أشياء زائدة كأثداء الرجال

منذ فترة وأنا لم تعد تستهويني المواضيع السياسية ، ولا أعني بهذه المواضيع سياسات الزواج أو الطبخ وإنما السياسات ألتي تزحف بالجماهير أو تُزّحِفها _ وهذا تشكيل لكلمات ثورية لا أعنيها ولكن جرت بها عادة الثقافة العربية _ والشعوب العربية ميالة للأحاديث بشكل فظيع ، والكلام إبداع أتقناه لكثرة مخارج الأصوات في لغتنا ، وإن كنا قد سُدنا يوما ؛ فحال العالم أن تقوم حضارة وتندثر أخرى . ومن معجزات العقل العربي تلك التي تخرج تدفع بنا إلى الغضب والاستفزاز لمجرد أن تكسب صوتا يبقيها في التصدر دون جدوى من هذا التصدر سوى فتح الأبواب للقادمين بصمت من الوراء . ومن العجيب أن المواضيع السياسية بدأت تتعمق وتتشعب وتترابط وغيرها من عمليات تجعلها قابلة للاستخدام في شتى وسائل السخرية والشماتة أو حتى الإدانة . وسخريتنا الجريئة هي جلد للذات أصبحنا نعبر عنه ( بالمزح الثقيل ) وليس لنا إلا أن نعذب أنفسنا لعل الآخرين يرأفون بنا ، أو نظل نصرخ ونستنزف أصواتنا ضحكا أو بكاءا حتى لا يجد أحدهم صوتا ينتزعه منا فيثير فيه نشوة النصر ، فيجدنا مملين ( ثقيلين دم ) ( وميتين قلوب ) ويبحث عن قوم أكثر ظرافة وأكثر إحساسا .


ومن تلك الأحاديث السياسية والثورية أتذكر أن قرأت يوما في إحدى المنتديات _ رد أو إهداء أو عنوان موضوع ؛ لا أذكر تحديدا _ إحداهن وهي تصرح : ” لو كان لي بنت لزوجتها أحمد نجادي ” ، . والعجيب أن تلك الفتاة التي تتمنى لو أنها لديها بنتا فتزوجها للرئيس ( أحمد نجادي ) ترمي بحجر قوي في ساحة السياسيين في بلدي والذين يطالبون بحرية المرأة ومساواتها بالرجل ، فأقول لهم هذه إحدى الثوريات والمثقفات تؤمن بأن المرأة جائزة ترضي الرجل ومتعة يستحقها لأي مجهود يقوم به ، وفي ذلك التصريح أيضا ما يشعرني بأن تلك المرأة تجاوزت حقوق المرأة نفسها فهي تحسب ابنتها ملكا لها فتزوجها من تريد تعبيرا عن تأييدها بغض النظر عن رأي تلك الفتاة وموافقتها ، وفي ذلك أيضا ما يشعرني بأن الزوج المفترض لتلك الفتاة سيكون مجهولا أو لا يملك ولاية على فتاته لتزوجها الأم من تشاء أو لعلها فتاة أنابيب ، وفي هذا ترجيح كبير لحق المرأة بأن تكون البيولوجية الوحيدة في المعادلة . وهنا أقول معها كل الحق .

وبكل حال من الأحوال هي قالت ذلك لتعبر عن ثورية مستحبة ناتجة عن سبب واحد وهو الكره ( لأمريكا ) ، والكثير مثلها يعتقد بذلك ويعبر بمثل هذا ، مادام هناك أمريكي واحد يتم قتله وألف مسلم في أثناء العملية فلا بأس بالقاتل ولا بأس بالضحايا ، وبحساب منقطي يجعلني أضع احتمالات بقاء المسلمين في مقابل بقاء الأمريكان نجد أننا سنحل مسألة الكره لأمريكا وما تسببه لنا من عذاب وكذلك سنرتاح منها نهائيا ، بأن نموت جميعا ، ولا بأس ببقاء من يبقى من الأمريكان بعدنا ومن حالفهم من الغرب فلن يبقى مسلم واحد ليعذبوه ، وبذلك يفقدون أهم هواياتهم وأهم نواحي قوتهم ، فبدون جانب منهزم لا يوجد آخر منتصر ، وبدون ضحية لا يوجد قاتل ، وبدون فقير لا يوجد غني ، وبدون غبي لا يوجد ذكي . وبدون فاقد إرادة لا يوجد مسيطر وبهذا الحال أثبتنا بموتنا ذكاءنا الخارق .

وإيران والعراق ومصر أيضا وليبيا والجزائر وكل الدول التي ثارت وكان لها ثوراتها ، ظلت تصر على قضية واحدة وأولية ، وهي ( فلسطين ) . جمال عبدالناصر خرج بحلم كبير يفوق إمكانياته فتسبب بالنكسة ، صدام العرب وجد أن الطريق إلى إسرائيل يبدأ بالكويت ، وإيران والجميع يعلم أنها ستقود النصر الإسلامي على اليهود عن طريق المهدي المنتظر وأول خروج له في ( مكة ) أي أن الطريق إلى فلسطين سيكون المرة المقبلة هو ( الخليج العربي ) وهذا شأنها منذ تاريخ الدولة الصفوية وعمليات تأخير الدولة العثمانية من الوصول إلى فيينا النمساوية ، وهذه معلومات لا أحللها ولا اتفذلك بطرحها بل أصبحت من بديهيات الفهم السطحي لنظريات المؤامرة التي ملأت العقل الإسلامي والعربي ، وعلى كثرتها كانت كلها تتمحور حول فلسطين ، والفلسطينيون انتخبوا حكومة كانت رافضة لاتفاقية اوسلوا ، وعندما فازت بفضل تلك الاتفاقية وحكمت رفض الذين جهزوا لها أرضية العمل السياسي حين كانت رافضة أن تتزعم عليهم ، ورحل الفلسطينيون بين من يفتح وآخر متحمس إلى حيث يريدون ولم يستشيروا أحدا من العرب والمسلمين الذين أغلقوا على شعوبهم وتحمسوا بها حد الإحباط ،لينصروا القضية بالإعانات والمساعدات . وكنا طوال ما يجاوز النصف قرن وأكثر نعبيء الشعوب ونحفز شأن تلك القضية في عقل كل طفل ليظل متعلقا بحلم كبير يمتص منه كل جهد فكري وعقلي ، فكان أدبنا وعملنا ومساعداتنا تذهب في سبيل مناصرة كل من يلوح بقضية فلسطين ، وعندما كان جمال عبدالناصر يصيح في الراديو( حرروهم ، حرروهم ) كان قد أخطأ الطريق إلى القدس ، وطائراته تقصف الحدود اليمنية ، وكان أحد أبناء العمومة في ( نجران ) يختبيء من القصف وهو يستمع للبطل جمال ، وفعل مثله صدام وفعلها أسامة والزرقاوي حين قرروا بأنفسهم وباجتهادهم أن يقتلوا أبناء جلدتهم ليحرروهم من حكوماتهم وتفريغ دولهم من مواطنيها وكذلك سيفعل نجادي ومن يأتي بعد نجادي . وسيظل هذا الحق المراد به باطل مبررا لكل من يلوح به مادام الإسلام حجته وفلسطين قضيته.

ولا أخالف هنا أو اعترض ، ولا ادعي الموافقة على شيء أو حتى رفض شيء ، فأنا إنسان فهم أن هناك ( أشياء زائدة لا فائدة منها ) _ وأخص بالذكر القوى العربية والإسلامية _ ما تتمرن عليه باكستان وما تنازل عنه مؤخرا معمر القذافي ، كلها مظهرية ومكملة للتواجد الإنساني ، تماما كما هو حال ( أثداء الرجال ) ، وهذه كلمة لم اسمعها صراحة إلا على لسان سلوم حداد الذي مثل دور الزير سالم وكان يتحدث عن أشياء زائدة لا فائدة منها ، ويقصد بهذه الكلمة الأخوات والنساء الكبيرات في السن ، حين كان يحدث إمريء القيس عن متعة التحدث إلى الفتيات والتغزل بهن ، وطرح عليه الأخير أن يتحدث مع اخته فعلق بتلك المقولة ، وتخيلوا أن سكيرا زير نساء أصبح إمثولة عربية ومحل إعجاب المشاهدين العرب ، فكل من يصيح بالحرب يفوز قبل أن يرفع سيفا ، وكل من يقتل يعتبر شجاعا حتى لو كان يقتل ابن عمومته .
وسواء كنا رجالا أو نساءا فلا فرق لأني أتوقع أن يحدث يوما حين يقدم أحدهم على الزواج ويمارس كل أفعال الفحولة ، لينتج فتاة صغيرة تذهب بها أمها إلى أحد القادة لتعبر عن اعتزازها به وفخرها بانجازه ، ويعود بعد ذلك ليحارب الزوج ويقتله في طريقه إلى القدس .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *