قراءة / رواية برزخ / Ophelia

المصدر : الساخر

التاريخ : 25-09-2007
بعد الانتهاء من قراءة هذه الرواية تمنيت لو نطرح ما جاء فيها من مواضيع في الشهر الفلسفي .. فلو أردنا قراءة رواية أدبية تطرح المواضيع الفلسفية التي نناقشها في شهرنا هذا فلن نجد أنسب من رواية برزخ..

تخرج من القراءة الأولى دون أن تتمكن تماماً من الوصول لقلب (صالح) العذب؛ فلا تكاد منذ بداية الرواية وحتى لحظة انتهاءها أن تفهم تماماً مجريات قصة الحب التي جمعته بنوف.. لا تعلم متى بدأت ولا كيف تطورت ولا أين انتهت ولا حتى إن كانت قد انتهت فعلاً..

كل ما جرى بينهما تشعر أنه ينسل من بين يديك دون أن تتمكن من الإمساك بتفاصيله .. كل المشاعر والعواطف تشعر أنها تنمو وتتجذر هناك في أعماق الشخصيات دون أن يعطيك أي منهم تصريحاً أو تعريفاً واضحاً أو اعترافاً بها..

هل لأنه حكم على قلبه أن يبقى أسير عقله فرفض أن يحرره على حساب عقله ليدرك في النهاية أنه ظلم هذا القلب وحمله ما لا يطيق:
“فاتني ما يكفي من الحياة، ولن يعوضها إلا الجرأة والتهور وضرب دروب المستحيل مغامرا بكل ما أملك من عقل. لم أقصد العقل، لقد خرجت الكلمة خوفا من الاعتراف بأن لدي قلبا يتمنى الخروج من كل ممارسات المنطق التي أسجنه فيها. “

لقد خاف على قلبه من أن يلوثه الحب.. وقسى عليه عندما لم يخف عليه من الموت بلا حب..
إنه أقسى أنواع الحب.. ذلك الذي ينمو عميقاً دون أن نسمح له بالظهور أو البوح به حتى لأنفسنا..
وأجمل أنواع الحب لأن فيه نكهة الرجولة والحياء والعفة والوفاء .. إنه الحب الذي يعيش في صدور مطبقة عليه حتى الموت..

“أحبك بعيدة عني، فشوقي إليك ينمو بك داخل قلبي، ولن يطاوعني النسيان فهو يتذكرك رغما عني”.

هذا عن القلب العذب..
فماذا عن العقل الأجاج؟

ذلك العقل الذي يدخلك بمتاهات لا تستطيع أن تخرج منها إلا مبتسماً ومفكراً ومتسائلاً ومتأملاً..
لا تدري هل يحدثك عن أفكار علمانية أم إسلامية أم إلحادية أم شيطانية..

أهي رواية علمانية؟

فأحياناً قد تلعن تلك الشخصية التي تمارس لعبة سقراط الأزلية بطرح الأسئلة المحيرة التي ترفض أن يكون إيمانها مجرد ممارسة روتينية وتنتظر التوبة لكي تأسرها!

“مازلنا نتربص بالتوبة متى تأسرنا فلا نحتاج للهرب.”

وتتساءل أحياناً أخرى عن قوة إيمانه عندما يطرح أسئلة مثل:

“كيف للصلاح أن يزيد صاحبه فقرا، وللفسق أن يزيد صاحبه غنى ورخاء؟..”

أو ما يمكن أن تكون ردة فعلنا عندما نعلم أنه :

“لا يصلي ولكنه يحترم الصلاة.”

وبكل الأحوال فصالح هو صالح فعلا لأنه يفكر بفساده وصلاح الآخرين.. لأنه يرفض أن يؤدي فروضاً كمجرد ممارسة اعتيادية تجعله يشعر بتفوقه على الآخرين دون أن يكلف نفسه عناء التفكير بكونه صالحاً فعلاً..

أهي رواية إسلامية؟

إن كان هناك ما يسمى أدب إسلامي فهذه الرواية يجب أن تصنف من أروع ما كتب فيه ويكفيها شخصية الشيخ تركي..

بكلامه عن الإسلام وشعائره.. وصفه لأهمية الصلاة والوضوء والذهاب إلى المسجد ومنافعهم البدنية والروحية للإنسان قبل أن تكون واجب ثقيل عليه أداءه.. أسلوبه اللطيف في معاتبة أصدقائه وإرشادهم.. حديثه مع صالح يجعلك تشعر أنهما شخصيتين مكملتين لبعضهما لتكون الرواية رواية إسلامية أو على الأقل لتكوين شخصية إسلامية تجبرك على احترامها..

في اجتماع هاتين الشخصيتين نرى كيف يمكن فعلاً أن يكون هناك مسلم حقيقي بعقله وقلبه..

“أنتظرك لأتعلم على يديك كيف للعقل أن يرفع من قيمة هذا النقل لا أن يعارضه”..

ومهما كان منه فيكفيه هذا الاعتراف ليفرض احترامه عليك ويكفر عن جميع سيئاته إن وجدت:

“أخجل في قعر ذاتي وأتآكل حياءً حتى أنني لا أستطيع النظر إلى ظهورهم وهي تغادر نحو المسجد ، أودعهم وأعدهم بان أكون معهم يوما ما. “

أهي رواية feminist؟

تكشف هذه الرواية أدق التفاصيل الأنثوية، وأعني بذلك أدق تفاصيل مشاعرها وتفكيرها وعقليتها وليس تفاصيل جسدها، فقد استطاعت أن تدخل للعالم الأنثوي تماماً وتصف لنا مجتمعاً نسائياً بكل طقوسه واحتفالاته (لدرجة أني شككت بأن الكاتب أنثى وليس رجل ).. فهي تكشف لنا مثلاً عقلية الفتاة في أعمار مختلفة.. ردات فعلها وموقفها من الرجل سواء كان الأخ أو الزوج أو الحبيب.. فتجد مثلاً احترامها وتقديرها وإحساسها العالي بمشاعر أخيها كأجمل ما يمكن وصفه كما في علاقة سارة بأخيها..

تحدثنا هذه الرواية عن علاقة الرجل بالأثنى بكل أشكالها.. حتى عن تلك العلاقات الأثيرية التي يمارس الطرفين فيها الكثير من الكذب والنفاق وبكل الأحوال ورغم كل النتائج ببذل الكثير من المشاعر..

أما الجميل بالرواية فهو قدرتها على فهم الأنثى وإنصافها مما يلقي هذا المجتمع على عاتقها الكثير من الصفات السيئة:

“وهذا المجتمع يبالغ بتجميع الصفات السيئة فوق كاهل المرأة حتى جعل من الرجال قدوة تدهور معها المجتمع. ولو كنت في مكان قادر على التغيير لجعلت من بعض النساء قدوة لكثير من الرجال في الرجولة. “

فهي إذاً رواية اجتماعية:

تتناول العلاقات الاجتماعية بكل أنواعها.. كعلاقة الأصدقاء التي تشغل مساحة كبيرة من الرواية .. فالأصدقاء كانوا بالنسبة لصالح الوسيلة الوحيدة لمواجهة الغربة:

“مهمة الأصدقاء الإمساك بيد هذا الوقت العجوز ليعبروا به شارع أيامي دون أن أشعر ببعد المسافة”

علاقة الآباء بالأبناء.. العلاقات الأسرية والزوجية .. صراع الغني والفقير.. بساطة الريف وتعقيد المدينة.. والغربة المكانية والغربة النفسية..

” العمر يعيشنا ويفيض بنا، ونظل كأرواح أتقنت التحدث بصمت “

إنه صالح الذي حمل على عاتقه همّ التفكير نيابة عن جميع من حوله..

“أنا في صراع مع الحياة، وغيري في صراع مع الموت.”

والأهم من ذلك أنها رواية فلسفية:

أما الفلسفة فتحتل القسم الأكبر والأجمل من الرواية..
بين محمد ذلك الرجل المجنون الذي لا يقال عنه أكثر مما قال صالح: “حضور عقل يملأ العالم صخبا حتى في سكوته.”
وصالح ذلك الذي يمارس طيبته وعذوبة قلبه وغربته وصمته وجريه داخل ذاته وإجهاد عقله ليبقى نظيفاً والخوف على قلبه من التلوث..

من أجمل ما يمر في الرواية هي تلك المقاطع التي يجتمع فيها صالح ومحمد ويبدأن لعبتهما الفلسفية الممتعة فيكون محمد كالمعلم سقراط الذي يطرح الأسئلة على تلاميذه بأسلوبه الساخر والمحفز على التفكير والنقاش..

ممتع هو حديثهما وممتعة لقاءاتهما ولكم تمنيت لو أخذت حيزاً أكبر من الرواية..

فرغم أنها أحاديث فلسفية عن مواضيع فلسفية وأسئلة أزلية (كالخير والشر والعيب والحلال والحرام والجمال والزمن والإخلاص والإحسان والأنانية..) إلا أنك لا تشعر أنها مقحمة إقحاماً في الرواية ولا تشعر بثقل أثناء قراءتها بل تتمنى لو يستمرون بلعبتهم الشيقة تلك وأحاديثهم العذبة..

وأخيراً فالحديث عنها لن يكون أبداً أجمل من قراءتها كاملة..
“كبرزخ أنا بين قلب عذب وعقل أجاج ؛ لا يخلتطان ،لذلك تعبرني مراكب الأتراح وسفن الأفراح دون أن تتوقف لتتذوقني.”

حاولت ألا أتحدث عن تفاصيل الرواية لكي لا أفسد عليكم متعة قراءتها

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *