وللإنسان كتيب استخدام

كم يحتاج الشخص من الوقت حتى يقتنع أنه لا يمكن له أن يكون افضل مما هو عليه .؟
وكانت الإجابة : قد يحتاج عمرا كاملا .
كان السؤال من طرف صديقي والإجابة من طرفي بعد أن حضرنا إحدى صرعات هذا العصر ، وهو علم معترف به ولا أستطيع إنكاره ، توالد في فترة قياسية من مدارس نفسية وأخرى إدارية ، وكذلك طبية .
ما يسمى ( البرمجة اللغوية العصبية ) ، وما يتبعه من أساليب متخصصة تصنف تحت عنوان ( هندسة النجاح ) . كان المحاضر يتحدث عن إمكانية أن يحقق كل إنسان ما يركز عليه ، في عبارة أخرى استخدام ( الشخصية الليزرية ) .
طرأ في ذهني فكرة كنت أود المشاركة بها ، ومنعني من ذلك حجم التفاؤل المرسوم في وجوه الحضور ، فتوقفت عن ممارسة ملاحظاتي الحادة والساخرة نوعا ما ، والفكرة التي تولدت في ذهني هي : لو أن الجميع استطاع تطبيق ما ورد على لسان المحاضر ، هل كان سيصبح الجميع ( رؤساء دول ) ،( وزراء)، ( فنانين ) أو ( رجال أعمال ) ، وقس على هذا ما يمكن للطموح أن يرسمه في ذهن كل شخص ، أحلام تتشكل بحسب ما نحتاجه ونراه مناسبا لتحقيق حياة سعيدة ورغيدة . وكان الجانب الآخر من الفكرة : من سيكون ( عامل النظافة ) .؟
وسأكون سعيدا ، لو أخبرني أحدهم بأنه حلم بهذا ذات يوم ، أو أشار إلى ابنه أن يحقق هذا .


مهما حاولنا التركيز على الاخطاء ، وتحفيز كل الإمكانيات لدينا كبشر ، سيظل هناك فروقات فردية ، تجعل الناس مختلفين في طموحاتهم ، متساوين في خيباتهم ، متفاوتين في درجاتهم الإجتماعية .
ومن الغريب جدا كيف نتعامل مع النفس وكأنها آلة يمكن توجيهها ببساطة ، وممارسة نوع من ( التحكم الذاتي ) كما توصف ، لكي نصل بها حيث هامش الأحلام المستحيلة ، أو على أقل تقدير تغيير نمط حياتنا اليومية ، لنصبح الأفضل وتصبح حياتنا الأكمل ، بحسب ما يقاس في المجتمع الذي نعيشه ، وما أعرفه ان الأحلام سميت بذلك لأنها لا تتحقق ، ولو تحققت بماذا نحلم بعد ذلك . الإنسان في تعريف فلسفي : هو حيوان حالم . جزء من إنسانيتنا هو استمرار الأحلام .
والأشياء البسيطة في حياتنا ، والتي تعودنا عليها ، لماذ نحاول التخلص منها لمجرد الوصول لفكرة الكمال ، مع أنها غير مسؤولة عن ذلك ، كيف ننام وكيف نصبح ، تنظيم المواعيد والاوقات ، وإدخال الإنسان في آلية التحكم بالحياة ، سعيا وراء تحقيق الأهداف والطموحات .

 

متى أصبحنا في صراع مع الغد ، كيف نبدأه ، وماذا سنفعل فيه ، وكيف ننهيه ، سنقع في مأزق الهروب من اللحظة التي نغرق فيها بكل الروتين .وأنا اقتنعت أن الصراع مع الغد يعتبر محسوما لصالحه ، لأنه أصبح بحكم الأمس منذ أن فكرنا فيه .
وما تعلمته من الحياة هو أنها أكبر من أن نتحكم بها . وحتى أولئك الذين ابتسم لهم الحظ ، لم تكن الحياة من أوصت الحظ بذلك ، ولم تتوسط لهم الدنيا لتمرير معاملاتهم ، ولم يكن هناك فرق كبير في مجهود أحدهم مقارنة بالآخر ، وكل ما في الأمر هو أنها لحظة انسرق الحظ من حكم الأغلبية ليمارس تواجده في حياة الأقلية . والحقيقة هي أن بعض ما نملكه لن نشعر بقيمته إلا بعد أن نفقده ، وحظوظ الأقلية قد تكون تعاسة لهم يودون التخلص منها ليعودوا إلى ركب الأغلبية .

يؤرقنا الفشل والنجاح ، ونعتاد على مقاومة ما تعودنا عليه ، الكل يتحدث عن طرق أفضل للحياة ، عن وسائل أنجح لتحقيق السعادة ، كتب على وزن ( كيف تحقق النجاح ) أو ( كيف تتحكم بالذات ) وأبحاث عن ( عقل الإنسان ) و ( حياة الإنسان ) ، ومحاضرات ، برامج ومسابقات ، قنوات تبيع الأمل وتسوق عواطف الناس و تؤجج في النفوس التفاؤل بوجود جانب مشرق خلف كل ظلام حالك . فهل نحتاج إلى كل ذلك ؟.
لماذا لا نسلط الضوء على ما لدينا !، ونجعله أكثر إشراقا مما يبدو لنا ، المقارنات التي نبني عليها افتراضات أيهم الأسوأ وأيهم الأصلح ، لم تكن سوى إنكار للزوايا الحسنة في حياة كل منا ، متابعة الآخرين ، والنظر إلى ما في أيديهم من مناصب وثروات ، وسعادة ونجاح ، هو النور الذي يطفيء علينا أنوار ما لدينا ، الكثير منا مرت به الحكمة القائلة ( من شاهد مصائب الناس هانت عليه مصيبته ) . وأتذكر أن أحدهم أتى يواسيني في مشكلة ما ، وظل يخبرني عن مآسيه حتى انعكس الحال وعدت أهون عليه مصابه ، هنا فقط نقول سخرية القدر ، الذي ندير له الظهر ، ونعتقد بأنه أخطأ التقدير ، وأن الحال يجب أن يتغير، وننسى أن ما نكره قد يكون خيرا لنا ، نتوكل على الله ، ونقدم مالدينا ، نبذل أقصى مجهود كي لا ندع مجالا للشك في قدراتنا على تحقيق حال أفضل ، وبعد ذلك ننعم ونهنأ بحياتنا ، ونعيشها بعيدا عن المقارنات بذاك أو ذاك ، أو سعيا وراء خيالات تتجاوز إمكانياتنا ، وقدراتنا التي خلقنا بها ، حتى نسلم من أن يجذبنا كل ممتهن للعلم أو تجار الأحلام بطعم تحقيق الأحلام المستحيلة ، كي نعلق في خانة التشاؤم ، ونظل في حاجة إلى أفكاره ، التي تهمل إنسانيتنا البسيطة وتعاملنا كآلات يمكن التحكم بها بواسطة ( كتيب الاستخدام ) .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *