني هو العقل الأدنى في مقابل عقل أعلى قادر على التحكم به، وهذا العقل الأعلى هو الكيان الكامل والقوة العاقلة التي في جميع أحوالها يمكن إثباتها من اختبار الإنسان لمحيطه ، فذلك الذي يمسك بكأس من الماء وينفخ فيه ويرى أثر ذلك على الماء ، لا بد أنه سيقف أمام البحر ويرى أمواجه ويعتقد بأن هناك قوة أخرى وأكبر تصنع ذلك الأثر، وأيضا الرجل الذي يحمل حجرا بيده ويرميه ، ثم يجد حجرا أكبر فيحضر حصانا أو فيلا لسحبه ، سوف يقف عاجزا أمام الجبل الذي سيرى بنفسه ويكتشف بالمشاهدة أن هناك قوى قادرة على تحريكه . وما عبرت عنه في السابق هو الإدراك العقلي وقدرته على الاكتشاف من خلال أبسط الدلائل التي تثيرها حوله الطبيعة وتربطه بها علاقات الحياة .

ولكن في الجهة المقابلة يظل الإنسان عاجزا عن إدراك الغائب عنه والذي يعود إلى ما قبل وجود هذا العقل ، فهل يعني هذا أن ما لم يمكن ملاحظته ومشاهدته هو غير موجود وغير مؤثر في محيط الإنسان وعلاقاته بالطبيعة ؟

بالطبع لا ، فكما أخبرت سابقا في الأمثلة التي ذكرتها عن القطة والإنسان ، كانت تلك تجارب كامنة احتفظت بعموم ردات فعلها كموروث عقلي يتم تناقله عبر أجيال من العقول المتكاثرة على طول السلسلة الحضارية لتاريخ الإنسان . وبالتالي فإن البحث في الوراء وإعادة قراءة التاريخ سوف تصبح هاجسا للعقل يحاول بها تحديد علاقته بالحياة وطبيعة تكون إدراكه ، وهنا يأتي التاريخ ليثبت للعقل أن إدراكاته التي نشأت عن طريق الصدفة ومهما بلغت بساطتها كانت متواجدة بتجارب اكبر تعقيدا مما يملك وانه العقل الذي يملكه أي إنسان لا يمكن أبدا أن يكون نقطة الصفر التي ينطلق منها .

 
لذلك من المستحيل أبدا تحرير العقل وإطلاق العنان له ، فهو بذلك يحاول فرض وجوده من خلال إنكار وجود العقل الأعلى أو القوة العاقلة أو الكائن الكامل أو من خلال إلغاء العقول التي ارتبطت بتواجده من حيث التسلسل في الخلق حتى حضوره وبداية عقله .
 
وفي الطرف الآخر لا يمكن للعقل أن يلغي وجوده الذاتي من خلال التطبيق التقليدي المطلق لمادة التاريخ وما تحتويه من إثباتات وحقائق ، لأنه سوف يكون بذلك معطلا لوجوده وحقيقة تفاعله مع الواقع الذي يعيش فيه ، وهنا أيضا مشكلة أخرى وهي تقييد العقل وإلغاء قدراته ، وبين هذين الطرفين يكون الإنسان متوترا ومتأرجحا حسب معطيات أخرى لا علاقة لها بالعقل تدفعه تجاه أحد الأطراف في مقابل إلغائه للطرف الآخر ، وتلك هي العاطفة ، وهي التي تعكس انفعالات غير عقلية ناتجة عن مسألة أخرى وهي النفس ، وما تحويه من أدوات لا عقلية مثل الأهواء والنزعات والغرائز ، وهنا تكمن المشكلة في أن العقل يصبح في أحيان كثيرة متطرفا نظرا لوقوعه تحت سيطرة مطلقة لتلك العاطفة مما يجعله يختار أحد الأطراف المقيدة أو المطلقة . ولذلك يصبح الإنسان في هذه الحياة يحاول الموازنة بين ما يثبته له عقله وبين ما تشير إليه عاطفته، وبين ما يثبته التاريخ وتناقضه نتائج الواقع؛ ويحاول أن يلتقط الأنسب لظروفه المكانية والزمنية ، ولكنه في هذه اللحظة سوف يهمل جانبا بعيدا كل البعد عن الإنسانية له قدرة على التغيير فيها ، وهي ما يتم التعبير عنه بـ (الحظ) (الصدف) وفي مجملها هي جزئيات لمصطلح كلي هو (القدر) والذي لا يملك الإنسان أي طريقة لاختباره أو معرفته وليس لديه أي حل سوى الوقوع فيه ، وهذا ما يجعل الغيبيات أمر ملزم على الإنسان وعليه الإيمان بوجودها والوقوف عند حدودها حيث تنتهي قدرته العقلية ، لأن العقل إن حاول قدر استطاعته الذهاب بعيدا محاولا دفع كل قدراته لاكتشاف ذلك المكان ، إنما هو يحرق عقله بطريقة تجعله يهمل الواقع والمتمثل في سلسلة الماضي التي أوصلته إلى الحاضر ، ويجعله يبدأ بالبحث عن مسوغات أخرى تقلل عليه ذلك الهاجس وعدم قدرته على التحكم به ، وهذا الخوف من المجهول ، جعل العقل يبدأ في رسم ملامح ذلك الوجود الغائب عن إدراكه بطرق مختلفة حسب ما يستطيع الإنسان التماسه من تفاصيل دقيقة في محيطه الطبيعي ، فمثلا عندما نقرأ التاريخ نجد أن الآلهة ليست سوى صور كاملة عن الإنسان ، أو صور أخرى تأخذ تفاصيلها من أجزاء الواقع ، وتتحول إلى ما يحسبه الإنسان حل ممكن للتحكم بالقدر والغيبيات من خلال الاقتراب من الوجود المزيف لما أوجده العقل في تلك الصور . التي يعتقد انها خففت عنه ذلك العناء بما يجعله يدفع العقل للتوجه نحو أمور أخرى ، وهو يعتقد أن حله ذلك هو الحل الأمثل والأنسب مما يجعله شديد التعلق به مؤمنا به ، لأنه يحقق له الراحة والاطمئنان ويقلل أو يلغي خوفه من الغيبيات. 
 
 
 
الإسلام 
 
بعد أن تحدثت عن الإنسان بشكل عامل ، نأتي للإنسان المسلم ، والعقل الإسلامي بالذات ، وربما هنا يجب أن أذكر أن رغم إعجابي بالجابري وبكثير مما يطرحه ، إلا أنني اعترض على أن يسوق كل ذلك في نطاق ما يسمى بالعقل العربي ، لأن العقل العربي يمنع الفكر الإسلامي من التواجد بشكل شمولي أوسع مما قد يؤدي إلى ربطه بمنظومة اجتماعية غير حقيقية في الواقع وإنما هي اعتقاد وانطباع تكون من اشتراك مولد الثقافة الأول بين مجموعة من الشعوب وذلك المولد هو “اللغة”، مغفلا بذلك حقيقة اختلاف تلك الشعوب في حيثياتها الدقيقة وانتماءاتها البعيدة المدى نحو عمق التاريخ وكونها كلها تكون عقليات مختلفة لها تجاربها الخاصة في سلسلة طويلة من التوارث العقلي الاجتماعي الذي يخلق في شعب دون آخر ، فنجد أن العرب في مجموعهم العربي يعتمدون القضايا التي تخص منطقة معينة تشكل حدود تواجدهم الجغرافي ضمن حدود المولد الثقافي الذي أشرت له وهو اللغة ، حيث أن اللغة هي المحرك الفعلي للعمليات العقلية ، مما يجعل الاشتراك في اللغة سببا كافيا لخلق نمطية عقلية عربية يمكن تطبيقها على مفهوم أكبر وأشمل وهو الإسلام ، الذي هو بالطبع ارتبط باللغة لسبب لا يمنعه من التوسع نحو كل الشعوب وكل الاختلافات العقلية في العالم . 
 
وبما أنني دخلنا في تفاصيل العقل الإسلامي كعقل كلي يحتاج لضوابط تمكنه من تحقيق شموليته، وذلك عن طريق عرض العقل الجزئي له وهو العقل العربي. فعلينا أن تحدث الآن عن العقل الإسلامي.
 
العقل الإسلامي:
 
هنا يجب علينا أن نفكر هل بدأ العقل الإسلامي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم أنه كان متواجدا قبل ذلك ؟

وربما يقرأ أحدكم هذا الشيء باعتباره أمرا غريبا ومنافيا للعقل ، ولكن لو نظرنا بطريقة أخرى ، وقلنا أن العقل الإسلامي بالفعل بدأ ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم ينطلق للأمام فقط بل عاد للخلف أيضا واسترجع الموروث التاريخي الكامل للإنسانية منذ بداية آدم عليه السلام ، ولو لاحظنا أن الإسلام جاء في أمة لا تقرأ ولا تكتب ، ومنقطعة بشكل غالب عن المؤثرات الأخرى للحضارات المجاورة ، ونادرا ما يكون هناك بقع مكانية أو فترات زمنية تنتمي لتلك الأديان السماوية الأخرى ، فكان من الإسلام أن لخص كل تلك التجربة وكل ذلك الموروث التاريخي بما يحمله من أنظمة وتجارب إنسانية في عملية تدوين مقدسة ، وهي الوحي ، فكان القرآن وما يرتبط به من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن ليس فقط نصوص أحكام ولكن موروث إنساني كبير يلخص الحياة منذ بداية الخلق وآدم عليه السلام ، ويركز في كثافة مطلقة وبلاغية منقطعة النظير على أهم الإضاءات والمراحل التي غيرت في الإنسانية وخلقت التوترات المختلفة والتي مازال بعضها قائما حتى الآن . 
 
ومن تلك المسائل هي مسألة العقل ، فلقد اختزل الإسلام على المسلمين الوقوع في تصورات وتحاليل يحاولون بها الوصول إلى تصور يمكنهم من خلق الرضا والاطمئنان تجاه الغيبيات، فكانت كل الأفكار التي تمثلها التاريخ في وصف قدرة الله سبحانه وتعالى وكذلك في تقرير ذاته جل شأنه ، تلخصت بقول لا إله إلا الله ، فكانت كل التعابير اللاحقة المبنية على تسلسل فكري متصل بما قبل الإسلام ، وما نتج عن ذلك من أفكار القوة العاقلة والكائن الكامل ، والعقل الأعلى ، إنما هي تعاريف جزئية لمفهوم شامل حققه الإسلام وأراح منه المسلم في تحقيق غاية وجوده وإطلاق عقله في الاتجاه المناسب وتجاه مبدأ إعمار الأرض ، ولو نظرنا لمسألة القدر وتلك المسائل الأخرى التي ظلت محل جدال سنجد لها حلولا في ضمن الشريعة الإسلامية تمنع الإنسان من الاستسلام لكونه مسير كعبد تقع عليه ظروف الطبيعة كالزلازل والمرض ، وتجعله أيضا مخير كعابد في اختيار الحق والتفريق بينه وبين الباطل والترجيح بين الواقع الجديد والواقع الموازي له قديما وكيفية تطبيق الأحكام بما يضمن له التوافق مع واقعه دون الإخلال بشروط البقاء على نفس المسار الإنساني الذي اتصل إليه المسلم ليكمل به سلسلة الحضارة . 
 
ولذلك فإن مسألة التاريخ هنا، لا يمكن إطلاقها تماما بدون الأخذ بالنقل  ، ولا يمكن تقييدها بإهمال العقل، وعليه يجب عزل علاقة التاريخ بالنصوص والعلوم الشرعية ، من حيث أن العلوم الشرعية والنصوص القائمة عليها ليست تاريخا بقدر ما هي متجددة حية دائمة التواصل والاتصال بالإنسانية عبر مرورها الزمني وتدرجها تحت الظرفية المكانية والزمنية . ومن جهة أخرى يجب النظر للتاريخ المرتبط بالنصوص على أنه تاريخ أيضا يثبت الأحداث ويوثقها بمثل ما قامت به الكتب السماوية السابقة، مما يجعل الاتحاد والثبات القائم في القرآن وعدم اختلافه بعد مرور أكثر من 1400 سنة إنما دليل إثبات على أنه حق ويستحق القدسية.
 
ولو فكرنا في القدسية ، سنجد أنها لو لم ترتبط بذات إلهية وشخصية معصومة ومنزهة ، سوف يخلقها الإنسان بدون الحاجة لهذه الأسباب ، فنرى أن الوثنيين والعلماء والمفكرين يقدسون كتبا وشخصيات على أخرى ويرفعونها لأعلى درجات التنزيه لدرجة منع إعادة النظر فيها واستخدام نتائجها في تطبيق جديد ومنهج تجربة يوافق معايير وقياسات الواقع المختلفة . ولذلك كان في التأويل للقرآن ونصوصه حدود مقيده وحدود مطلقة ، وثوابت ومتغيرات.
 
وحسب ما ذكرته أعلاه ، أجد أن العقل الإسلامي يمكن شرحه على أنه عقل ثابت وآخر متحرك ، والثابت هو ذلك الذي يؤسس للمتحرك ويمنعه من الانزلاق بعيدا عن الغاية المشتركة بما يحقق وحدة العقل الإسلامي .ولكن العقل المتحرك يظل متنوعا متوسعا لاحتواء كل المتغيرات والظروف المستجدة بما يثبت للعقل الإسلامي كمجموع كلي صلاحيته المطلقة لكل زمان ومكان ، ومن ذلك أصول الفقه والتفسير التي قد تقيد الآية أو الحديث بمناسبتها ، ولكنها لا تمنع الفهم العام المنتج للحكم والنظام ، فيكون سبب النزول غير قابل للتأويل ، وأما الحكم فهو محل قياس واجتهاد بشروط لا تخرجه عن حدود النص الممكنة ولا تقيده به إطلاقا وتترك للسنة الشريفة والتجارب الإنسانية المتلاحقة إمكانية الإضافة والتجديد بما لا يلغي الثابت ويحافظ على مسار المتحرك .

ولو ألقينا النظر على آلية التشريع التي تكونت خلال بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، سيتكون لدينا السؤال : ألم يكن الله قادرا على أن ينزل القرآن وجميع التشاريع الإسلامية في ليلة واحدة ؟

ولكن ماحدث أن القرآن والسنة أتت في تزامن مع الأحداث والمناسبات التي مرت بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان العديد من التشريعات الإسلامية إنما نتاج أحداث وتجارب خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك القياس على تجارب سابقة حصلت في أمم وحضارات أخرى ، وهذا ما يجعلني أؤمن بأن الآلية التشريعية في الدين الإسلامي إنما انتهجت المنهج التجريبي واعتمدت على أن يكون الواقع منتجا للنظم والتشريعات المتناسبة مع عناصر ذلك الواقع الاجتماعية والبيئية. ولذلك أجد أن العقل المتحرك كأداة ادراك يحتوي كل المعطيات التي تنتج عن حياة الإنسان ، ويحقق التراكمية المعرفية واثباتها خلال الحضارة الإنسانية واتصالها بما يثري العقل الإسلامي.

تلك الآلية التشريعية هي أيضا من السنة التي يجب إتباعها وإعمالها ضمن ظروف الواقع الحالي كمنهج تشريعي يستحث من خلاله العقل الإنساني بما لديه من ثوابت معرفية وإدراكية للانتاج من خلال تفعيل قدراته وإمكانياته وعدم تعطيلها وإيقافها عند حدود التاريخ المتغير وما نتج عنه من نصوص تشير إلى الخاص في واقعها وتجعله مقياسا للعام في أي واقع يأتي بعدها.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *