حرث النفوس وثمار الإبداع

العقل والروح هو مجموع ما نطلق عليه النفس. وكل ما يصيب هذه النفس ويدخل إليها هو محرك أساسي لتفاعلاتها، سواء مع ذاتها أو مع محيطها، والمعطيات والمداخلات المحيطة بالنفس هي عناصر المكونات الرئيسية للتفاعلات النفسية، وما ينتج عنها دائما هو محصلة مختلفة من مشاعر وأفكار، وهذه النواتج هي ما يمكن لنا قراءته في كل وسائل التعبير التي يستخدمها الإنسان.

والإبداع تم دراسته والوقوف على محطاته ضمن مراحل التطور الحضاري والثقافي، وكان هناك مدارس كثيرة قامت بتعريفه، منها من أخبر أنه توجه وتعمق نحو ألذات إلى الداخل، يؤدي إلى تعبير منغلق يمكن قراءته من الخارج وفمهمه بطريقة تتناسب حسب القواسم المشتركة بين المبدع والمتلقي، وإن لم تخني الذاكرة فهذا التوجه الرومانسي للمدرسة الرومانسية ورائدها الفليسوف شيلنغ.
وأما المدرسة الأخرى فهي الوجودية، ولا أستطيع هنا تجاوز سارتر أبدا، والذي طرح الإبداع كتوجه وانفتاح نحو الخارج، أي باتجاه المجتمع، وأصبح المبدع فيه ممثلا لكل من حوله، مما يجعل المتلقي مشاركا رئيسيا مهما اختلفت ظروفه الفكرية الخاصة، والسبب في أنه توجه اجتماعي يضم الجميع، لأن ما يحدث لفرد يؤثر بطريقة أو أخرى على من حوله وبذلك يكون المجتمع هو محصلة ما تم بناءه تراكميا من محصلات التفاعلات النفسية للأفراد فيه.

وعندما تجاهلت كل ما طرحته المدارس الفلسفية والناشأة في حضارة لا تمت لنا بصلة، مع الاستفادة من التجارب الواردة فيها، وجدت أنه من واجبي أن أقوم بقراءة خاصة بمجتمعي وخطوطه العريضة، فالخصوصية الاجتماعية تفرض نفسها بظروفها الحاضرة وتاريخها الذي أنتج لنا هذه الظروف، فوجدت أن الإبداع لدينا يظل ثابتا كتفاعلات ناتجة عن تقلبات العقل والروح، وأن المشاعر والأفكار لا تخرج بطريقة تسامحية وسلمية في أكثر الحالات إن لم يكن جميعها،

كالأرض التي نريد زراعتها، فهي لا تنتج لنا زرعا ولا ثمارا، إلا عندما نقوم بحرثها، ومعاول الحرث هي التي تقلب لنا التربة وتجعلها قابلة للإنتاج، وهذا ما يحدث تماما للنفس البشرية، ويمكننا ملاحظة ذلك في أن أكثر النواتج الأدبية كانت متعلقة بتلك المراحل التي مر خلالها الإنسان في ظروف الحرب والثورات والفقر والكوارث، ويمكن لي هنا الاستشهاد بإنجازات أدبية كثيرة على مستوى العالم العربي وحتى العالم جميعا، وقد اختصر ذلك بالإشارة إلى قائمة الحاصلين على جائزة نوبل العالمية في مجالات الإبداع الأدبي، وبالوقوف على شخوص هذه القائمة يمكن للجميع ملاحظة قاسم مشترك بين طاغور ونجيب محفوظ، وهو الإبداع الناتج عن ظروف دولهم وحضاراتهم. وربما يكون القاسم المشترك هو الاستعمار. والثورات وما إلى ذلك من تطورات اجتماعية مر بها الإنسان الهندي أو الإنسان المصري خلال تلك التجربة بكامل ظروفها. ولكن طاغور كان ذاتي الإبداع منغلقا على نفسه، أما نجيب فكان منفتحا نحو المجتمع.

إذن الإبداع ليس شرطا أن يكون ناتج عن تفاعلات سلمية، حتى داخل المجتمع الأدبي نفسه، فالكثير من القضايا التي تطورت في العديد المجالات الأدبية، هو ناتج عن اختلافات داخل أروقة الأدب والفكر نفسها، يمكن لنا رؤية ما نتج عن تصارع مدرسة الإحياء والديوان ,و تيارات فكرية ومذاهب مختلفة في تلك الفترة ، وبالوقوف على الكثير من النزاعات الأدبية والفكرية في تلك الفترة يمكن لنا قراءته بشكل محايد عندما فقط نركز على المحصلة النهائية بغض النظر عن طريقة إنتاجها، وهذا ما يمكن لنا اعتباره إثراء للأدب في جميع مراحله.ويشمل ذلك المفارقات الهامشية والتي نتجت عن تضارب واختلافات في الآراء لو بشكل شخصي بين طرفين، فهو مما يحرك النفس ويجعلها تعمل في أقصى حالاتها الروحية والعقلية، وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى إنتاج يخرج لنا بقيمة عالية كمحصلة تعبيرية عن تلك التفاعلات.

الاختلاف رحمة من الله سبحانه وتعالى، ولولا الاختلاف لجنح البشر إلى الركود، وهذا مما قد يعطل ما عرفناه ونراه الآن من موجات حضارية بين الارتفاع والانخفاض، وهو ما يثبت قيمة المبدأ الذي به نزلت هذه الشريعة، وهو مبدأ عمارة الأرض. وما بنات أفكارنا ومشاعرنا إلا لبنات في بناء هذه الحضارات، والتي ستقف عليها أجيال قادمة من بعدنا، يتجاهلون تفاصيل ما حدث من تصارعات أو اختلافات وحروب وفقر وكوارث، وثورات، ليقرأوا في تجاربنا وإبداعاتنا..
أعيد في هذه الأيام قراءة الحرب والسلم لتوليستوي.
فأي حزن ومرارة وكوارث ومصائب أنتجت لنا هذا العمل، !!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *