البطون النووية

لدي عادة قبيحة نوعا ما _ وهي من قائمة طويلة للعادات السيئة بعضها وراثي والآخر مكتسب _ حيث أنني لا انجذب للمشاركة بأي فعل كتابي يخدم القضية المستهدفة والمعلن عنها في خضم ردة فعل جماهيرية تجاه خبر أو حدث على اي مستوى ديني او اجتماعي أو سياسي ، واحب الانتظار قليلا والإتكاء للوراء والخروج عن المسيرات ومتابعتها من الخارج ، وهناك اجد فسحة كبيرة من ممارسة الضحك والتقاط الطرائف الشاردة والواردة هنا وهناك ، فالمبالغة في العقل العربي والأمة الإسلامية تخرج عن حدود المعقول مما يجعلها تقع في خانة المسرحيات الكوميدية .


وانتظر دائما أحد الأصدقاء _ المجانين _ لكي اقتبس منه ما يمكن لي التحدث عنه ، وكعادته فاجئني بأن تحدث عن مقاطعة المنتجات الدنماركية ، وتسائل ماذا لو أن الدنمارك دولة لا تصدر لنا شيئا ، وفي هذه اللحظة بالذات خطر في ذهني تلك الطرفة التي تقول :
أن سعودي ومصري وهندي كانوا على متن طائرة تعرضت لمشاكل أثناء التحليق ، ولذلك طلب الكابتن من جميع الركاب الإستغناء عن الأمتعة التي يملكون منها الكثير في أوطانهم بفرض أنها لن تكون خسارة مادامت متواجدة بوفرة ، فقام الشقيق المصري برمي كل ما يحمله من ( الفول ) وقام الإنسان الهندي بقذف حملته من ( البهارات ) وأما المواطن السعودي فلقد بادر بالتخلص من ( الهندي ) نظرا لوفرة العمالة من الجنسية الهندية في المملكة العربية السعودية .
ولكن هذه الطرفة تصاعدت وتيرتها في ذهني وبدأت تسترجع بعض الأحداث والتي كان منها ما قام به الهندوس يوما من حرق المصحف وهدم مسجد ما في مكان ما بالهند ، ولم اسمع أحدهم طالب حينها بمقاطعة استيراد ( الهنود ) . لعل لأن هذه السلعة ( مع احترامي للإنسانية ) لا تستهلك من قبل البطون .
فلقد اثبتت بطوننا قدرتها الهائلة على هز اقتصاد دولة اوربية كبيرة ، وفي ذلك ما يثبت صحة فهمي الأولي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( وإذا أكلنا لا نشبع ) ، والذي حاول مدرس مادة الدين ارغامي على التخلص منه بعدة ممارسات تربوية منهجية _ لا يمكن شرحها سوى بإعادة تمثيل الواقعة _فلقد اشار إلى أن المقصود هو أننا امة تقوم من على الطعام قبل أن تصل إلى حالة الشبع ، واستشهد بحديث آخر لا اذكره تماما ، ولكن كان فيه كلمات نسيها الكثير من أبناء هذه المنطقة بالذات وهو ( لقيمات ) ، وكلمة أخرى تمر في طياته ذابت كل مفاصل الحروف فيها ولم تعد تشد ظهرا ولا ( تقيمه ) ، اعتقد أنها كلمة ( صلب ) .
ولو فرضنا أن الدنمارك لا تصدر لنا أي شيء يؤكل ، ماذا كنا سنقاطع ؟
مع العلم أن جريدة فرنسية أعادت نشر الرسوم ، وأيضا لم أسمع أحد المنادين بمقاطعة الدنمارك ينادي بمقاطعة منتجات ( باريس ) الحب ، فمنتجاتها من العطور والملابس ومواد التجميل والعناية ببشرتنا الصحراوية ، لا يمكن الإستغناء عنها ، ومن الجميل أن نخرج للمسيرات برائحة عطرة وخدود نظرة نستقبل بها الرأي الآخر ونشجبه وندينه ، وهذا من صميم أعرافنا العربية والتي تقول ( قابلني ولا تغديني ) وكل شيء يرتبط بالبطن يعتبر مثل وحكمة صالحة للاستعمال . وهذا يرجعني لمحور الحديث ، وهو أن البطون العربية والإسلامية ليس من السهل إثارتها ، ويجب أن تعرف الشعوب المصدرة للألبان ومشتقاتها وكذلك الدول المسوقة للمطاعم والوجبات السريعة ، أنه ليس من السهل التعرض لرموزنا الدينية دون ان نواجهها بأخطر سلاح تعرفه البشرية حتى الآن ، فنحن نملك ( بطونا نووية ) ، ويجب على المجتمع الدولي أن يثبت ذلك لنا ، ويحاول مجاراتنا بما لا يجعل عليه مأخذا يجبرنا على استخدام هذا السلاح ، وإن كان لا بد فهذا السلاح الخطير يجعلنا نطالب بمنحنا حق الفيتو في مجلس الأمن ، وعليه قد يحدث مستقبلا أن تتجه الدول العظمى إلينا تنشد معاهدات سلام واتفاقيات الحظر من انتشار أسلحة ( البطون النووية ) .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *