لماذا ماتت الناقة ؟

أكره الطيبين لأنني حاولت أن أكون مثلهم ولم أستطع . حسود للتوابين غيور لأنهم يمسحون ذنوبهم باستمرار ويتركون صفحاتهم بيضاء لذنوب جديدة، في حين أن صفحاتي مازالت تزدحم وكل ذنب يتوسط له الشيطان ليجد له موطئ قدم في صحيفتي.

جيد أنا في طرح الأسئلة وخلق الشكوك، قدير بامتياز في الامتعاض والتجني والتورط والتوريط . مذهل في إثارة المشاكل والفتن والقلاقل . متقن للسفسطة والدجل وعلوم الكلام والتمنطق . أخلق الذنوب من كل شيء ومن أي شيء . وأحول الآثام إلى لاشيء أيضا ولكنني مازلت غير متأكدا من كل هذه القدرات بعكس تأكدي الوحيد والدائم من أنني لا أعلم شيئا على الإطلاق . افتح الأقواس ولا أفكر بإقفالها أبدا . وأضع علامات الاستفهام بعد كل جملة حتى لو لم يكن لها صيغة السؤال. ابرر الشيء بـ لا شيء . واناقش نفسي بصوت مرتفع ، لأصنع احتمالات الصدى أكبر من مجرد أصداء عقلي.


نحن نحاكم ونتحاكم وكل منا يريد أن نكون ( هو ) ويكون ( نحن ). وكلنا ( أنا ) تتجسد في تماثل كبير لكيان صغير للنفس بين قلب وعقل متأرجح النزعات قريب في إيمانه حينا بعيد بمنطقه حينا آخر وعكسهما ينتجان نفس الآثار.
هناك من يبدأ مكبرا
وآخر يبدأ لاعنا
وكل منهم ينتهي إلى نفسه مع بعض من الآخرين الذين بدؤوا بما بدأ رفضا أو موافقة. ونعيش ونستمر وكل شيء يجري بقدر لا نعرف عنه شيء . ونبتهل في كل مرة نخاف من بوح علني يكسر ملل الواقع على مرآة افتراضية. وننسى الابتهال ووجهته كلما امتلأ واقعنا إثارة.

ونعود في دورة بقاء وفناء وذنب وتوبة وعقاب وثواب، ومحاكمات براءة واتهام. والنتائج دائما لم ينجح أحد
سوى الـ أنا … وما يجمعه فيه من كل نحن يمرون به…

أشياء كثيرة
وأشياء قليلة

ولا يهم إن كنت أعرفها عن نفسي أو يعرفها غيري عني. أو يعرفها أحد عن نفسه التي تشبهني، قد أكون كذلك ويكون غيري عكسي، واثبت عني ما ينفيه غيري عن نفسه. والحقيقة تشمل الصدق والكذب ، وكلاهما يؤثر في الواقع ويحركه ويجعل له أثرا . فكلاهما حقيقة كونه قادرا على مجرد” الفعل”. اعرف عن الجبرية ما يكفي لأقول أنني لا أعرفها. وأعرف عن الخير ما يكفي لأقول أنني املك منه كمية لا بأس فيها. وأعرف عن الثواب والعقاب مجموعة لا بأس بها تزين رفوفا مسطحة في ضميري، لتظهرني إنسانا يمارس الحياة.

ما اكتبه لن يضر ما أرسل به محمد ( عليه الصلاة والسلام ) وله رب يحميه ويحفظه ، وما أفعله لن يؤثر في مليار مسلم كما فعل رسام دانمركي واحد . وفي جميع الأحوال من حقي الامتعاض والكره والحقد والحسد وممارسة الشر وأمور كثيرة بقدر لا يجعلني ملاكا أو شيطانا وأظل فقط ( إنسانا ). لأن الجنة والنار لن تحاسب إلا إنسانا.

والدين أمر جميل . وفي بادية أعرفها رجل طاعن في السن ، بدوي لا مراء في غلظته ، يؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته والقدر خيره وشره ، ولكنه لا يعرف الصلاة ، يتشهد في نومه كلما تقلب على جنبه ، ولكنه لم يسمع يوما بالزكاة ، جاهل يضيع في الصحراء ويعود بالصيد ويورد الإبل وينظم شعر الرثاء والابتهال وفي كل بيت ذكر لله ورسوله . يكره الغزل، والمرأة لديه حاجة يعبر بها إلى نفسه ليمتد في أبنائه ويراهم حوله يقومون برعاية مصدر رزقه ورزقهم. لا يملك إلا ثوبا، وجلده هو ملابسه الداخلية، وكل نسمة سموم حارة تكشف عورته، وكل حركة عفوية في حين غفلة منه تكشف عورته، عندما يحلب ناقته أو ينحر شاته. وظل هكذا حتى فتح الله عليه بابن متعلم درس في كلية الشريعة وحفظ القرآن والتفاسير والأحاديث بأسنادها والعقائد وشروحها، ولم يترك شيئا من الفقه والتوحيد إلا وأتقنه وعرف كل مخرج ومدخل منه فحضر الماجستير والدكتوراه وأصبحت شهاداته تصطف على جدار منزله بطول لحيته التي يقبضها مرتين ولا تصل قبضته إلى نهايتها .

عاد إلى أبيه واجتره من عمق الصحراء إلى حدود المدينة، يريد به برا والبر أن يتركه حيث لا سقف يغطيه غير السماء ولا فراش يفترشه غير الرمال . فأصبح أعلم بوالده من نفسه. اقرب بوالده إلى الله من والده إلى ربه. وبعد أن كان في طفولته يضحك على انكشاف عورة أبيه أصبح يتقزز ويشمئز ويصيح :أن احضروا لهذا الكهل سروالا يستره .ويتمتم أن الأعراب أشد كفرا ونفاقا. فيتبرأ من نفسه قبل أن يتبرأ من فطرة والده؛ والده الذي كان يمرر يده على ناقته لتعطف بعد أن جف ضرعها من الحليب حين فقدت حوارها . فيبل ريق صغاره ويشربون ويكبرون ويتعلمون ويقتربون إلى الله ويكرهون بعد والدهم عنه، أو هكذا يعتقدون .

ومات الكهل التسعيني بعد المائة عام أو يزيد في خيمة لا كهرباء فيها ولا شيء من مظاهر الحضارة . بيت شعر من الوبر مفتوح الجوانب، تمخره الرياح دون حياء. ولكنها داخل سور مرتفع بجانب فيلا ابنه الشيخ المفتي .
وماتت بعد ذلك ناقته التي هي ابنة ناقته ابنة بعيره ابن ناقته وجميعها واحدة .
ويقال أنها ظلت تشم ملابسه وتدر لبنا حتى صرعها الشوق عليه.

فأخبروني: أي علم ذلك الذي يمكن لي أن ادعيه ولا تعرفه الناقة….؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *