زفاف إلى القبر
ما أن تدوس قدمي مكان على الأرض الجرداء حتى أشعر بأن التراب تحت قدمي يبتسم .
- سوف تشاركنا يوما .
لعله بطل من التاريخ نبشت قبره عوامل التعرية ونثرت بقاياه على الطرقات .
- لا . هذا وصف مؤلم سيجعلك ترفع قدميك .
- لا أستطيع التحليق .
إذن لا بد أن هذا التراب لرجل قذر أساء للآخرين . ما أجمل سوء النية ، يبقينا على خطانا ثابتين ، وأؤلئك الذين يقعون على الطرف الآخر من الحياة ، في خانة ( الطيبون ) يحتاجون لنا كي نغربل كل من يحاول الوصول إليهم ، يكفينا لمحة واحدة تخبرنا عن نوايا سيئة في وجه ذلك الطفل ، فالمكان مكتظ هناك ولن يعجبه العيش بين أشخاص فقدوا الإرادة واعتزلوا الحياة . سيعلمونه كيف يدير وجهه عن الخطأ ، ويمشي في ظل كل حائط مائل ، سيخبرونه أن أهم ما عليه أن يكون سعيدا ولو كان عاريا أو جائعا . سيعلمونه الحب ، وحينها يبدأ بفقدهم واحدا تلو الآخر ، والبكاء من أجلهم .
- هل تريد المرور نحو عالم الخير
- ماذا أحتاج
- تخلص من الطين في ذاتك ، دع جسدك يغيب في ذاكرة روحك .
- كيف يكون ذلك .
- بالموت .
لا أحزن على الأموات ، فلقد اختصروا الطريق إلى عالم لا نعرف لهم فيه مصير ، ونظل ندعوا لهم بالرحمة وننسى أنفسنا ، ونتسائل هل يدعون لنا بذلك . أم يخافون أن يفعلوا فيكونوا كمن يتمنى لحاقنا بهم .
حتى هذا السطر أكذب ، ادعي القوة والبأس ، وأهمش كل الأحزان واسجن نفسي بعيدا عنها بقضبان القسوة ، لا أريد التحرر من شيء يجعلني مرما سهل للألم ، لا أريد أن اتذكر قلبي ولا أريد الشعور به . وصلت حتى تلك اللحظة التي أقيم لقلبي عزاءا فارتاح منه ، وازف عقلي لينوب في مشاعري مع كل من حولي .
لكن الله شاء ، الموت لا يوفر صغيرا أو كبيرا ، لا يفكر بأصدقاء أولئك الذين سيختارهم ، لا يهتم لمن يحبونهم ، لا يناقش ولا يجادل حول مصير من زرع في نفسي فرحا للحظات . رمى بي القدر عرض الحائط ولم يعطني فرصة حتى أصل بقلبي إلى قبره ، لم يسعفني الوقت كي أكرهك يا صديقي ، لم يسعفني الوقت كي أنساك .
لقد غادر سريعا وكنت اعتقد أنه سيبقى بيننا أمدا طويلا .
نجى من الموت أول مرة ومات أبوه وأخويه ، وكسر فخذه ، وزرناه وتمنينا له عمرا مديدا ، وغادرنا لمدة شهر ، ليموت هو وعائلته في حادث آخر . هل كان يتربص به الموت ، أم أنه يتلاعب بمشاعرنا ، لعل الله كتب له أن يموت في رفقة أمه وأخته وهو يتجه لعقد قرانه .
تأكدوا من أن قبره عميق ، ولحده غائر ، وكفنه محكم . لا أريد أن أدوس على بعض منه في يوم ما ، لا أريد أن يصرخ التراب تحت قدمي أنا صديقك فلان .
سأحاول أن لا أنام إلا نهارا . فالضوء المتسرب من حواف النافذة يشتت الأحلام ويؤرق نومي حتى تتلاشى الوجوه في داخل عقلي ، أخاف أن أرى وجهه مبتسما ، أخاف أن أرى جسده مزين بملابس الزفاف ، وهو يزف إلى حتفه . كنت أفكر في حضور زفافه ، أن اقطع الحدود واركب سيارة أجرة واشتري ثوبا جديدا . وأصل إليه بوجه بشبوش ومباركات مكررة . ولكنني لم أفكر إطلاقا في الذهاب إلى عزائه ، صيوان كبير وقهوة وعشاء وأضواء معلقة في المنتصف ، كل شيء يشبه الزفاف ما عدا حضوره .
كنت أفكر أن أقول لك مبروك ، ولن أقول ( أحسن الله عزاك ) لغيرك .
وأخاف أن يأتي يوما علمت فيه ابني أن يكون سيء النية كي يمشي على الأرض ، علمته أن يكره كل الحياة كي يعيش بلا حزن ، علمته أن يدوس على التراب بكل عنف لأنه بقايا السيئين . علمته أن يدوس عليك يا صديقي لأنك جرحت قلبي بما يكفي لأكره كل شيء في هذه الحياة .
سألعن الطرقات
سألعن السائقين المتهورين
سألعن كل شيء مررت به في طريقك إلى زوجتك المنتظرة .
سألعن نفسي لأني كنت صديقك .
اغفر لي
والله أني وددت حضور زفافك
والله أني فرحت بخبر زفافك
والله أني تمنيت لك كل خير
والله أني قبلت مقعدك الخالي في القهوة .
والله أني أفكر أن لا أمشي على الأرض لأنك تستلقي تحتها .
ليتني قبلت رأسك قبل أن تغادر .
الله يرحمك
هنيئاً له