عودة الأمم المتحدة إلى أوروبا

بعد أن ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية فأنهت بدخولها الغزو النازي على أوروبا، وجعلت العالم أكثر استقرارا، كان لا بد من أن يكون لها السبق في إعادة صياغة عصبة الأمم المتحدة. كذلك كان لا بد أن تحتضن ميثاق الأمم المتحدة ، فهي الدولة التي كونت بتدخلها النظام العالمي الجديد بعد خفوت صوت أوروبا .

ومن تلك المنظمة انبثقت المنظمات الأخرى التي أغرقت العالم بمشاريع الإنماء والتطوير والإغاثة، فأصبح العالم مترابطا جدا في مآسيه وأزماته، وغدا البشر متفقين على ضرورة وجود هيئة الأمم المتحدة، والجميع يتطلع لها بعين الرجاء والأمل عند حلول الكوارث والنكبات. وقد ساعدت الأجواء الداخلية لأمريكا ووقوعها بعيدا عن متناول الصراعات الشرقية والأوربية على استقرار هذه الهيئة وتطور أعمالها . وكدعم عسكري وسياسي ، وجدت هيئة الأمم المتحدة الحضن الذي اكتنفها وجعل منها مشروع الإنسانية الحقيقي في هذا العصر .

ومن الواضح أن تكافؤ القوى المتقابلة على تلك الطاولة كان من أهم العناصر المتوفرة في هيئة الأمم المتحدة ومجلسها الأمني ، مما ساهم في تحييد الكثير من القضايا التي نشأت عن صراعات تحالفيه على مستوى إقليمي . وفي المقابل كانت تلك التحالفات الضيقة التي لجأت لها الدول الصغيرة والضعيفة هي الحل الحيادي الذي يضمن لها الحصول على حقوقها المصيرية . ولكن مع سقوط الكتلة الشرقية وبقاء الصين المنغلقة على نفسها تجاه العالم والمجتمع الدولي ، وجدت الولايات المتحدة نفسها منفردة ومسيطرة على هيئة الأمم المتحدة ومجلسها الأمني . وربما كان هذا ما أوقع في نفسها الغرور وجعلها تستخدم هذه الهيئة ومجلس الأمن لتوسيع نفوذها العالمي على حساب تراجع المعسكر النقيض. غير أن هذا الغرور المتنامي في الولايات المتحدة جعل العالم بأجمعه طامحا لعقد التحالفات معها وخصوصا أنها أيضا استطاعت أن تستحوذ على اتفاقيات التجارة العالمية والتي كان مصدرها أوروبا . وبذلك حققت لنفسها التفرد على قمة التنظيم العالمي وأمسكت بجميع مقدرات التطور لدى المجتمع الدولي كالمحافظة على الأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي.

والولايات المتحدة الأمريكية حين تتفضل على حلف الناتو بنشأته وصموده بعد الحرب العالمية الثانية ، يغيب عن ذهنها أن الدول الأوروبية أصبحت قادرة الآن على الانعزال بكيان خاص بها . كيان ظهر في الاتحاد الأوربي الذي استعاد ببطء مكانته العالمية وأعاد نوعا من التوازن في الحيادية العالمية ، وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تنعزل ببريطانيا وتبعدها لمسافات بعيدة في التحالف معها وتبقيها في تقاطع دوائر المصلحة الأمريكية والأوربية . وهذا ما جعل الاتحاد الأوربي حتى الآن يقر بصراحة على جميع الخطط التي تلعبها الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة بريطانيا وباسم هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لكن الاتحاد الأوربي بدأ مؤخرا في تجنب الوقوع ضحية تزايد طموح الولايات المتحدة الأمريكية نحو التوسع والسيطرة على مصادر الاقتصاد والطاقة العالمية وخصوصا في الدول النامية، فأخذ بدبلوماسية خجولة يبتعد عن مشاركة أمريكا في الكثير من مشاريعها في العالم كمثال منطقة الشرق الأوسط . وحدث ذلك في العراق؛ حين انعزلت أوروبا بأغلبيتها عن المشاركة ما عدا بعض الدول الأوربية التي وجدت وعودا من الولايات المتحدة دفعت بها إلى المغامرة في كسب بعض النفوذ من خلال تجربة التحالف معها في مشروعها السياسي. لذلك مازالت أمريكا تمارس عملية التجزئة داخل الاتحاد الأوربي من خلال وعودها بمشاركة الغنائم والمصالح حال تحقيق أهدافها. ولكن هذه العملية أصبحت غير مجدية عندما أحس الجميع أن مغامرات أمريكا أصبحت ذات مخاطر كبيرة ونتائجها قليلة على المجال السياسي والاقتصادي . فأخذت الانسحابات الأوربية تتوالى الواحدة تلو الأخرى .

ومن النقاط المهمة أن الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن استحوذت على هيئة الأمم المتحدة وهي ترعى مصالح إسرائيل كدولة ناشئة في منطقة صراع، كما تحاول البقاء في جانبها من خلال المساعدات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. وهذا ما جعل إسرائيل تستريح وتمارس كل أنشطتها الاحتلالية كدولة غير مشروطة وغير راضخة لقرارات هيئة الأمم المتحدة ، وهذا أيضاً ما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تظهر تجاه العالم بمظهر متحيز وغير محايد مع قضايا الشرق الأوسط بالذات .

وبعد هذا كله وفي خضم هذه الأحداث بعد أن فقد العالم السيطرة على إسرائيل وصراعاتها مع لبنان وفلسطين ، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تبدو أقل ثقة من قبل المجتمع الدولي ، أما آن لهيئة الأمم المتحدة أن تعود وترحل باتجاه أوروبا ، وان تجد مقرا لها هناك بعيدا عن السيطرة الأمريكية . فهذا ما يبدو الخيار الأنسب حاليا ، بعد أن أصبح حلف الناتو مجرد تعبئة عسكرية شكلية لا مبرر لتواجدها في غياب المعسكر الشيوعي . وبعد أن أصبحت روسيا وكل الدول المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق الأقرب إلى الحياد في تعاملها مع قضايا العالم ، وأصبحت على مفرق طرق مع الاتحاد الأوربي سواء في أوروبا الشرقية أو في الشرق الأوسط .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *