قراءة في رواية برزخ / عصام

senan

المصدر : الساخر

التاريخ :03-02-2008
يعتبر العنوان إشارة تغمز للأثر الروائي ويقدم كبطاقة تعريفية للقارئ وإن ظل هذا الأخير غالبا ما يقفز عليه ليستقر في فناء النص مباشرة باعتبار أن هذا العنوان لن يقدم للمتن السردي شيئا..
بقي أن صياغة العنوان تتأثر بالأجواء الثقافية كما الاجتماعية السائدة في فترة بعينها كما هو الحال مع كل تلك الموضوعات التي يمكن أن يتناولها أي روائي.. مثلما لا يمكن لنا أن نجد عنوانا روائيا مثل الأخوة كارامازوف أو البؤساء يظهر في الألفية الثالثة ويلفت انتباه القارئ.

وبرزخ بحمولتها الدينية، والقلب العذب بمعناه العاطفي والعقل الأجاج الذي ينحو باتجاه فلسفة المعنى.. كأن المؤلف يحاول أن يجعل من العنوان توضيحا كافيا منذ البدء ودالا على موضوعة دينية عقلية فلسفية وكأنه بمثل هذا التركيب يقدم إيضاحا كافيا وملزما للقارئ عند القراءة.

وأيضا لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل غلاف العمل الروائي، لما لـه من دلالــة تساهم في توجيه توقع القارئ ورسم أفق انتظاره.. تموجات بعدد لا يحصى وشراع يحاول الثبات بمركب صغير ورجل متكئ عند الناصية فوق صخرة عظيمة تتقدم المشهد وتخرق البحر والمتأمل في الصورة يتوقع أن هذا الشاب يرقب الشراع في رحلته وتمايله أو يرقب الجزيرة النائية هناك على امتداد البصر.. ورحلة المركب في المنتصف. بين شاطئين.. شاطئ القلب العذب وشاطئ العقل الأجاج.وسحب كثيفة وسواد يذهب بالتخيل إلى مداه.

كما أود الإشارة إلى أن الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي فلاديمير كوش الذي لا يمكن تجاهل تجربته، لذا فإن أي مقاربة للوحة الغلاف من قبل قارئ عادي تبقى قاصرة عن سبر أغوارها واستكناه دلالاتها، ومع ذلك فإنه من خلال تأمل مقارن بينها وبين المضمون إلى جانب اقترابها من المنحى الانطباعي مما يجعلها تخلو من التعقيد الدلالي . فهي تتكون من ألوان قليلة كالأسود والأبيض المتكسر le blanc casséوكلها ممزوجة ببعضها البعض ومتداخلة لإبراز عناصرها وخلق ألوان وسيطةخاصة على مستوى تصوير السحب والبحر. يحتل مركزها ثنائي يتقاسم بطولة اللوحة.. مركب في عرض البحر وشاب لا يتضح منه سوى جسده الضئيل، في حين تغيب تفاصيل الجسم شيئا فشيئا إلى أن تختفي الأقدام لتتحد الكل مع الصخرة/الطبيعة، وليبقى الرأس مرفوعا يرقب عناد ومقاومة المركب لتلك الأمواج العاتية. اذا تم تحكيم الخطاب السردي لقراءة الخطاب التشكيلي البصري، خاصة مع الألوان الداكنة، كالرمادي والأسود، وسيطرة اللون الغامق الذي غالبا ما يرمز الى الغموض والإبهام والخطر، التي يرمز اليها البحر ايضا، ثم الصراع مع حضور ذلك الشراع والانسان في قلب الصورة، لإن ارتباط الإنسان بالبحر كان دائما يثير الكثير من الأحاسيس الغامضة المبهمة الى جانب الخوف والصراع من أجل اكتساب الرزق أو من أجل البقاء.

رغم هذه القراءة.. فلقد كان لي كقارئ، الحق في اكتشاف النص دون توجيه، حتى من قبل صاحبه، اكتشاف ما يقوله وما لا يقوله، في قراءته وإعادة كتابته. فالأساسي في الرواية، ليس هو الكلمات ولكن كيفية بناء عالم وتأثيثه.

ودخلت هذا العالم.
بداية استهلها بالقول أن صفحات العمل الأولى كانت فقيرة على مستوى الحدث.. وإلى حدود الصفحة السبعين لم أجد ما يدفع قائا غيري للمتابعة.. أما قراءتي أنا فقد كانت مدفوعة بكون ابراهيم سنان أحد أصدقائي وكان لابد أن أقرأ بالرغم مني وحتى من دون وعي وأكمل الطريق إلى آخره.. وهنا أفتح قوسا فعندما كتبت أنا إحدى محاولاتي وقدمتها لصديق لي قدم الي حينها بضعة أسطر تشجيعية ثم طلب أن نلتقي عند شاطئ البحر في أحد المقاهي، وهناك، وجدته وقد أكمل كأسه السابعة وصار يتكلم بنقد لو سمعه غيري لكسر أصابعه وليس أقلامه فحسب.
أعود إليك يا صديقي..
بعد الصفحات السبعين صرنا نتابع أحداثا “معينة”.
أولا صادفتني كقارئ مشكلة لم يسبق لي عهد بها وهي اختلاط الشخصيات علي.. والسبب أنها جاءت جميعها على وزن فاعل وتشترك في نفس مخارج الحروف وكذا منطوقها.
سالم، سامي، ناصر، صالح…
مما اضطرني للاستعانة بورقة كتبت فيها أسماء هذه الشخوص وبعض الإشارة تدل عليها.
تجلى ضعف الخطاب أيضا في سطحية حضور بعض الشخوص.
مثلا نوف التي أحبها صالح.. كيف حدث ذلك ؟ بل ومتى ؟ عند زيارة صالح لأخيها في المستشفى ؟
وصار يتحدث عن عقلها ورزانتها وكأن أحداثا كثيرة حضرت في ذهنية صالح ولم يشركنا بها كحال تلك المكانة التي جناها بين أصدقائه ولا ندري كيف ومن أين له ذلك.
صالح الحاضر دوما في أحاديث الشلة.. حتى هو غائب عنهم.
كانت نوف تستحق اعتبارا أكبر حتى يمكن التحضير جيدا للنهاية المأساوية والتي جاءت غير مقنعة في نظري.
الحديث إلى محمد عند شاطئ البحر جاء كوسيلة لاستحضار الخطاب الفلسفي لصالح أمام ضعف شخوص أخرى قدمت على أنها صاحبة قيم قروية، أو نخبة بورجوازية الى غير ذلك. لكنها لم تقدم جديدا ولم تستطع ترك أثر كبير على مستوى الطرح.
الغضب الكبير والغيرة على أخت في الخامس عشرة من العمر لأن صديقا أوصلها مع الوالدة وفي حضور أخته.. لست أدري كيف لمغربي مثلي أن يتفهم هذا !!
الشيخ تركي.. التقليدي إلى حد ما ولو أنه استطاع بدوره احتواء تمرد صالح الفكري انما كان الاحتواء مشتركا حيث حافظ كل منهما على توازنه الداخلي رغم تناقض صغير جدا تمثل في المفارقة الذاتية لشخصية تركي الناتجة عن عجزه مبدئيا عن تصور أي علم أو فلسفة سوى علم مطلق ثم موافقته على كلام صالح ودخوله في نقاشات مسالمة معه أحيانا وأحيانا أخرى تحذير أصدقائه منه.

الحديث مع طلبة ليبراليين.. حول الليبرالية، جاء مسبوقا بتقديم صالح على انه محاور فذ.. لكن صالح سرعان ما قفز إلى حيث برجه العاجي محتفظا بآرائه وفكره لنفسه.. واكتفى بنقد بسيط تخلص من خلاله من الطالب وزميله ومن الحوار ومن تقديم تفصيلي لطرحه ورأيه في المسألة. وكأنه نسي أن القارئ هو الذي يريد الجواب وليس أولئك الطلبة.

صديقي إبراهيم.

لقد تم اعتبار (استجابة القارئ) نظرية توفر مساحة من الحرية لفضاء النص المكتوب بحكم أن القارئ هو المالك الوحيد لحاضر النص بعد أن (مات المؤلف).
والسؤال ـ هنا ـ هل يمكن أن نعد (استجابة القارئ) هي المعيار؟ إن هذه المسألة تعيدنا إلى ما يوحي بـ (الانطباعية) التي تجاوزها النقد الجديد/ النقد الذي أراد أن يقترب بمفاهيمه إلى العلمية الصارمة/ العلمية التي تقع بالضد من الانطباع والانطباعية.
وعلى ضوء ذلك.. لا يمكن أبدا اعتبار هذه القراءة أعلاه.. علمية أبدا.

المهم.
إستمر في الكتابة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *