فيلم إباحي

لست ممن ينكرون حق الآخرين في كتابة ما يريدون ، ولم أكن يوما ضد أي نوع من الأدب أو الثقافة ، فالتنوع الذي جمعت أطرافه واطلعت على أغلبه ، كان حصيلة رغبة جامحة تدفعها عدة أمور ، إحداها الحكمة الشهيرة والتي أجدها فعلا ملحة في ضمير كل مواطن ، تلك الحكمة تقول ( كل ممنوع مرغوب ) ، وكان كل شيء نسمع به من على بعد ، في صحيفة تجدها في حقيبة أحد القادمين من مصر ، أو في أحاديث أحد مغامري الأجيال الماضية ، وما أن يخبرك عن جمال ما قرأ هناك ، حتى يصبح لديك الكثير من الفضول ، وتذهب لتبحث عن تلك الأسماء ، ( نزار قباني ) ، ( مظفر النواب ( ، ) ايليا أبو الماضي ) ، ( نجيب محفوظ ) ، أو روايات وقصص أخرى لأسماء كثيرة التقطتها الأذان من كل مكان ؛ كأستاذ مقيم ، يخبرك عن أدب مصر والمغرب ، عن أدباء العالم الغربي .أو تلميحات سريعة في مقتطف ثقافي في جريدة سعودية ، يسرد سريعا بعض الأسماء المشهورة عالميا . كل ذلك تبحث عنه لتجده ممنوعا في بلدك ، وبعد أول كلمة ممنوع تسمعها في أول مكتبة ، حتى تبدأ بخفض صوتك في كل المكتبات القادمة ، وتماما كما نعتقد بأن الأحياء الشعبية مليئة بكل شيء ممنوع ، نبدأ بالتساؤل هل سيوجد الكتاب الفلاني هناك . وعندما تسمع عن قدرة أحدهم على إدخال كتاب من خلال الجمارك ؛ حتى تهرول إليه تسأله في المرة القادمة أن يحضر إليك عدة كتب لعدة أسماء ، ظلت كالهاجس المظلم تلوح في عقلك .
هكذا كنت .وربما كان مثلي آخرين .

أغلب الكتب التي حصلت عليها بطريقة أو أخرى ، هي أوراق مطبوعة او مصورة يدويا ، لم تكن كتبا لها أغلفة وفهارس . مجرد حروف متشابكة لسوء الطباعة ، وخصوصا الطباعة الآلية القديمة التي تستخدم ورق الكربون .
الكثير والكثير من الثقافة التي قرأتها أعترف أنها كانت فعلا شيئا ممن أخاف الجهر به ، وقراءاتي كانت تسير في كواليس حياتي الدراسية .

وماذا وجدت بعد ذلك …؟
لست ناقدا، ولا أملك الأدوات الكافية والمؤهلة لنقد أي عمل روائي أو أي أطروحة أدبية . ولكن تظل لدي الذائقة المستمدة من الحس الاجتماعي السليم .
ما نتحدث به كشباب في اجتماعاتنا المطولة وسهراتنا ، ربما يكون فيه الكثير من التجاوزات ، ولكنها تختفي تماما عندما ندخل إلى المجالس ، أو نصبح في حضرة عوائلنا .
في الكثير من المراحل الأدبية عبر العصور . برعت الكثير من الأسماء عبر كسر الحواجز الاجتماعية ، والكثير من الحريات التي وجدت طريقها في الكتابة إلى ماذا أصبحت الآن .؟
وجدت أن الأدب والثقافة هو ما تستطيع الجهر به ، هو كل كلمة عندما تقولها سيستمع إليها الجميع دون خجل ، مفردات إن نطقت بها ، لن تشمئز منها الآذان البسيطة في المجتمع ..!
عندما قرات ثلاثية الحمد من أوراق مصورة ، اعتقدت لفترة أن أحد الادباء المصريين عدل فيها ، وأضاف الكثير من واقع مجتمعه ، البعثية والشيوعية والإخوان . وكل ذلك لم أكن أسمع بها أبدا . ولم يكن هناك من يخبر عنها . في كل مكان تحدث عنه تركي الحمد . كنت هناك ، جدة ، الرياض ، الدمام. بذاكرة بسيطة جدا حاولت أن افكر ، هل كان فعلا مجتمعنا كما صور في ثلاثيته .
كان هناك مبالغة شديدة في الكثير من الصور ، وكم هائل من الحبكات المؤرقة والتي جعلتني أفكر مرارا وتكرارا؛ هل فعلا هذا هو المجتمع السعودي ..؟
ولكي لا أظلمه كانت تلك الفقرات البسيطة التي وصفت الأحياء والعوائل والمجتمعات والعلاقات الأسرية ، كانت هي الأجمل والأصدق في الثلاثية .
وتلك المسائل العقائدية والدينية ربما سمعت بها أو ربما صادف أن فكرت بأحدها . وأما البقية ، فاعتقد أنها مجرد تقليد لأدب وواقع مختلف تماما عن واقعنا . ربما ثلاثية نجيب محفوظ كانت أقرب إلى واقعها . وأحب تركي الحمد أن يماهيها ويجاريها في سرد مراحل تاريخية وسياسية لم تكن حقيقية وواضحة كما تحدث عنها .
روايات أخرى خرجت حديثا ، تتحدث عن الكثير من الجنس والسياسة ،
شكري الذي تم تكريمه ، قرأت له ( الخبز الحافي ) ، و( الشطار ) ، واعتقد أنها سيرة ذاتية عن بلد لا يعيش فيه إلا المومسات والشاذين جنسيا .
أحلام مستغانمي ، أخبرت أحدهم : عالم المرأة حين يتم انتهاكه بواسطة قلم ذكوري ، ربما يكون أخف وطأة من أن يفعل ذلك قلم أنثى .
ربما في الدول الأخرى هناك مجتعات بالنسبة لهم ما ذكر في كتب أدبائهم هو أضعف الإيمان . وربما هو وصف واقع فعلي ومشاهد في كل زاوية من كل شارع ، وفي كل حي من كل مدينة ، ربما هي ظواهر طغت على مراحل حياتهم .
ولكن هل وصل بنا الأمر في مجتمعنا إلى التركيز على الحالات الاستثنائية ووضعها تحت مكبرات الأدب والثقافة ، لنصنع منها قواعد تصغر بجانبها كل هموم المواطن البسيطة . وننسف كل حكايات العموم من أجل تسويق الأدب عبر أهم عناصر الجذب لها : ( السياسة ) و ( الجنس ).
سقف الكفاية أيضا عندما قرأتها ، أحسست بشيء مؤلم ، وصورة بشعة تكونت عن مجتمع مليء ببيوت ننظر إليها من الشوارع مستورة بأسوارها العالية . لتخلق نحوها الكثير من الشك ، الذي يحتاج إلى الكثير من التعوذ والاستغفار.
وعندما سألت أحد الأصدقاء هل قرأها . قال لي بالحرف الواحد : وصلت إلى ثلثها وقلت أشوف لي فيلم إباحي أحسن .
قالها بطريقة تهكمية
ولكنها كانت تعني الكثير .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *