هيا بنا نتهم” دارون ” و نبريء ” بوش ”

  باريس: رويترز
قالت مسؤولة إن وزارة التعليم الفرنسية حذرت المدارس في شتى أنحاء البلاد من “نظريات إسلامية عن الخلق” بعد أن أرسلت آلاف النسخ من كتاب يناقض نظرية دارون من تركيا إلى فرنسا عن طريق البريد.
وأضافت المسؤولة أن كتاب “أطلس الخلق” بقلم هارون يحيى أرسل إلى المدارس والجامعات خلال الأيام العشرة المنصرمة في خطوة حيرت السلطات.
والكتاب التركي الأصلي الذي يقع في 768 صفحة والذي يرفض نظرية النشوء والارتقاء لدارون ظهر أول مرة في تركيا العام المنصرم عندما أرسل أيضا دون طلب للمدارس.
ويرى الكتاب أن نظرية تشارلز دارون “البقاء للأصلح” هي أساس الكثير
من المشاكل اليوم بما في ذلك الإرهاب في العصر الحديث.
وقالت المسؤولة الفرنسية التي طلبت عدم نشر اسمها إن مديري المدارس الذين شعروا بحيرة أبلغوا الوزارة بالكتاب الذي يتضمن صورا كاملة تهدف إلى إثبات أن الأنواع الحيوانية الحالية تبدو مماثلة تماما لحفريات أجدادها.
وتابعت المسؤولة “طلبنا منهم الاحتراس لأن هذا الكتاب يتناول نظريات لا تتماشى مع ما يتعلمه الطلبة، تعليمنا يعتمد على نظرية النشوء والارتقاء، هذه الكتب ليس لها مكان في مدارسنا.”
وهارون يحيى هو اسم مستعار للمعلم الإسلامي عدنان أوكتار. ويقول
مثقفون أتراك إن هذا الاسم يستخدمه مجموعة من الكتاب إذ ظهر 200 كتاب بالتركية وعشرات الكتب التي ترجمت إلى 51 لغة أخرى بنفس هذا الاسم.
ويتضمن كتاب “أطلس الخلق” أكثر من 500 صفحة من الصور ومقالا طويلا يشير إلى أن نظرية دارون التي تؤكد أن “البقاء للأصلح” هي مصدر الإلهام الأساسي للعنصرية والنازية والشيوعية والإرهاب الذي يعاني منه العالم اليوم.
ويقول المقال “أساس الإرهاب الذي يعاني منه كوكب الأرض ليس الديانات وإنما الإلحاد والتعبير عن الإلحاد في زماننا يتمثل في نظرية دارون والمادية، “الإٍسلام ليس مصدر الإرهاب ولكن الحل له… حرم الله قتل الأبرياء. الله يأمر المؤمنين بالرحمة والرأفة.”

4/ 2/ 2007 
  

قرأت هذا الخبر قبل فترة ، ووجدته مستفزا لمشاعر المسلمين وكأنه يثبت لنا أن هناك في الغرب من يحاربنا ، ولا أدري كم الدلائل التي نحتاجها حتى نتأكد من هذا ، ومن الطبيعي جدا أن يحارب كل قوم ما يخالف عقيدتهم وقيمهم الخاصة ، بل يمكنهم التوسع إلى نشاطات أخرى مثل التشويه والمعارضة لكل عقيدة تعتبر مخالفة . وهذا من سنن الحياة التي خلقها الله وهو التدافع الذي يداول الأيام بين الأمم والناس . لكن هذا التدافع يجب أن يكون منطقيا لحد ما، ويجب أن يكون إيجابيا في حدود تمنع حرق الأخضر واليابس ومحاربة البريء والمجرم على حدا سواء.

 

الغريب في هذا الخبر أنه يحاول تركيب فكرة مثيرة على ضوء الأحداث العالمية والتي أصبحت تصب في عنوان واحد وهو ( الإرهاب ) ، وفي المقابل سيتم إغفال جزئيات أهم من الصورة الكاملة لما يمكن فهمه من خبر مثل هذا ، ولنقل أننا نرفض نظرية دارون في جزئيتها الخاصة بإنكار الخلق وبدايته والتي تواترت كل الأديان عليها وليس الإسلام فقط . وهذه النظرية ليس لها جانب عقائدي أو فكري مقتصر على التدخل في القيم الإنسانية المتنوعة . بل هناك جوانب مهمة جدا استطاعت هذه النظرية إنجازه وتحقيقه ، فالثورة العلمية في مجال الأحياء والتي تطورت مع مرور الوقت حتى تقسم هذا العلم إلى فروع أخرى منها الهندسة الوراثية وعلم البيئة وكلاهما فرعان من العلم ساعدا الإنسان في كثير من مجالات الحياة بتوفير الظروف الصحية الكافية للحياة وبناء الدنيا .

إن نقل الخبر والنظر إليه من تلك الزاوية يجعلنا نعيد الكرة مرة أخرى في رفض كل العلوم والاكتشافات التي فادت البشرية جمعاء بغض النظر عن عقائدهم ، وهذا يجعلني أتساءل هل سنصل إلى مرحلة جديدة من ( نظرية المؤامرة ) بحيث نلتقط كل ما يبرر إلى فشلنا في تحقيق انتصاراتنا السياسية والاجتماعية .

إن العلم الذي طور هذا العالم له جوانب سيئة كثيرة ، ولكن تظل جوانبه الإيجابية هي الغرض السلمي الذي قصده، وخنق العقول وتوجيهها بطريقة متطرفة لترى العالم من منظور العقيدة فقط ، هو أمر يؤجج الصراع ولا يساعد على احتواءه أو حتى مقارعته بأسلوب منطقي يحقق انتصار أو انجاز نفتخر به ..

من الطبيعي أن تنظر فرنسا إلى هذا الأمر على أنه خطير ومؤثر ، فيما لو اعتبرنا أن كل علوم الأحياء سبق واعتمدت هذه النظرية وأسست عليها الكثير من الفروع لذلك لم يعد بالإمكان العودة للوراء كي ننسف الأساس ، ولكن من الممكن تجاهله واعتباره عنصر سلبي يمكن البناء عليه نحو تكامل إيجابي يحقق الفكرة الأهم و الأشمل وهي إعمار الأرض .

اعتقد أن هذا الخبر هو عبارة عن إعادة محاكمة كل الشخوص الغربية وتجريمها على ما يحصل حاليا من أحداث عالمية أبرزها ظاهرة ( الإرهاب ) ، وهذا الأمر يمارسه الجانبين بالطبع ، ولكن المؤسف هنا ، أننا نفشل في توظيف هذه المهارة وهذه الفكرة في تجريم التاريخ الخاص بكل مجتمع وشعب له عقيدته الخاصة ، وبدلا من محاربة نظرية دارون ، بالإمكان التحدث عن أشياء أخرى مثل مؤسس ومؤدلج السياسة الأمريكية الحالية ، كيسنجر ، والذي سبق أن كتب عنه سفر الحوالي في كتابه ( وعد كيسنجر ) ، وأعاد محاكمة السياسة الأمريكية والغربية على أسس فكرية بعيدا عن تجريم أشخاص ونظريات علمية ليس لها شأن في النزعات السياسية والفكرية التي لم تكن العلوم الطبيعية اهتماما لها .

قد يكون ” دارون” و ” اينشتاين” و ” نيوتن ” اكتشفوا علما وفر أدوات يمكن استخدامها بشكل سلبي ، فهل نحاكم العلماء الآن بسبب الأجيال التي أساءت استخدام ما اخترعوه وجعل من حياتنا متحضرة ومتطورة بالشكل الذي وصلت إليه ، هل سنحاكم أول من امسك بحجر الصوان وصنع منه سكينا ليدافع عن نفسه ويصطاد فرائسه ، لأن تلك السكين بعد ذلك تم استخدامها في القتل . لماذا نمارس التجريم للأدوات والنظريات والفرضيات، ونترك المتهمين الحقيقيين بعيدا عن هذا ونظهرهم بمظهر الأبرياء. من انتقد نظرية داروين على أساس أنها سببا للإرهاب ومحفزا له ، يقول بطريقة أخرى أن بوش وبلير بريئين جدا وليسوا إلا ضحايا لتلك النظريات والفرضيات التي اكتشفها من سبقوهم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *