شيوخ البراميل

عندما عدت مع بداية العام الدراسي في الأردن ، وجدت نفسي محل اهتمام العديد من الأشخاص الذين لم تواتيهم الفرصة لزيارة الوطن في فترة الصيف الماضي ، وكان هناك من هو مهتم بعدد من القضايا التي سمع عنها وقرأ عنها ، وظل ينتظر أقرب الأشخاص ملامسة لتلك الأخبار ، ليحصل على وصف دقيق وحقيقي لها ، ومن ذلك أن سألني أحدهم عن المجالس البلدية التي تم انتخابها والتي استهلكت حجما هائلا من المجهودات البشرية واستنزفت قدرا كبيرا من الأموال سواء من قبل الدولة ومسؤليتها في تنظيم مكاتب الانتخاب والدعاية والتوعية ، أو من قبل المرشحين أنفسهم وما انفقوه على الكم الهائل من المخيمات والاعلانات المتنوعة ، وكان هذا الموضوع بالذات محل اهتمام متزايد لدى المغتربين؛ لأن هاجس الانتخابات الذي يحيط بهم متكرر على جميع المستويات، وخصوصا تلك التي يجد الطالب نفسه على احتكاك مباشر بها ، كالانتخابات الطلابية في الجامعات ومجالس الطلبة واتحادات الطلبة ولجانها . وهذا ما قد يجعل البعض يشعر بالغيرة وكأنه يفقد جزءا من هذه التجربة التي يراها بوضوح وعن قرب في نشاط المجتمع الذي يقيم فيه حاليا ، ولذلك كان الأمر محل اهتمام الكثير، كأول عملية انتخابية لنا ، كانوا يتمنون حضورها والمشاركة فيها . شعور الغبطة الذي يتحرك داخل كل شخص مغترب تجاه تلك المظاهر التي يراها حوله ، تجعله يتحمس كثيرا لما يحدث في الوطن . ويتفائل بوجود إصلاح حقيقي بدأت تتشكل ملامحه تدريجيا.


وكان السؤال الموجه لي عن دور تلك المجالس البلدية وكيف كانت اجتماعاتها ، وماذا تغير في المدن وماهي المشاكل التي طرحت وتم نقاشها ، وكانت الأسئلة تأتي بوتيرة الحماس وتحرجني ، فلقد حاولت اعتصار ذاكرتي لكل ما سمعته أو قرأته عن مشروع أو قرار أو خبر في الصحافة عن اجتماعات لتلك المجالس البلدية ، لأنه في مقابل كل تلك الضجة الإعلامية بخصوص الانتخابات ، لم أشاهد ما يوزايها بخصوص عملها ، أو حتى مؤشرات لبداية تفعيل عملها ودورها ، ولا أدري حتى الآن هل كان التقصير مني في متابعة الأخبار ، أم أنه لم يتم الإعلان عن أي اجتماع أو حدث يخص المجالس البلدية ، ولم أجد في ذاكرتي سوى أن أخبرالسائل عن أحد كبار السن الذين صادفتهم ، والذي عبر بكل عفوية وبساطة عن فهمه لمعنى ( المجالس البلدية ) ، وتلك العفوية والبساطة هي عنوان تعامل المواطن مع هذه التجربة ، ولم يكن ذلك المفهوم مختلفا عن الشائع لدى الجميع ، فمسمى ( بلدية ) مرتبط في ذهن المواطن بعمال النظافة ، وشاحنة جمع النفايات . ويتفاوت الفهم من شخص إلى آخر عن البلدية بحسب التجارب التي أدت به إلى اكتشاف دور مختلف لا يرتبط بمفهوم ( النظافة ) . وما حملته من خبر كان أن ذلك المسن _ أطال الله في عمره _ أحب المشاركة في أحاديث تخص انتخابات المجالس البلدية ، فما كان منه إلا أن أخبر الجميع عن لقاءه بأحد الأعضاء الذين فازوا _كما يرى _بفضل انتخابه ، وطلب منه أن يتوسط له في البلدية لكي يحصل على برميل نفايات أمام منزله ، لأن أقرب برميل لبيته كان في الشارع المجاور ، ويجد أبناءه وخادمته صعوبة في الوصول إليه .
كانت هذه القصة مفاجئة لمن سألني عن حال المجالس البلدية ، وماذا تم بشأن اجتماعاتها ، وكيفية سير الأمور . وماهي نظرة الناس وطريقة تعاملهم مع الأعضاء المنتصرين في تلك الانتخابات . فمن المفترض أن يكون الناس قد فهموا معنى التمثيل البلدي ، والذي يساعدهم على تمرير شكواهم أو حتى إيصال مطالباتهم بطريقة أفضل وأقل إثارة من البرقيات المستعجلة أو المقالات التي تخرج لنقرأها ونتعجب من إمكانية حصول هذا في وطننا .
والجميل في الأمر ، ان أعضاء المجالس البلدية أصبح لهم من الشهرة ما يفوق المشايخ والعمد ومدراء ورؤساء الدوائر الحكومية المختلفة ، وأصبح الجميع يتحدث عن قدراتهم في الفوز بالانتخابات ، وهناك من يمدح فلان ويذم الآخر ، وهناك من يفتخر بأن ذلك العضو ينتمي إلى قبيلته ، أو حتى يعرفه عن طريق صلة قرابة .وهذه الفكرة مقلقة ومن يتابع تطورها وانتشارها في أذهان الكثير يجد أنها مؤشر سيء ومؤسف لما يمكن أن يحدث ، فالمخيف في الموضوع هو أن المجالس البلدية سوف تنتج لنا مناصب ، تبتعد عن فكرة التكليف لا التشريف . ولا اعتقد أن المجتمع نفسه سيتعامل بطريقة مختلفة مع أعضاء تلك المجالس ، وعلى أقل تقدير سيتم استخدام مفهوم الواسطة لتمرير مطالبات المواطن واحتياجات المناطق والمدن ، أو حتى استخدام تلك المناصب لتسهيل إنهاء المعاملات في دوائر حكومية أخرى ، وبدلا من أن نجد المواطنين يسعون إلى بث شكواهم بشكل جماعي من خلال ممثلي دوائرهم الانتخابية ، أو حتى إنابتهم في أيصال مشاكلهم للمجلس البلدي ، سنجد الفردية في اكتساب المصالح والتي طغت على المفهوم العام في التعامل مع مدراء الدوائر الحكومية وموظفيها ؛ تتطور لتطغى من جديد على كل هذه التجربة ، وكما حدث لذلك المسن الذي استوقف عضو المجلس البلدي ليطلب منه التوسط له في البلدية لتوفير برميل نظافة ، سنجد الكثير مثله يبدأون في التوافد على بيوت الأعضاء والاتصال بهم بشكل خاص، بعيدا عن مفهوم العمل الجماعي لخدمة المجتمع ، لنقع من جديد في فخ توليد المناصب الفخرية ، وما يلحق بها من شكليات الواسطة وتمرير المعاملات ، ورغم هذه الظاهرة السلبية التي قد تظهر إلى السطح بشكل ملحوظ ؛ مازال الجميع مؤمنا بالتجربة وضرورة المرور بكل مراحلها ، وأنه يظل لدينا هامش كبير من الأخطاء يحق لنا الوقوع بها خلال هذه التجربة دون أن يسود التشاؤم أو حتى التقليل من قدرتنا على التغير والتطور ، وفي أسوأ الأحوال لن يضرنا تكون شريحة اجتماعية جديدة ، فيصبح لدينا بالإضافة إلى المدراء والرؤساء والمشايخ والعمد ، منصب جديد لا أجد له مسمى أقرب للذهن غير ( شيوخ البراميل ).

ابراهيم سنان
22/10/2005

 

تعليق واحد على: شيوخ البراميل

  1. عبدالعزيز كتب:

    أعتقد أن الأمر كان بمثابة بالونة اختبار نجحت فيها الحكومة السعودية اقناع أمريكا أن أي انتخابات سوف يكون مصيرها أسلمة المجتمع السعودي بشكل كامل .
    وكما حصل فإن كل من تم نجاحهم في الانتخابات كانوا ممن تم تزكيتهم من المشائخ .

    فمدت الحكومة السعودية لسانها لأمريكا وقالت لها .
    أي ديموقراطية تريدين .
    والله أنا لخير لك من أن يستولى الأمر ما لا يحبك ولا يريد إلا الفكاك منك ومن حبائلك .

    غاب كل شيء عن ومن الانتخابات البلدية بعد أن نجح الاختبار بالنسبة للحكومة . كنوع من الاقناع .
    هذا رأيي .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *