رواية برزخ .. محاولة للقراءة / عبدالله السفياني

المصدر : الساخر / جريدة المدينة / ملحق الأربعاء

التاريخ :29-11-2007

برزخ بين قراءة التأويل .. وتأويل القراءة .!!

انتهيت منذ فترة من قراءة رواية ( برزخ بين : قلب عذب وعقل أجاج ) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، والتي يبدو أنها الرواية الأولى للروائي السعودي القادم : إبراهيم سنان ..!
وفي بداية المشهد القرائي لهذا النص وكعادة أي قراءة انطباعية وقفت متأملا للعنوان الذي جاء يحمل جزأين اثنين الأول كلمة ( برزخ ) والثاني ( بين قلب عذب .. وعقل أجاج )، حينها تمنيت لو أن الكاتب اكتفى بالجزء الأول حتى لا يقع في الإنشائية وتحويل العنوان الروائي إلى عنوان مقالي موضوعي .. لكن الذي يتابع القراءة ربما يجد مبررا لاختيار هذه الجملة التي وردت في عرض الرواية لتكون هي عنوان الرواية ..!
ولست هنا بصدد الحديث عن رمزية العنوان ودوره الإيجابي في عملية التأويل النقدي، إذ يعتبر كثير من النقاد عنوان النص بوابة الولوج وبوابة الخروج إلى/ومن النص .. ورغم أنه آخر ما يكتب وأول ما يقرأ فإنه يظل الصندوق الأسود الذي يختزن الكثير من أسرار النص.


… تبدو مجازية العنوان برزخية أيضا فهي ليست مجازية موغلة في الغموض بقدر ما هي مجازية حاولت توظيف النص القرآني من جهة وتوظيف علم النفس الحديث من جهة أخرى باعتبار أن كلمة برزخ .. وعذب وأجاج من الكلمات القرآنية .. وباعتبار أن العاطفة هي الصدق البشري وأن الفلسفة هي نوع من التحذلق وتغطية الحقيقة .. فالعاطفة/ القلب .. هي المورد العذب والفلسفة/ العقل هي المورد الأجاج ..!
هكذا يريد إبراهيم سنان أن يصور لنا نوعية الصراع الذي ستدخله روايته الأولى فهو صراع يتخذ وجهين :
الأول : صراع داخلي بين عقل وقلب ..
الثاني : صراع اجتماعي تلقى كثيرا من مدده الحركي والتفاعلي من صراع القلوب والعقول في مجتمع محافظ تحيط به أفكار ورؤى وفلسفات صادقة كالماء العذب .. وكاذبة كالملح الأجاج ..!
هذا الصراع كان واضحا وجليا في صور شتى داخل العمل الروائي .. لعل أبرزها صراع البطل ( صالح ) مع قلبه الذي يمور بعواطف كثيرة تمثل إنسانيته وفطرته البشرية وبين كبت يمارسه عقله الذي يحاول أن يتقمص شخصية الفيلسوف فيواري كثيرا من حركته العاطفية وفي كثير من الأحيان يحاسبها حسابا عسيرا..!
لم يكن في الرواية انتصار حقيقي للعذوبة أو الملوحة بقدر ما كان هناك في فصول مختلفة من الرواية تبادل لهذه الانتصارات والإخفاقات إلا أنه في ختام النص الروائي إيحاء غير مباشر بموت العاطفة في صورتها الصادقة والفلسفة في صورتها الغامضة .. ويظل البطل يعيش ( برْزخا ) لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ..!

الهروب من الحدث :
.. لإن كانت هذه هي الرواية الأولى لإبراهيم سنان فإنها ليست الرواية العربية الأولى التي تهرب من صناعة الحدث ونموه داخل النسيج الروائي باعتباره أحد أبرز المكونات للعمل القصصي بوجه عام.
وهذا لا يعني أن الأحداث التي تكونت منها الرواية لم تكن ذات طابع شيق وقوي بل كان لأكثرها تكوين مميز ولكنها كانت لا تستطيع المواصلة في جذب القارئ لمزيد من التوتر والتوقع وحساب الأفكار، وكانت بعض الأحداث لا تكتمل خيوطها بشكل طبيعي ومنطقي فتلجأ الرواية حينئذ إلى عنصر المفاجأة أو الحدث غير المنطقي، وهذا ما جعل بعض أحداثها يتسم بالسذاجة وافتراض ما لا يفترض.
وهي ظاهرة ما زالت الرواية العربية بكل أطيافها تعاني منها فكثيرا ما يفر الروائي من صناعة الحدث إلى عمليات أخرى كالإنشائية والشاعرية أو إنهاء الحدث بطريقة مفاجئة وساذجة تصطدم مع وعي القارئ في فترة مبكرة ..
ومن هنا يمكن لرواية برزخ أن تكون ضمن هذا السياق لولا أنها استطاعت تغطية هذا الجزء الخطير والمهم بحوارات ساخنة ذات مستوى لغوي بسيط وجذاب ابتعد بالقارئ عن الإنشائية وعن الشاعرية وعن الإطالة المملة بالإضافة إلى وصفيات تسد فراغات النص وهذه التقنية بحاجة إلى قراءة مستقلة في رواية برزخ وغيرها من الروايات العربية المماثلة.

البطل .. نرجسية تقتل الشخوص :

.. كان صالح بطل الرواية هو الصوت المتحدث في مجمل الرواية .. وهو الذي يعيش في منطقة البرزخ ومن خلاله استطاع أن يتعامل مع شخوص الرواية بمهارة، ومكّنته برزخيته أن يكون صاحب رؤية دينية وسطية تتعامل بمهارة مع الشيخ ( تركي ) طالب العلم والصديق الذي عاش معهم تحت سقف واحد .
واستطاع كذلك أن يتعامل مع أصدقائه الآخرين الذين كان كل واحد منهم يحمل رؤى وأفكار وسلوكيات تختلف عن الآخرين.
وتتجلى نرجسية البطل في حوارات البطل ودوره الفعال الذي يمارسه في كل أحداث الرواية إذا لا يكاد يغيب عن أي حدث فهو إما صانع للحدث أو جزء منه أو هو الذي يؤول إليه أمر إنهاء الحدث.
فمشاكل شخصيات الرواية التي كانت تواجههم لا يمكن لهم حلها وتجازها دون أن يكون صالح هم المستشار الأمين لهم، وهم يتحدثون عن فلسفته ورؤيته المعقدة للحياة وهو كثيرا ما يتحدث عن سذاجتهم وعن انتقاده الساخر لتصرفاتهم التي لا تتوافق مع أفكاره العليا ورؤيته المستقلة التي كثيرا ما تتصادم مع السائد في العرف الاجتماعي.
وأكثر من ذلك تظهر النرجسية في مستوى لغته التي كانت تتميز عن جميع الشخوص بالعمق وامتازت كذلك على الفيلسوف ( محمد ) الذي صنع له البطل هالة كبيرة في حواره مع الدكتور علي رئيس القسم الذي يدرس فيه.
بدت فلسفة محمد ضعيفة جدا أمام الطالب الذي سيتعلم منه ويعتبره صالح بطل الرواية الشخص الذي غير حياته تغييرا جذريا، وذلك بسبب نرجسية البطل ومحاولته دائما أن يظهر بمظهر التعالي على الآخرين دون أن يشعر بذلك، وتجلى ذلك واضحا في طريقة حواره مع رئيس القسم الدكتور علي حين قال له مواجها :
– يبدو يا صالح أنك بدأت تصدق أنك دكتور في هذا القسم.
ويتجلى كذلك في الرد الساخر من الطالب صالح بطل الرواية :
– لا أبدا يا دكتور علي، حاشا لله أن أصل لهذا المستوى الخطير في التفكير، أين أنا منكم؟
لقد كانت نرجسية البطل واضحة جدا في تمفصلات الرواية ولعل هذه النرجسية هي التي جعلت من البطل يرى نفسه فريدا من نوعه ويعاني من غربة روحية حادة رغم أن الأفكار التي كان يطرحها لم تكن بذلك العمق الفلسفي الخطير ، وحتى فيلسوفه المفضل ( محمد ) الذي غير مجرى حياته كان أقل منه في عمق الفلسفة والطرح ..!
ونجد شيئا من هذه الفلسفة في المثالية التي تعاطها البطل في حواراته مع الشخوص خاصة تلك التي دارت بينه وبين الفيلسوف محمد والتي حاول من خلالها أن يجعل من كل شيء فلسفة ومن كل عبارة تدور بينهم ذات مغزى بعيد وإن لم تكن كذلك، حتى تحول الحوار بينهم إلى نوع من الألغاز.
ولا شك أن هذه اللغة المشفرة فيما يخيل للقارئ ساهمت بشكل في إثراء العمل ولكنها لا تصمد أمام التحليل النقدي ..!

الشخوص .. فكر مختلف .. ولغة واحدة :

حفلت الرواية بشخوص متعددة ساهمت في بناء العمل عبر أحداث الرواية وحواراتها المختلفة ولقد كان صوت الرجل والمرأة حاضرا في شخوصه لولا ما يمكن تسجيله من تقارب تصريف الأسماء خاصة أصدقاء الشقة. ( صالح ـ ناصر ـ سالم ـ سامي ) كلها على وزن فاعل مما أحدث ربكة في متابعة سيرة كل شخص في الرواية لمعرفة دوره الحقيقي في البناء .
ورغم أن الرواية وفقت كثيرا في عملية توصيف كل شخص وبناء صورة متكاملة له تكاد تظهر لك جميع أبعادها فتشاهد هذه الشخصيات معك في المجتمع الحقيقي إلا أنها أخفقت في توظيف مستوى اللغة المستخدم بما يتناسب مع ثقافة وروح كل شخصية فيخيل إليك أن المتحدث هو شخص واحد ولكن على لسان أكثر من شخص .
وهي إشكالية واضحة في العمل الروائي حين لا يتمكن الكاتب من التنويع في المستويات اللغوية بحيث تكون لغة الحكي والحوار تناسب المستوى الفكري والثقافي والوظيفي للشخصية.
ومع ذلك فقد كانت اللغة المستخدمة لغة بسيطة ليست بالفصحى العميقة ولا العامية الدارجة مما جعلها قريبة جدا إلى ذائقة القارئ وهي اللغة التي يسميها بعض النقاد : ( الفصحى المحكية ).
وتأتي الشخوص النسائية نسيجا متكاملا وفق الروائي في اختيار أسمائها بطريقة جذابة توحي بمعرفة قوية بعالم المرأة من جهة وعالم الشباب الذين يقعون فريسة لمثل هذه الأسماء.
استطاعت الرواية أن تدخل عالم المرأة بدقة ورسمت صورة الأم والأخت والبنت والعائلة في محيط اجتماعي حديث ومحافظ، وكانت اللغة التي ترسم المرأة في فكرها ومظهرها دقيقة تكاد تجزم أنها لغة أنثى تتكلم من داخل النسيج النسائي، وإن كانت في بعض الملامح لا تخلو من مبالغات يقع فيها الراوي للخروج من دوامة حدث لا يستطيع إكماله بشكل منطقي .. !

صراع القيم :

… لا تخلو أي رواية من حديث القيم سواء كانت اجتماعية أو ذاتية، والرواية رغم التعمد فيما يبدو لتغييب المكان إلا أنها قائمة على صراع بين نوعين من القيم قيم ما قبل الحداثة وقيم ما بعد الحداثة .. قيم القرية وقيم المدينة، وظهرت برزخية البطل في تناقضاته المختلفة فتارة ما يغمز ويهمز قيم القرية والقبيلة ويحاول تقويضها في مظاهر مختلفة في الرواية كالغيرة والقيم المرتبطة بالزواج واختيار الزوجة ..إلخ
لكنه لا يصمد كثيرا فتراه في آخر العمل الروائي يصرخ في القادمين إلى المدنية : (يا أيها القادمون إلى المدينة اتركوا قلوبكم ودائع وراءكم، فهي غريبة على سكان هذا المكان، يستسيغون مضغها، ويبصقون بها في وجوهكم متى حان الرحيل )
لقد صدم قلب البطل في المدينة وعاد بعقله الذي كان يريد أن يعيش به في منطقة وسطى عاد ليقول : (حافظ على نظافة قلبك، مع تحيات غرباء العاصمة)
لم تكن ( نوف ) التي استوطنت قلب البطل ثم مزقت كل أحلامه في لحظة ذهول منه، هي التي جعلته يفر من المدينة ويقلب لها ظهر المجن، لقد كانت هناك قيم أخرى حاول صالح أن يفلسفها أن يتعايش معها ببرزخيته الخاصة؛ لكنه لم ينجح في ذلك كله لأن القيم الاجتماعية والشخصية إذا تصادمت ولم يستطع الشخص إحداث توافق بينها فهو أمام خيارين :
إما أن يجرفه تيار الحراك الاجتماعي ويصبح ترسا ضمن دولاب الحياة، أو أن يعيش الغربة بكل أطيافها وأبعادها المؤلمة ..!
.. ورغم التعاطي الفلسفي للبطل وأستاذه ( محمد ) إلا أنهمها أخفقا إلى حد ما في التعامل الأخلاقي مع هذا التباين المختلف في أشكال القيم المتصارعة في الرواية.
بل أقحما أنفسهما في مناطق محسومة ( عقائديا ) في محاولة لاستنطاق فلسفي لا يقدم ولا يؤخر وجاء ضعيفا في الطرح، ويحاول إبراز مقدرة البطل وأستاذه على اقتحام الممنوع والمحظور وإعلان عن تحررية لم تكتمل لهما ..

وأخيرا ..:

فإنني أعتبر هذه الرواية من الكتابات الروائية القليلة التي استهوتني قراءتها ولم أشعر معها بالملل المعهود الذي طالعني في كثير من الروايات السعودية المعاصرة التي لم أستطع إتمامها.
فجاءت ( البرزخ ) عبر لغتها السردية وحواراتها الساخنة وسخريتها اللذيذة قادرة على استفزازي ودفعي لقراءة متتالية وممتعة، وربما تكون بداية قوية لروائي قادم يكتب بصدق وإبداع كتابي من أجل إثراء المكتبة الأدبية السعودية وليس من أجل اقتحام المحظور للحصول على بصيص من الضوء المتلاشي ..!

__________________

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *