حضوري في رواية برزخ / أحمد المنعي

المصدر: الساخر

التاريخ : 30-11-2007

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لا بد من التنويه الآلي أن ما أذكره هنا هو رأي قارئ عادي لا يمت لشعوذة الدراسات النقدية وسجع الكهان والنقاد بصلة .

أما بعد :

لم أملك بعدما انتهيت من قراءة رواية إبراهيم سنان ( برزخ بين قلب عذب وعقل أجاج ) ، إلا أن أمسك القلم وأكتب لافتات ومشاغبات أسئلة كثيرة ، وأعلن النقاش على رواية أقل حق من حقوقها أن تناقش بالتفصيل لأنها رواية حملت تقرير حقائق يحتاج تقريرها إلى جرأة ، وكانت القصاصات التي كتبتُها في فصول الرواية المختلفة منثورة بين طيات الصفحات أفكاراً بعضها مولود من رحم الرواية يحن إليها كأم ، وأفكاراً أخرى انشقت عنها وأشهرت الحرب عليها كعدو ، هدفي من هذا الموضوع هو أولاً التعبير عن امتناني لأن إبراهيم كتب إهداءً للرواية لي ، وثانياً فالرواية مستفزة بما يكفي لأحمل قصاصاتي وأنثرها هنا ، وهي فيما يلي بين انطباع وتساؤل واعتراض وتوافق :

-1-

أطمئن إلى القول أن بطل هذه الرواية بامتياز هو المنطق ! ، ومن العجيب – أو العبقري – أن البطل يموت في نهاية الرواية ، يقتله الحب في مفاجأة ممتعة جداً ، والحقيقة أن أحداث الرواية وظروفها كانت تحدث ببطء وكل الأحداث عموماً ليست كثيرة ومنوعة برأيي ، والرواية كلها لا تحمل قيمتها الجوهرية في اختراع أحداث وشخوص بل تكمن في المنطقيات الغزيرة جداً المبثوثة في كل صفحة من صفحات الرواية ، أظن أن إبراهيم في روايته تعمد أن يضيء كثيراً من البقع المظلمة أو الرمادية بكشاف القراءة العقلية المنسجمة التي تلغي التناقض أولاً ، وتصل إلى النتيجة بسهولة وثقة ، هذا الطرق تطلب أن يتنوع ليشمل جوانب متعددة من الحياة ويتناولها منطقياً ، وبأسلوب راااااائع جداً ينم عن عقلية نظيفة ، الرواية ناقشت قضايا اجتماعية ، قبلية ، تربوية ، نفسية ، شبابية ، وحتى عاطفية رغم أن العاطفة في رأيي لا تتآلف غالباً مع العقل ، وهذه لفتة أظنها قصد بها مسمى الرواية ( بين قلب عذب وعقل أجاج ) ، والأجمل ضمن هذا كله أنها تطرقت باهتمام ووضوح لأمور شرعية حساسة ودخلت إلى تفاصيل بين الحكم الشرعي والمنهج الإسلامي من جهة (الحلال / الحرام )، والعرف الاجتماعي بما فيه من قيم إيجابية وسلبية ( المحمود / المذموم أو العيب ) ، وكان الطرح فيما قرأت جريئاً وواضحاً بدون تورية أو محاولة إيصال دبلوماسية ، وهذا محسوب للرواية .

-2-

على المحور الزمني المتسلسل الذي اتخذته الرواية ، وجدتني منسجماً مع الرواية زمنياً إلى تقريباً منتصفها ثم ضعت ولم تترتب عندي الأحداث كما كانت في البداية ، لا أدري هل فقدت تركيزي أم أن الرواية كما أحسب لم تمنحني وضوحاً في رؤية ذلك في مرحلة من مراحلها كما منحته لي في فصولها الأولى ، تحديداً عندما عاد ناصر من دبي واستلقى في الشقة ليخبر صالح عن الكارثة التي وقعت هناك ، يعني ما قبل فصل ( عينا سارة ) ، سيما وأن ما قبل هذا كله كان متماسكاً زمنياً بشكل سلس جداً وممتع ، ما أعنيه أن هذا المفصل من الرواية أربكني فيما بعد مع تتابع الأحداث ، وأخذت الأسئلة اللحوحة المزعجة تتقافز في ذهني لأعرف ماذا حدث في دبي حتى نهاية الرواية ، أوجد لي هذا شيئاً من عدم التركيز والضياع النسبي في المنتصف .

-3-

صالح ، الشخصية المتحدثة ومحور القصة كان شخصية متكاملة جداً ومحبوبة حتى للقارئ ، وهذا التكامل في شخصيته كما أزعم طبيعي لأنه من الممكن القول أن صالح هو نفسه إبراهيم سنان مع اختلاف تفاصيل تمويهية صغيرة ، ولهذا كانت سمات صالح منطقية غير متناقضة لأنها منسوخة من واقع حقيقي ، قارنت بين قرية صالح ، ارتباطه بالعادات الأصيلة ، عزة النفس وكرم العطاء ، الفروسية والشهامة ، معايير معينة في التعامل مع الآخرين ، وغير ذلك فوجدتها تنطبق كذلك على المجتمع والذات الحقيقية المقابلة ، حتى وصف التضاريس الجغرافية والانطباعات عن تلك القرية كان متماثلاً .

-4-

وصفت صالح بأنه شخصية متكاملة ، حين بدا لي بعض التناقض في بعض الشخصيات الأخرى ، لم أفهم سر ذلك التناقض المنطقي ، سيما وأن المنطقية نمت بشكل كبير لدي كقارئ لأجدني أستخدمها بحساسية أعلى أثناء وبعد قراءة الرواية ، مثلاً أتعجب لماذا أجد ناصر المترف الأرستقراطي يتنازل للقبول بشقة الشلة التي تم تصويرها في الرواية بأنها أقل من المتوسط ، فضلاً عن اتخاذه صحبة فيها سالم الفقير التلقائي ، وفي المقابل تجد ناصر في الرواية يحتقر الطبقات الدنيا الكادحة ويترفع عنها في علاقاته التي من مستواه ، ويحرص على وجود جدار يضع علاقاته مع الشباب في حدود يجب ألا يتم تعديها لأنها تسيء إلى مركزه وتحرجه ، رغم أنك عرّفت بشيء من الاندهاش هذه العلاقة الغريبة بين رجلين وكان هناك بعض المكر في بث تساؤلات منطقية عن نجاح هذه العلاقة بين ناصر وسالم رغم أنها تحمل بذور الاستحالة في داخلها ، هذا التساؤل والإضاءة لهذا الجانب في الرواية بدا لي كمحاولة لتقرير هذا المعطى .

-5-

سالم الرجل الفقير النبيل الغيور جداً والـ ( بايعها ) أحياناً ، اتضح غضبه وتفاعله المبالغ مع مسائل العرض والحشمة والحرص على أخته وأمه وحمايتهما ، وجدت في مشهد القبض عليه أن صالح يقبل يد أم سالم ورأسها ويحاول تهدئتها بينما ينظر لهما سالم بشفقة على أمه وحزن ، وكذلك الاتصالات بين صالح وأم سالم في غير مرة في الرواية ، أظنك صورت سالم في الرواية بصورة الغيور جداً لدرجة أني لم أتصور أنه قد يسمح بذلك في أي ظرف ومن أي شخص حتى صالح .

-6-

ظهر عندي تساؤل بعد انتهائي من الرواية ، وهو أنه واضح جداً أن ما حمله هذا العمل من قيم وطروحات اجتماعية وشرعية وثقافية وانسانية بهذا الشكل الغزير والغني جدا ، لا يمكن أن يجمع في فترة زمنية قصيرة إطلاقاً ، بدت لي الرواية كأنها سيرة ذاتية لعقل الكاتب ، وعرض لمعظم ما عايشته منطقه من استفهامات وأفكار وقضايا خلال فترة طويلة لا أبالغ إن قلت إنها بعمر إدراك تلك العقلية نفسها ، بمعنى أن الرواية أقرب أن تكون مكتوبة عبر سنين عديدة ، وهذا أيضاً ورد في الإهداء في لفتة رائعة ، وف غلاف الكتاب كذلك :
( أهديكم بعض اللا أشياء التي تراكمت في ذهني )
(فقد طالت المرحلة التي انتظرت فيها الحياة لتمنحني مزيداً من الحكمة أخاطب بها الآخرين )
( لعلي أفرغت بعض الهوامش التي تآكلت في عقلي )
خلاصة هذا أن الفترة الطويلة التي كتبت خلالها هذه الرواية كانت النتيجة الطبيعية لها هذا المنتج المتفوق للغاية في ثرائه الفكري وقضاياه المتعددة وطرحه الحكيم المتوازن ، وأيضاً الحلول التي قدمتها الرواية لبعض تلك القضايا ، وهذا جوهر الرواية الأثمن برأيي والأكثر متعة ، غير أني أتساءل الآن يا كائن المنطق وأنت تحتفل بمفخرة حقيقية الآن ، هل ستحتاج إلى ثلاثين سنة أخرى لتصدر روايتك الثانية التي يفترض ألا تكون أفقر من هذه ؟ أم أنك قادر على عدم تكرار نفسك غداً إذا أزمعت إصدار روايتك الجديدة التي لا تشبه أختها البكر ؟

والحق أن مما يبعث السعادة في النفس أن يكون الاحتفاء لمن يستحق ، وهذا الاحتفاء بالرواية أمر مستحق فعلاً ، ولعلها كانت رواية سعودية تقف على الطرف الآخر الأعمق الأكثر نضجاً من روايات سعودية أخرى شكلت انطباعاً سيئاً

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *