يا من بسهمه رماني

الشتاء ليس فصلا من فصول السنة ، بل حالة تخدير عامة لكل أطراف الجسم ، هكذا اشعر بنفسي والبرد يقلصني ويجعل امتداداتي نحو الحيز الذي حولي وتجاه الآخرين أكثر صعوبة وجامدة ، ولست وحدي في هذا الشعور ، ومظاهر الحياة في الخارج تبدو ملبدة بالغيوم ، لم يتغير شي من كل تفاصيل الناس وحركاتهم ، مازال الروتين في مجراه ، وزاد الشتاء في تغطية هذا كله بالبرد والغيوم ، كأن الدنيا تهدينا بعضا مما نبثه فيها ، وتغلفه بأروع مالديها من عناصر الطقس، وتعيده لنا كعربون وفاء لكل ما فعلناه فيها .

غرفتي تصبح ملجأ دافيء اجمع فيه معظم احتياجاتي ، فحتى المطبخ يبدو بعيدا ، وممارسة المشي تخسرني جزء من طاقتي التي تدفئني ، ياليت الإنسان يدخل في سبات عميق يمر به خلال الشتاء دون أن يفيق ، ولو جربت ذلك لتمنيت أن تمر فصول السنة كلها دون أن أرى العمر يتدحرج في طيات الأيام ، وأفيق يوما وكأنني مازلت كآخر مرة غفوت بها ، عند بوابة الأمل والمستقبل ، بنفس ذلك الوجه الذي لفحته رمال هذه المدينة .


خادر في مضجعي ، اتقلب نحو أكثر أجزاء جسمي دفئا . واتكوم داخل كل الأغطية ،

وفجأة غنت فيروز ، وكم أصبحت أكره هذا الغناء . وهذا ما جنيته على نفسي بيدي ولم تفعل حنجرة فيروز .
بعض الأشياء التي نحبها وتصبح رمزا للسعادة التي تغمرنا حين نمارسها أو نمارس أمورا أخرى في حضورها ؛ عندما نستخدمها كتعويذات للحظ ، أو حتى شعارا نمارس في ظلاله شخصياتنا ، أو حين نجعلها عناوينا تثير فينا الذكريات الجميلة ، بعد حين ؛ تصبح أمرا يشابه بقية الأمور التي تزعجنا ، ربما يكون لهذا شأن بالمثل القائل ( كثرة المساس تميت الإحساس ) . ورغم أن هذا المثل يقصد به الإساءة أو التعبير عن حالات غير أخلاقية ؛ ربما تطرأ في ذهن أي شخص عند قراءتها ، إلا أنها تظل صالحة للاستخدام والتطبيق في كل أمر أخلاقي آخر . فلقد اختلطت القيم ولم يعد هناك فرق واحد يجعلنا نميزها ، تلك الشعرة البسيطة التي كانت عالقة في المنتصف ، تم تلوينها وصبغها بلون أشقر على الموضة ، فلم يعد النظر الأعشى يميزها .
مات إحساسي بأغاني فيروز منذ أن جعلتها نغمة لـ ( هاتفي المحمول ) ، كنت سعيدا في أول مرة اخترت هذه النغمة ، ومتحمسا لسماع الأصوات التي تعلن عن وصولها بصوت فيروز . وكثرة مساسها لأذني ؛ جعل مركز السمع في عقلي يعلن وفاته مللا منها ، ولكي أقول الحق : لم يكن هو صوت فيروز بل لحنا، ظلال كلماته في ذهني يتردد . الترانيم لا تحتاج لكلمات تصاحبها ، فهذه الذاكرة التي تحاصر كل ظروف الإنسان كفيلة باسترجاع أي كلمة أو صورة بمجرد إثارتها بجزء من لحن أو حتى ( كحه ) تحيي فينا شخصا أحببنا ( كحته ).

(أديش كان فيه ناس)، (أديش كان فيه ناس)، (أديش كان فيه ناس)،( أديش كــ …. ) ، ولم تكمل ، ولم اسمعها تخبرني عن المنتظرين على أحد مفارق الطرق ، ولا اريد ان اسمعها تكمل ذلك المقطع ، فلا أحد ينتظرني ، وكذلك فيروز تدعي ، وهي التي ينتظرها الآلاف كل صباح وعلى كل المفترقات .
قالتها ثلاث مرات وبالكاد أكملت الرابعة ، أو هكذا صور لي عقلي ، والرقم المنتفض بأنواره على شاشة المحمول ، أهلك الرمق الأخير لأي انطباع جميل تخلقه لدي فيروز .
وتتكسر كل الصور الجميلة ، والألحان العذبة ، تجري لتختبيء في الذكرى ، بعد أن قال :
– ألو
صوته أصبح يفوق في تكراره اليومي أصوات كل المذيعين على كل القنوات الإخبارية ، ولولا أن اظلم صوته رغم سوءه ؛ لقلت أنه أصبح أكثر تكرارا من كل أصوات المطربين في القنوات الغنائية . وحجتي في فصل الشتاء حاضرة ، ومبررات الحنق التي تطلقها حنجرتي ، واردة دون أن اشرحها ، إنه الشتاء ، فصل الانفلونزا ، تبرر ذلك الاختناق ، والحروف المكتومة في ردي عليه ببرود يفوق ما حولي :
– نعم .
تعود على هذه الإجابة ، ولم يعد يفاوضني حول إجابة أفضل ، لقد رحبت به وسلمت عليه واستقبلته بحفاوة تكاد تكفي الشعب السعودي كله لمائة سنة قادمة ، لو أن كل مواطن اتصل بي لمرة واحدة في يوم وحيد.

عودته على الدخول في صلب الموضوع ، ليقصم صلب ظهري ، ولم يعد لدي كمية كبيرة من الدهشة تكفي أسئلته ، وأصبحت انساق فيما يريد دون أن احاول الفهم ، ففي نهاية المطاف سيشعر ببلادة ذهني ويشرح كامل التفاصيل ، يسألني دون مقدمات :
– كم تريد في اسمك
_ إنت ( سوم ) ، ما أحد سام قبلك .
_ نقول خمسمائة ريال .
حين قالها ؛ لم اشعر أن اسمي رخيص لهذه الدرجة ، ولكنه بسبب الظروف الراهنة لطالب يبيت يومه فقيرا ويستيقظ مسكينا ، يعتبر مبلغ خيالي قد ينهي بعض من مشاكل الفواتير المتراكمة . ولكن الكرامة التي أغرقت شعبا عربيا في عناده ضد مصالحته مع الاوضاع وتقبل أقل المنح والمكرمات ، حضرت وجعلتني أكابر . وبعضا من أطياف عزة النفس ، يجب أن يجلس على بوابة الرغبة والحاجة الملحة في نفس الإنسان ، وفي هذه المرة لم يفعل طيفي هكذا ، بل تنحى جانبا وجعل السخرية تأخذ مقعده ، فهي الأكثر دلالة على الرفض دون الحاجة إلى الصراخ .
– يفتح الله
– طيب كم تبي .؟
– اسومه وارد لك خبر ،
_ طيب من هنا إلى أن أحد يسوم اسمك ( المرسيدس ) ، شوف إذا أسماء أبوك واخوانك أو أي أحد تعرفه ، ممكن ياخذون فيها على ( ثلاثمائة ).
– أجل قصدك أهلي ( تويوتا ) ، مشكور
يضحك ، ويعتذر ؛ ورغم أن ابتسامة امتعاض صغيرة بالكاد تشرق في وجهي ، إلا أنني لم احاول أن اعطيه فرصة كبيرة لممارسة الظرافة ، في وقت لا يتحمل سخفا اكثر من الأوضاع التي نعيشها، ولم يكن ما جاوبت به طرفة ، بل كان انتقادا لاذعا لا احد يلقي له بالا ، فلقد أصبحنا نقارن قيمة كل شيء إنساني بقيمة الآت تسير على الطرقات دون شعور داخلها، سوى النار التي تحركها ولا تحترق بها ، ربما هذا هو وجه التشابه الوحيد بيننا وبين تلك الآلات ، نحترق بالداخل ولا تدفع كل تلك النيران بشتاء الحياة ليغادر .
يفهم متأخرا ، أن لا مساحة في نفسي تسمح له بالاستمرار على حديث من طرف واحد ، ويعبر عن انتهاء فترة المغازلة قبل شرح الموضوع كاملا :

– يا أخي لا تعصب ، كل ما في الأمر ،أنني أريد الاكتتاب في أسهم شركة جديدة ، سوف تنزل لسوق الاسهم .
_ هل هي محللة أم محرمة .
– لا يهم مادام هيئة سوق الأوراق سمحت بدخولها للسوق .
وتذكرت هنا ذلك التناقض الغريب الذي يعيش فيه المجتمع ، في الوقت الذي تعلن بعض المصادر الشرعية عن حلال أو حرمة بعض الأسهم ، نرى أن جميعها متواجدة ومتوفرة ، هذا الخيار العلماني في تصوري ، هو الحرية التي كنا نعيشها منذ زمن ، ولكن نحن نريد من الدولة أن تضع على كاهلها مسؤولية تحمل ذنوب خياراتنا فيما تسمح لنا به . وإن لم يحلل لنا أحدهم أمرا ، سنتوجه إلى آخر يتفهم مواقفنا ورغباتنا ، ليفتي بجواز كل ما نطمح إليه ، ليست عبادة ، بل عادة ، تبقي الحياة سارية المفعول .
وسؤالي ليس له علاقة بمدى تتبعي لحلال الأمور أو حرامها ، ولو كان الأمر بيدي لأفتيت بحرمة الفقر ، فهو أكثر الحلال شيوعا، ورغم أنه الأصل في كل الأمور الإباحة ، إلا أن الفقر هو الأصل الوحيد الذي لم يعد كذلك .
كانت مسألة التشريع التي طرحتها ، مجرد مناكفة أو مضايقة لحماس هذا الصديق ، وجعله يعيد التفكير في خطوته التي ازعجني من أجلها في هذا اليوم الذي لم يكن بحاجة لازعاج إضافي . ولكي أتحقق من أن ضميره أصبح رقما في بطاقة أحواله الشخصية ، أبادر إلى إثارة مسمى اعتدنا على جعله مطاطا ، يبتلع كل شبهة تحاول الغدر بأحلامنا :
– أجل ما في ذمتك شيء
– كله في ذمة الحكومة يا ابني .
حتى الذمم أصبحت مختصرة وينوب فيها الحكومة ، عجبا لحال الممواطن إن أصابته سرا ء فمن نفسه وإن أصابته ضراء فمن الحكومة .
ترى من سيمثل الدولة عندما يأتي يوم الحساب .؟
ومن هو الذي سيتحمل عناء تبرير ذنب كل هؤلاء المواطنين .؟
كل الجهات والدوائر متورطة ، واعتقد أنه سيتم عقد لجنة للبحث في هذا الشأن ، وسيعقد مجلس الشورى جلسة طارئة تتباحث في هذا الموضوع ، ويبادر اللبراليون في طرح قضية أهم الذمم العالقة ، وهي ذمة المرأة ، أقل الذمم استخداما ، فلقد ظل ولي أمرها (الرجل) ينوب عنها في ذلك ، وهذه فرصة لخلق مساحة واسعة من دمج ذمم غير مملتئة تعطينا مزيدا من المرونة في ( الدين ) ، وفي المقابل المتشددون سوف يرفضون بصمت خوفا من تهمة الإرهاب ، ويتركون أبواق الإعلام لمن فقد أقل سمات الحياء ، ورغم كل هذه الفوضى التي ستحدث ، وحتى يأتي ذلك اليوم ، اعتقد أن النتيجة الوحيدة التي يمكن لنا توقعها ، هي مجرد ( توصية ) .

ويبدو الأمر شائعا ومن حقوق المواطنة ، وذمتي التي أغلقت عليها طويلا بدأت ترتخي وتمد برأسها تحاول استنشاق بعض هواءهم الذي هم به يعمهون :
– أجل قلت لي ( خمسمائة ) .!
– لا ، لا ، لا ، خلاص السعر المعروض الآن ( مئتان).
معه حق ، فالفرص الأولى يجب أن لا تتكرر ، ويجب أن يفهم الجميع ذلك ، لقد حاولت الدنيا أن تجعلنا فهم ذلك ولكنها عجزت ، وأصبح من واجب كل شخص أن يمارس القدر بطريقته الخاصة ، لعل من حوله يفهمون أنه يشبه الدنيا ، ولذلك لا يتحمل ذنب قسوته عليهم . , وهم وحدهم يتحملون ذنب دخولهم إلى دائرته .
بعد المداولات السريعة بين ما يمكن لي تحقيقه وما يمكن لي عدم تحقيقه ، اكتشفت في لحظة مرت بلمح البصر أثناء حديثي معه ، أن أي شيء أفضل من لا شيء على الإطلاق . واسترجعت أدوات المداهنة والمفاوضة التي جبلنا عليها بالاكتساب ، وتذكرت مثلا يهين الطرف الآخر في قرارة نفسي ، وهكذا نفعل حتى نتمكن من تبرير انزلاقنا في نفس التيار ، نعم لقد قالوا سابقا ( شعرة من جلد الخنزير غنيمة ). وفي أسوأ الحالات لماذا يغضب ، فالخنزير حيوان تصدرت به الأمم الغربية وأصبحت رأسماليتها تحيط بالعالم وتخنقه ، أليس ما نفعله شيء من الرأسمالية :
– حسنا ، ما رأيك باسمي ومعاه ثلاثة اسماء مجانا . مقابل نسبة من الأرباح .
– بصراحة عرض مغري ، خلها أربع أسماء مجانا . وأعطيك 5 % .
يبدو أن المزاد المعلن في هذه المحادثة ، بدأ يبتلع كل تلك الأسماء التي نطلقها على من نحب ، أهون على نفسي وأقول : هي مجرد أسماء ، ربما سنكون أفضل لو أننا خلقنا بدونها . هي مجرد وسيلة للنداء ، أو علامات تميز أي الأحداث قسوة ترتبط بذاك المخلوق دون سواه . ولعلنا حين نبيعها من أجل لقمة العيش تصبح أكثر فائدة لنا ، فهي بالعادة تسقط سهوا في أعمدة الإعلان عن منح الأراضي ، أو قوائم النجاح في الثانوية العامة ، أو القبول في الجامعات . ولا تسقط سهوا ، عندما يتم الإعلان عن قرار فصل ، أو قرار سجن ، أو عند تحرير مخالفة عدم ربط حزام الأمان ، لشخص يقود سيارة لا توجد فيها هذه الرفاهية ، وسبق له استخدامها لجر سيارة آخر غرقت في الرمل أو أحد المخارج .
لا بأس لدي كمية هائلة من الأسماء ، لا أحد يحتاج إليها ، أهمهم قليلا وكأنني افكر ، وهي إشارة تجعلنا في ذهن الآخر مترددين أو أذكياء ، وتخفي قراراتنا التي حسمناها في عقولنا . وبعض من الممانعة تجعلنا نظهر أكثر صعوبة مما نبدو :
– أجل 5% ، عرض مغري
– وازيدك من الشعر بيت ، ارجع لكم الأسماء مع سعر الاكتتاب الأولي .
– لا ماله داعي أنا واثق انها في الحفظ والصون معاك ، متى ما احتاجتها الدولة بتلقاك .
يضحك ويتفق معي على كافة الإجراءات ، ويدعني أبدأ التخطيط في إثارة كل النغمات الأخرى على اجهزة المحمول التي أعرفها ، وبدأت كل الألحان تنطلق في أرجاء الوطن ، وبدأت اتقن فنون الطلب ، ( تكفا) ، كلمة لم يسبق لي استخدامها مع أي من أقاربي ، ولكنني في المقابل اهلكتها تكرارا في كل الدوائر الحكومية ، ولم تكن ذات فائدة ، ولعل المرة الوحيدة التي اقتنعت بأن هذه الكلمة ما زالت ( تهز الرجال ) بعد أن عجزت عن هز فطالحة الموظفين ، كانت عندما اهتز لها طفل صغير أمام مخبز ( التميس ) ، فلقد كان يشتري سبعة أرغفة في مقابل رغيف واحد كنت انتظره ، وكان أكثر تفهما لوضعي الذي لا يحتاج شرح أكثر من الصورة الظاهرة على هيئتي . ولكن لماذا لا أجربها مع الأقربون ، فهم الأولى بالمعروف والمنكر على حد سواء .
لم اسمعه وهو يقفل الخط ، فالقوائم المحتملة للبيع بدأت تنهمر في ذاكرتي ، ولم استثني منها حتى الرضيع ، فهو اسم مدون في إحدى البطاقات ، واسمه الذي يحمله هم وحيد لا يحمله إلا من حوله أثناء إجراء معاملات تسجيله كمواطن .
– باي
هذه النهاية الرقيقة اعلنت بداية نوع جديد من التجارة ، افكر بتوزيع بطاقات تعرف الآخرين بطبيعة عملي ( نبيع ونشتري الأسامي ). وسأضع لائحة بأسعار الأسماء . وتلك المستعملة سيتم خصم مدة الاستهلاك منها . وتلك التي لا معنى لها ستصبح عروضا مجانية مرفقة بأسماء أخرى لها معاني أكثر . وبعض أسماء الموتى الذين لم تسجلهم سجلات الدولة ، ستكون الاكثر حظوة في هذه القائمة ، فلن يكونوا أصحابها موجودين ليحصلوا على القيمة أو حتى النسبة من الأرباح ، فلقد مارسوا اسمائهم حتى اثقلتهم وماتوا بها وظلت أسماءا تعرف بالقادمين بعدهم .
بدأت الممارسة ، واكتشفت أنه بإمكان أي شخص لديه عائلة كبيرة ، وبطاقات عائلة متنوعة في معارفه ، أن يصبح تاجرا من مكانه دون الخروج من المنزل ، وبدأت الاتصالات تردني ، ومؤشرات الاسهم تشير إلى أن الأسماء التي اختارها تملك ميزة ( الحظ ) ، وخصوصا أسماء الأطفال ، سوف يكبرون يوما ، ليجدوا أن أسمائهم مرت على كل ورقة معاملة بنكية ، وشهرتهم وصلت إلى كل اصقاع مكاتب الاسهم ، لن ينمو ليصبحوا نكرات بعد الآن ، هذا هدف نبيل آخر يضاف إلى تجارتي الجديدة .
بدأت احلام اليقظة تنتعش في حياتي ، بعد أن غادرتني يائسة ، ها أنا احلم بالملايين ، ، ورأس مالي من الأسماء سيتضاعف ، والكل سيتصل بي ، ولكي أظل مرتبطا بمشروعي مع كل اتصال ، فكرت أن أغير نغمة هاتفي المحمول ، فتحت قائمة الجهاز ، وبدأت ابحث عن صوت ينطلق في المرة القادمة ويثير في داخلي علامات النصر بفكرتي ، ملف النغمات مليء بألحان ( فيروز ) وجدت نغمة أغنيتها ( اسامينا شو تعبو فيها اهالينا ) لـ فيروز أيضا ، ولكنها نغمة تشعرني بالمرارة من ذنب استغلالي ، وكيف أنني أصبحت تاجرا ، يهمل كل القيم البسيطة في الحياة ، يتعامل مع كل مشاعر الناس بسطحية تساعده على تحقيق أهدافه ، تاجر يبيع المنتجات على منتجات أخرى ، مصانع البشرية تنتج مستهلكين ، يشترون بضائع تنتجها مصانع أخرى . ولعل هؤلاء التجار محقين في تصرفهم ، من قال أن أهالينا تعبوا في البحث لنا عن أسماء ، ثلاثة أرباع هذا الوطن ، أسماء بالوراثة ، مكررة من التاريخ حتى اليوم ، فما أن تجد أحدهم يدعى فلان بن علان ، يكفيك أن تكررها ثلاثا ، لتحصل على شجرة عائلته ، وقف عند آخر اسم وأضف عليه ال التعريف ليصبح قبيلة . إذن اعذريني يا فيروز هذه الأغنية بالكاد تنطبق علينا ، لقد وجدت لحن آخر يبقيني دافئا في أحلام يقظتي يحييها في كل مرة تبدأ نيرانها بالخمود . اختاره كنغمة هاتفي المحمول ، واعيده إلى مكانه بجوار رأسي ، انتظر اول المتصلين ، واغفو قليلا ، دفء غريب يشعرني بأنني كنت غائبا عن كل مظاهر هذا المجتمع ، يغمرني ويشتت الجمود المتراكم فوق روحي ، أغرق فيه مبتسا ، وقبل أن أصل إلى القاع ، يصرخ بي طلال مداح ( يا من بسهمه رماني ) ، ( يا من بسهمه رماني ) ، ( يا من بسهمه رماني ) ، ( يا من بسهمه رماني ) .

 

تعليق واحد على: يا من بسهمه رماني

  1. يوم من الأيام كتب:

    أكتفي بهذه الجمل:
    “ياليت الإنسان يدخل في سبات عميق يمر به خلال الشتاء دون أن يفيق ، ولو جربت ذلك لتمنيت أن تمر فصول السنة كلها دون أن أرى العمر يتدحرج في طيات الأيام ، وأفيق يوما وكأنني مازلت كآخر مرة غفوت بها.”
    لأغط في سباتي العميق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *