الرواية السعودية بين الناقد والروائي

هناك أسئلة كثيرة تتعلق بهذا المحور، ولعل أهم تلك الأمور التي بعثت فيّ البحث عن إجابات كان السؤال الأول دائما والذي يشغلني :
هل يجب أن يصبح الروائي ناقدا ؟

ولكي أجيب على هذا التساؤل كان لابد من التفريق بين مهمة الروائي ومهمة الناقد ، حيث أن الروائي في معظم الأحيان ينطلق من تجربة ذاتية قد لا يكون لها مهمة واضحة المعالم سوى التعبير عن الذات وما يشغلها من هموم وتمثيل النفس كاختزال يجمع فيه العديد من الهموم والقضايا التي تخصه وتخص محيطه الاجتماعي بكل متغيراته . وهذا ما يجعل لفظ ” الروائي ” لا يحوي في معناه الأداء المهني والوظيفي وما يشمله من التزامات انتاجية ومحددة ويترك له الخيار مفتوحا حسب حالاته الأدبية والتي تكون في أغلبها مزاجية وطارئة تحفزه للإقدام على الانتاج الأدبي .

ولكن في الجهة المقابلة ، نجد أن ” الناقد ” أكثر تخصصا من الروائي ، فهو مراقب فعال ومستمر للانتاج الأدبي يظل في مقارنة مستمرة وتحديد معالم أي ظاهرة أدبية وكيف نتجت وما نتج عنها وماهي التحولات التي طرأت على هذا المجال بمقارنته بالسياق التاريخي لنفس النوع لذلك الانتاج الأدبي . وهو إذ يقوم بهذا الدور فهو يحدد لنفسه مهنة ووظيفة تلزمه بقراءة كل المستجدات والاطلاع عليها والحصول على أكبر قدر من الأسس والنظريات المختلفة والتي تخدم هدفه في إيجاد قراءة خاصة به تشكل مسارا يمكن الاعتماد عليه في تقييم أي انتاج أدبي ، مما يجعل وفرة النقاد واختلاف مذاهبهم ظاهرة صحية توسع مساحة التنوع الأدبي .

وربما كان وصولي لهذه التعريفات ناتج عن قلق خاص بي ، فيما إذا كنت مضطرا لقراءة النقاد ومتابعتهم ، أو الاطلاع على كل ما يتعلق بالأدب من نظريات وفرضيات تحدد النوع الأدبي الذي انتجته وهو الرواية. ووجدت أنني سأقع في مشكلة كبيرة ، فأنا فعلا لا أجد نفسي متورطا بالنقد بقدر ما أنا متورط بانواع الأدب المباشرة كالقصة والرواية ، وكما اعترفت وربما اوقعت اعترافي على غيري من الأدباء فإن المزاجية تتحكم فعلا بما انتجه ، وهي تلك الحالة التي تنشأ عن فكرة جديدة أو تجربة خاصة ، أو حدث أو طارئ خاص أجده مناسبا وقابلا للمشاركة مع الجميع بما يعبر عن نفسي فقط  وتلك أنانية الأديب ، لأجد نفسي بعد ذلك تعبر عن غيري مما ينقلني إلى مستوى آخر من الاهتمام بانتاجي ، واعتبار القارئ مشاركا فعليا معي فيه .

واعتقد أن الرواية السعودية حاليا في حالة زخم ووفرة وهذا ما أعتبره ظاهرة جميلة وجيدة ، وبغض النظر عن رأي النقاد ، إلا أنني استغرب من اعتبار هذا الكم الهائل من الروايات أمرا سيئا ، وخصوصا بالنسبة للمشهد الثقافي السعودي ، فنحن نعلم جيدا ان هناك دولا عربية أخرى كان الانتاج الروائي فيها يفوق سنويا ما انتجناه لأعوام ، وأننا بدأنا الآن فقط باللحاق بالثقافة العربية التي كان التنوع فيها كبيرا بحجم عدد الأدباء واعمالهم الأدبية . وهذا الامر إنما هو ناتج عن انطلاق الكتاب للتعبير عن كل حالاتهم الخاصة وافكارهم التي يعتبرونها قضايا مهمة ويجب التعبير عنها بصوت مرتفع .

وإن كنت أجد النقاد يبالغون في انتقاد الروايات السعودية ، فأنا ايضا أجد في انتقاداتهم أوجها كثيرة من الصحة ، ولكن مأخذي الوحيد على بعضهم هو أنني اعتبرهم  جبناء ، لأنهم يتجهون بالنقد للروائي وعبر روايته لإدانة القارئ ، وانتقادهم لشهرة رواية معينة وما احدثته من ضجة إنما يتقلص تجاه الروائي في حين أن القراء هم السبب الرئيسي لهذه الشهرة ولهذه الضجة ، فلماذا لا يتجه النقاد للاعتراف بأن القارئ لدينا مازال شغوفا بقراءة الفضائح والجنس والافكار الدينية الغريبة. لماذا نتهم الروائي بأنه هو سبب هذه الظاهرة ، في حين أنه فقط قد تجاوب مع القراء من خلال تقديمه روايته التي وجد فيها ما يعبر المجتمع عنه وما يهتم به ، وخصوصا على مستوى الإعلام. وذلك ما دفعني للقول في مقال سابق نشر في ملحق الأربعاء الخاص بجريدة المدينة المنورة .بأن الروائي قد استجاب لرغبات القراء ، وأصبح يماثل في ذلك الإعلام ، والذي غدا يجنح لإثارة القضايا الجدلية واقتباس الامور الجنسية والفضائح لجذب انتباه القارئ .  ومن ناحية أخرى ، ربما تكون الرواية كما صرحت وخصوصا تلك التي يكتبها صحفيون ، تعبيرا اعلاميا عن قضايا لا يمكن التصريح بها بطريقة رسمية وعلنية ، فيتجه الصحفي لتقمص دور الروائي وتقديم تقريره بطريقة تبعده عن الوقوع في المطالبة بالإثباتات ، لأن الروائي سيكون معفيا من الاتهام بأنه قدم شخصيات حقيقية في أحداث روايته مما يشفع له ذكر كل شيء ممكن ودون أدنى حرج أو خوف ، فالرواية تمنح الإعلامي جرأة كبيرة تجعله قادرا على تقديم مادته الإعلامية بشكل أوفر شرحا . مقارنة فيما لو انه حاول الوصول إلى الأعلام فيصطدم بمحاذير معينة منها الالتزام بالسرية والخصوصية للأفراد والمجتمع ، ولذلك أجد أن الرواية بدأت في بعض نواحيها تصبح وسيلة إعلامية أكثر من أدبية ، وفي الجانب الآخر هي استجابة لرغبات واهتمامات العامة من القراء ، ولو أن الأمر ظل مقتصرا على تلبية متطلبات النقاد وتتبع النقاط الكثيرة التي يصنعون منها الرواية المثالية ، لكان الأمر باهتا ومحبطا بما يمنع هذه الظاهرة التي نعيشها الآن ويحدها في حدود القادرين فقط على فهم متطلبات الناقد ، وما يطرحه من نظريات وشروط أدبية ، لا يستطيع فهمها إلا النخبة المتخصصة ، مما يؤدي إلى أن يصبح الأدب مقتصرا على فئة معينة تتوافر فيها الشروط ، في حين أن الأدب يجب أن يكون مفتوحا للجميع وأن يستطيع كل فرد القيام بالتجربة وتقديم كل ما لديه من إمكانيات وقدرات ، وبالطبع فإن كل التجارب لن تنجح ، ولكن في ظل توفر كمية ضخمة منها فإن أمل النجاح واكتشاف بعض الكتاب يصبح اكبر ، مقارنة مع امكانية حدوث ذلك فيما لو اقتصر الأدب على فئة نخبوية معينة تصبح مع الوقت مكررة جدا ويخبو الاهتمام بما تطرحه لعدم وجود تغير كبير في طرحها الملتزم .

وإن كان هناك من يقول أن ” الناقد شخص يعرف معالم الطريق .. لكنه لايستطيع قيادة السيارة ” فأنا اتفق معهم في ذلك ، وأشبه الروائي بشخص لديه روح المغامرة والمجازفة واكتشاف عوالم مجهولة من الأدب ، فيتجه بكل قدراته نحو تحقيق هذا الهدف ، وقد يكتشف أمورا مهمة وقد يصل إلى هدفه ، وقد يفشل في ذلك ، ولكن تجربته ستصبح موضع قياس وإشارة على الخارطة الأدبية وتمكن غيره من تجنب الاخطاء والتجربة في طرق أخرى واكتشاف عوالم أخرى ، فيكون واجب الناقد هنا إن أراد فعلا الالتزام بأدائه المهني ، هو محاولة تحييد تأثر الكتاب برغبات القراء ، وأن يدفع في الكتاب نزعة تغيير مستوى القراءة والاهتمام من خلال عدم الانسياق في افكار معينة وثابتة لتصبح هي الشيء الوحيد الذي يميز مرحلة روائية متسلسلة ، فيكون السباق كله مركزا في طريق واحد ، ومن جانب آخر سيكون على الناقد فقط النظر في نتائج هذه الظاهرة ورسم الخارطة بما يوثقها فقط دون تقليل او تثبيط وأن يشير برأيه دون محاولة نفي المحاولات واعتبارها فاشلة جملة وتفصيلا لمجرد اشتراكها في نفس التوجه ونفس الاسلوب .

كما أني أجد الناقد من جهة اخرى في مجتمعنا يتجزأ مع الكاتب في مثال ثلاثة رجال وقفوا على مشارف الصحراء ، الكاتب فيهم ظل مفعما بالمنظر الكامل يتطلع إلى الصحراء بكل عناصرها المختلفة محاولا الانسجام معها بعيدا عن عزل العناصر المؤثرة في تلك الصورة الشمولية ، في حين ينشغل الرجل الثاني وهو ناقد حداثي ببقايا مرور جمال يزدريها ويعتبرها مشوهه لهذا المنظر وربما يحاول طمسها واخفاءها ويفكر في أن يجعل تلك الصحراء خالية من كل قيمها القديمة التي أحدثت ذلك الأثر المزعج لذائقته ناسيا أنه قد يقتل هذا المنظر بهذا التفكير عندما يخلق قطيعة بين تاريخه وبين حاضره .، وينسى انها عنصر مهم من هذه الصحراء ومكمل لحقيقتها ، والرجل الثالث ناقد تقليدي ينظر إلى علبة مرطبات فارغة مرمية وينتقد كل الظروف التي أدت إلى تواجدها هنا ، متجاهلا أن تلك الظروف كانت طبيعية وهي اما الرياح أو حضور حي للإنسان في هذا المكان ، مما يجعلها أيضا عنصرا جديدا قادرة الصحراء على استيعابه كمتغير يكمل صورتها الشمولية دون أن يفقدها انتماءها لكل الحياة التي تعبرها وتؤثر فيها .

إن الرواية السعودية في طور نمو ، ربما تكون الآن في طور المراهقة ، ومن حقها أن تعيش كامل التجربة ، والتي من مظاهرها الاعتداد بالنفس وعناد المواقف والأراء ، وغرابة الأذواق المتوافقة مع الحاضر ، وعلينا أن ننتظر وقتا كافيا حتى يكتمل هذا النمو وينضج ليبقى الجيد ويظل عالقا في ذهن القارئ الذي لن تطول رغباته وسيتجه أيضا للنضوج والبحث عن روايات يمكن لها الاستمرار كدليل وتوثيق مهم لهذه المرحلة الأدبية .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *