فوبيا اللحية

انهيت قراءتي لكتاب ” رأس المال لكارل ماركس ” من سلسلة ” كتب هزت العالم ” للمؤلف ” فرانسيس وين ” . وهو كتاب جميل يشرح سيرة كتابة مجلد ” رأس المال ” وسيرة كارل ماركس الأدبية التي تختبيء تحت نظرياته الاقتصادية والسياسية . ولكنني لست بصدد الحديث عن هذا الكتاب ، فبعد أن قرأته اخذت اتأمل الكتاب من الخارج والداخل وهي عادة أمارسها كي أبقى في أجواء الكتاب خلال تأملي لما ورد فيه واسترجاع بعض الفقرات . ولكن تلك التأملات التي انسجمت فيها بدأت تتصاعد نحو الواقع وتلتقط منه بعض الصور والذكريات وكان ذلك بسبب صورة كارل ماركس على غلاف الكتاب ، تذكرت أحد شيوخ القبيلة ، وهو رجل بدوي يعيش على أطراف الربع الخالي ، ومات هناك أيضا _ رحمه الله _ ، في بدايات عمري كانت ملامح الشيخ الكبير ولحيته الكثيفة توقع في نفسي شعور الهيبة والخوف ، و كانت الرهبة تجعلني احرص على كل تصرفاتي خلال الجلوس في حضوره ، استمع بانتصات شديد لكل ما يخبر عنه من مغامراته ورحلات الصيد وبعض المشاكل القبلية التي شارك فيها ، احاول حفظ بعض من الابيات التي ينظمها خلال كل مناسبة مر بها ، كنت اراقب نفسي جيدا خوفا من الوقوع في خطأ يضعني في محل انتقاده ، وبعد أن كبرت ومر بي العمر سريعا ، عدت وادركت ما تبقى من حياة ذلك الشيخ ، ولكن في هذه المرة كان شعوري هو الاحترام ، ولم يكن هناك اي مشاعر رهبة كتلك التي كنت اشعر بها صغيرا . شعرت باحترام ابقى كل تصرفاتي كما كانت ، الحرص على الأدب والانصات جيدا والاهتمام بكل كلامه ، وفي هذه المرة كان السبب ليس الخوف بل الاحترام .

تذكرت ذلك وأنا انظر إلى صورة ” كارل ماركس ” بملامحه القاسية ولحيته الكثيفة وعيناه الغائرتان ، تشبه لحد كبير ملامح الشيخ الذي عرفته ، وبدأت ذاكرتي تستدعي ذكريات أخرى لأشخاص يملكون نفس الملامح ، وكان الشيء المشترك بينهم جميعا هو ” اللحية ” ، واختلطت الصور بين شخصيات من التاريخ وشخصيات من واقعي ، وكلها كانت تتفق على أن ” اللحية ” لم تكن بالضرورة دليل التزام ديني واقتداء لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم تكن التماثيل التي صورت لنا فلاسفة الإغريق وبعض حكماء الشرق الآسيوي بلحاهم الكثيفة لم تكن تشير إلى أنهم ينتمون إلى نفس الدين أو أن لحاهم دليل التزام بأي ديانة وخصوصا ” كارل ماركس ” الشيوعي . ومع ذلك ظلت اللحية دليل عنصر مشترك واحد ، وهو الاحترام ، وما من مرة صدف أن قابلت شخصا ملتحيا إلا واظهرت له الاحترام بطريقة عفوية لا تحتاج مني للتفكير مطلقا فيما إذا كان الشخص ملتزما دينيا أو عالما فقيها ، هو شعور فطري تجاه هذه ” اللحية ” كرمز وقار ونضج يميز الرجل . قد يخالفني الكثير في ذلك ، ولكنني متاكد من شعوري الذي صارحت به أصدقاء آخرين وأكدوا لي حقيقة الأمر ، فكم من شخص ملتحي اكتشفنا أنه غير ملتزم دينيا إن لم يكن بعيدا كل البعد عن أبسط مظاهر الالتزام ، ومع ذلك في حضوره كان منظره يؤخرنا كثيرا في تردد ما بين احترام وخوف وتوتر وحرص قبل البدء في تجاذب أطراف الحديث معه بكل أريحية ، ومن ثم اكتشاف ما لديه قبل الحكم عليه ، وفي جميع الأحوال لم يكن احترامنا له خسارة ، فهي من الآداب العامة لكل من نقابلهم ونجلس معهم .

إن اللحية في حياة الإنسان الرجل لم تكن محتكرة على الملتزمين دينيا فقط حتى على مستوى الأديان الأخرى ، وقد يفاجئنا بأن عدد من الرهبان في المسيحية يطلقون لحاهم ، بل كانت تمتد إلى كل رجال العالم في المجتمعات القبلية ، او المجتمعات الارستقراطية ، والعلماء والمفكرين ورجال الدين وحتى البسطاء الذين يحافظون على قيمة الرجولة في أقصى مظاهرها ، لذلك وجدت أن الدين الإسلامي لم يختر مظهر ” اللحية ” ويسن اعفائها ، لمجرد جعلها نمطا ونسقا يخص المسلمين ، ولكن لأنها فطرة ارتبطت بقص الشوارب والمحافظة على مظاهر معينة تخص شعر الوجه ، فطرة تولد الاحترام كخلق جدير بالأخذ بين الناس ، والفطرة هي أهم المباديء التي حرص الإسلام على المحافظة عليها ليظل الإنسان في طبيعته محافظا عليها .

اللحية مظهر فطري يناسب الرجل ولعلها تتناسب طرديا مع تجربته في الحياة وتجعله يظهر بشكل يثير الاحترام في نفوس الآخرين . ولا أدري لماذا كنت أخاف واحس بالرهبة في طفولتي ، واظن أن هذه المشاعر هي انعكاس بسيط ومشابه للاحترام الخاطيء ، الذي يكون احكام مبدئية غير حقيقية ، بعضها يجنح لتهمة التشدد وجعل اللحية دليلا على العنف في الرأي وفي الاسلوب ، وهذا أمر غير حقيقي ، هو فقط انطباع تكون من خلال تطور الإنسان خلال تجاربه في مراحل نموه ، ومن ثم وجد نفسه في واقع إعلامي واجتماعي يفرض هذا الحكم اعتمادا على الأحداث التي خرج بها الملتحين ، وجعل اللحية دليلا على تشابههم ، حتى أن البعض أصبح يخاف من الوقوع في دائرة الاتهام بالتشدد لمجرد أنه ملتحي ، في حين أنها تصرف فطري يمارسه كل البشر على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم . لقد خلقت الاحداث لنا انطباعا خاطئا وجعلت الناس تقع في مرض نفسي جديد هو الخوف والرهاب غير المبرر ” فوبيا اللحية ” وربطها بالإرهاب والإرهابيين لكثرة تلك الصور التي تعرض ليل نهار للمتشددين في حين أن الآخر المعتدل بدأ يرفض اللحية اطلاقا ليكون مختلفا حتى في الشكل ، مما جعل الناس تبدأ بالتصنيف حسب هذا المظهر الفطري الذي لم يكن يوما دليلا على ما يملكه الإنسان من فكر أو رأي سواء كانت معتدل او متطرف ، وإنما تخلق انطباع بسيط يميز الرجل ببعض الوقار والاحترام . ولعل البعض يقول أن هناك ملتحين لا يملكون من الرأي والفكر شيئا يستحقون به الاحترام ، ولكن مع ذلك هو مظهر عام يولد الاحترام كممارسة أخلاقية يستحقها الجميع باختلاف مستوياتهم الفكرية ، ويظل الاحمق محترما في نظر من حوله ما دام صامتا حتى يتكلم ، وكذلك اللحية يجب عليها أن لا تتجاوز الانطباع البسيط الذي تحققه في النفوس ، ويترك الإنسان يدلل على نفسه بما يملك من فكر أو خبرة او نضج حققه من خلال تجاربه في الحياة . فوبيا اللحية جعلت الناس ينقسمون في احكامهم وآخرين يتطرفون في مظاهر نفي هذه الاحكام وإثباتها ما بين إعفاء للحية وحلق لها ،حتى أصبح الفكر مخنوقا بهذا المظهر الفطري البسيط .

 

تعليق واحد على: فوبيا اللحية

  1. مشاري كتب:

    الاخ الحبيب والكاتب المبدع ..

    قرأت بعض نقاطك المهمه على عجاله ويبدو اني سوف ارتشف منه مره اخرى مستخدما ادوات كثيره في تمحيص وتحليل بعض الجزئيات ؟

    اللحية اخي الحبيب تفرق بين العذب والفرات والملح الاجاج ؟ فهي دليل وسمه خاصه بالمسلمين ومعروف من بداية الدعوه المحمديه .

    فهي بلا شك وقار وهيبة ورجوله عند البعض وهي ايضا سنة حبيبنا المصطفى …

    اللحيه مظهر صوري بالنسبه للذي نعرفه ونراه واما الباطن لا يعلم به إلا الله فهو الذي يميز الخبيث من الطيب ..

    وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم قال في عدة احاديث :

    (أعفو اللحى) (أرخوا اللحى) (وفروا اللحى) (وخالفوا المشركين) …

    بالاضافة الى انها فطره فهي سنه ..

    لي رجعه بإذن الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *