لقاء صوت الأخدود : لم أفكر أن أصبح أديبا ، ولا أريد شهرة بلا أدب.

المصدر : صوت الأخدود

يحيى الساعد – « خاص: صوت الأخدود » – 15 / 5 / 2008م – 7:42 م

 

– “برزخ” ليست أول ما كتبت ولكنها تمثل مجتمعي 

– أكتب للآخرين الذين لا يعرفوني ولا يعرفون من أمثل 
 
– الرواية تجربة إنسانية كاملة وفضاؤها أرحب من الشعر

– تركي الحمد يميل إلى المبالغة في عرض نتائج الواقع

– لماذا السؤال عن “بنات الرياض” لا يفارق الصحفيين؟

– أحوال شباب نجران وعلاقتهم بالثقافة تحيرني

– أعمالي القادمة هي “صيف شديد اللهجة” و”خمس دقائق آثمة” مع كتاب فكري .

يتدفق إبراهيم سنان في حديثه كما تتدفق كلماته على الصفحات البيضاء حين يكتب فهو صريح وواثق، مهتم بالتفاصيل وتلفتك رغبته الجريئة في عرض آراءه وأفكاره بصورة مشاغبه أحيانا ولا مبالية بردة الفعل في أحيان أخرى ولكن ذلك يعكس فيما يبدو إيمان عميق بتقبل الآراء المعاكسة لرأيه وهذه ميزة تعبر عن نضوج في الفكر والوعي.. هذا الوعي الذي جعله يرفض مجاملة من أشادوا به كروائي دون أن يقرأوا روايته «برزخ».
وفي حديثه لـ«صوت الأخدود» قال إبراهيم سنان انه كان من الممكن أن يكتب رواية تنساق في المستوى المتداول من حيث القضايا واللغة, إلا أنه فضل أن يخاطب القراء الذين لهم ذوق خاص في القراءة. مؤكدا انه لم يتضايق من عدم شهرة الرواية كما حصل مع بعض الروايات.
وفي مثل هذا القول لغة تظهر تحدي إغراء الشهرة السريعة لدى إبراهيم في مقابل الرغبة الشديدة في تقديم عملا أدبيا نوعيا يبقى ولا يتطاير كما تتطاير المشروبات الغازية.

هذه محاولة “صحفية” لتقديم إبراهيم سنان الروائي القادم للساحة الأدبية السعودية عبر جزئية من حديث شيق تطرق إلى جوانب ممتعة التقطتها صنارة المحرر الثقافي لـ«صوت الأخدود» الزميل يحيى الساعد.. واليكم ما دار بينهما على ضفاف وادي نجران….


وأنت الآن تبدأ بارتقاء سلم أيامك نبارك لك أولاً إصدارك الأول وباكورة إنتاجك المتمثلة في رواية «برزخ», فمن هو إبراهيم سنان لمن لا يعرفه, وكيف نشأ ؟ وكيف تم تشكيل وجدانه؟

السؤال عن إبراهيم سنان يجعلني أفكر بأن لديّ تجربة أضخم من تجارب الإنسان العادي والبسيط, وبصراحة لا ؛ فإن الواقع مختلف تماماً, حيث أني قد تربيت في المنطقة وعايشت أجواءها ودرست في مدارسها, والثقافة والأدب كانت هواية, وكأي شخص لم يكن يفكر بأنه سوف يصبح أديباً أو يهتم بهذا الأمر, فكل الفكرة تبدأ حين تتغير عليك الظروف, فتجد نفسك في واقع مختلف, فكانت البداية بجامعة الملك سعود بكلية الطب, والإقامة بالسكن الجامعي هناك حيث أن السكن يضعك فيما يشبه العزلة, ليعطيك مجالاً واسعاً من التفكير والاهتمام بشتى الأمور والتعمق في كامل تفاصيلها ودقائقها, فمن هذا المنعطف يبدأ الشخص بتوظيف الأمور التي اعتاد على ممارستها في السابق كالقراءة والكتابة وإشغال وقته بما يريد تلخيصه للناس لينتهي بكونه إنتاجاً مفيداً للقارئ, ومن هنا كانت تجربتي الأولى بإصدار رواية “برزخ” والتي أعتبرها من التوالي وليست البدايات كوني لا زلت أحتفظ بالبدايات لاقتناص وقت مناسب لنشرها، إلا أنني فضلت ” برزخ” لأني أراها عملا عاديا وبسيطا كالمجتمع الذي تمثله شخصية إبراهيم سنان.   
 
لمن يكتب إبراهيم سنان؟

أعتقد بأن أي شخص يحاول أن يكتب لنفسه ولا أدري إن كان يتفق معي الجميع في ذلك, ولكن بالفعل في البداية يكتب الشخص لنفسه ومن ثم يبدأ يشارك الآخرين بهذه الكتابات ليسألهم عن أرائهم بها, وبعد فترة يصل إلى مرحلة يرى فيها نفسه قد بات متمكناً إلى الدرجة التي يعتقد بأن لديه شيئاً مهماً لا بد وأن يشارك به الجميع. وبقدر ما يعجبني ما أكتبه إلا أنه يهمني أن تمثل هذه الكتابة الأشخاص الذين يختزلهم إبراهيم سنان في شخصه وأنا المنتمي لنفس بيئتهم وواقعهم في محاولة مني للتعبير عنهم وتقديمهم للآخرين بتوضيح ظروفهم وأفكارهم وطبيعتهم وهذا أشبه بالتواصل فيما بين الشرائح الفكرية والاجتماعية والثقافية الذي يشكل مهمة المثقف أو الأديب أو المفكر ، فما يطرحه يساعد على الربط بين شرائح المجتمع بما يشبه جسراً للتواصل, فنحن جميعاً كتاب سعوديون ومجتمعنا واحد وننتمي لوطنٍ كبير وشاسع في مساحته وهو أقرب للقارة, فكل مدينة وكل قرية لها ظروفها ولها واقعها ولها أشخاصها وجميل جداً أن يخرج شخص من كل واقع ليعبر عن بيئته وأهلها وظروفهم, وأنا عندما أكتب فإني أكتب للآخرين الذين لا يعرفون إبراهيم سنان ولا يعرفون من يمثلهم إبراهيم سنان في كتاباته.  

هل ثمة طقوس معينة تسلكها حين الكتابة ؟

أتذكر مرة أني قرأت موضوعاً يحكي عن طقوس الأدباء وفيه يصف من يكتب وهو منقلب على رأسه وآخر يكتب وهو يتخذ وضعية استلقاء معينة, وهناك الروائي الفرنسي بلزاك الذي يقول بأنه لا يعرف الكتابة إلا وحبيبته بجانبه. وأنا لعمري لم أجد حتى هذه اللحظة طقسا معينا اتخذه لنفسي أثناء الكتابة, وقد فكرت في الإجابة في حال لو أن مثل هذا السؤال قد طرح عليّ، فكانت أقرب الإجابات هي أن أكثر ما ألاحظه على نفسي هو أنني أكتب وأنا منعزل عن كل المؤثرات المحيطة بي واستسلم للانسجام مع نفسي والكتابة لحظتها ، خصوصاً في الفترات التي أكون فيها منعزلاً عن أهلي وأقربائي وأصدقائي ومع ذلك فمثل هذا الانعزال لا يأتني بشكل اختياري بل قصريا إن صح التعبير ولذلك أرى أن هذه الحالة هي التي أعتبرها طقساً مميزاً بالنسبة لي لأمارس الكتابة.

 
لماذا اخترت كتابة الرواية مفضلاً إياها على الشعر؟ وهل ثمة دافع حقيقي لاختيارك الرواية تحديداً دون غيرها من بنات جنس الأدب عموماً ؟

السرد أوسع وأرحب وهو القادر على استيعابي واحتواء كل أفكاري بكل متغيراتها الأدبية والعاطفية والخيالية.. ولا أرى بأن الشعر قادر على استيعاب كل هذا الامتداد نظير ما يتطلبه من وزن وقافية

في الحقيقة لقد قرأت كثيراً في الشعر وحفظت منه الكثير, ولي محاولات في مجاله, إلا أن مشكلته من وجهة نظري هي أنه أول فكرة أدبية قد تطرأ بذهن أي شاب سعودي سواء أكان ذلك شعراً فصيحاً أم شعبياً, وهذا الأمر مؤكد وموجود حتى على دفاتر المدارس وجدرانها من الخارج، ليتضح لنا بأن الجميع شعراء. فكانت لي محاولات في كتابة الشعر بحسب توجه التيار الأدبي في المجتمع إلا أنني لم أستطع المواصلة, ومن خلال محاولاتي المتكررة في التعبير اكتشفت بأن السرد أوسع باباً ومجاله أرحب وغير مقيد بقافية أو وزن أو أية شروط أخرى كما في الشعر, وأيضاً فإن مجال الكتابة الروائية لا يتطلب اختزال الأفكار في التعبير بقدر ما يتطلب البوح بكل رحابة وحرية, وبما أني لا أمتلك القدرة الشعرية في اختزال فكرةٍ كبيرة في بيت أو بيتين أو حتى قصيدة, فقد آثرت سلوك هذا الطريق للتعبير بالطريقة الأدبية الأقرب لنفسي وملكاتي الأدبية واللغوية ، مما جعلني أقتنع بعد فترة وبشكلٍ ذاتي بأن السرد أوسع وأرحب وهو القادر على استيعابي واحتواء كل أفكاري بكل متغيراتها الأدبية والعاطفية والخيالية.. ولا أرى بأن الشعر قادر على استيعاب كل هذا الامتداد نظير ما يتطلبه من وزن وقافية, لذلك أفضل الكتابة في مساحة غير محدودة أستطيع أن أتصرف فيها بحرية ، خصوصا إذا ما عرفنا بأن الرواية جنس أدبي تكون فيه كل الجوانب مفتوحة من كل زاوية ليتحدث فيها الروائي عن نفسه وينكر أنها نفسه أو يتحدث عن الآخرين وينكر أنهم هم على أساس أنهم شخصيات خيالية مع أنني لا أميل لهذا التصرف إلا عند الضرورة التي تمنع الإساءة للأشخاص والمجتمعات بذكر مسميات صريحة. وبما أني مهتم بالتجارب الإنسانية والعلاقات الناتجة عنها والدخول مع مجتمعات مختلفة فإني أعد الرواية عملا يمثل تجربة إنسانية كاملة كما وأنها أرحب وأرحب وأرحب بعكس من يقول أنها أسهل أنواع الأدب فهي بالعكس صعبة لأن الفكرة ليست بكثرة الكلام بل في الكيف وليس في كمية ما تحكي, لذلك وجدت الرواية مناسبة لي تماماً حتى ولو لم تكن رواية فإنها تكون سيرة ذاتية أو إلتقاطات ومشاهد ساخرة أو نصوصا مفتوحة وكلها تدخل في نطاق السرد.       

 وهل هناك روائي معين تأثرت به وتداوم على قراءة إنتاجه الروائي؟

اكتشفت لاحقا من خلال قراءتي للأستاذ تركي الحمد في ثلاثيته بأني مغيب فعلاً عن الواقع، فعرفت حينها بأن المجتمع السعودي تختلف فيه الأمور من محيط إلى آخر وأنا الذي كنت مؤمناً بأن هذا الواقع يبدو لي متكرراً ومتشابهاً سواء أكان في نجران أو في الرياض أو جدة أو المنطقة الشرقية

فعلياً كنت أقرأ كل ما يقع بين يدي منذ سن مبكرة, فلم أكن أميز أحدا دون غيره, لذلك كنت أقرأ كل كتاب أتناوله وأحاول أن أجاريه كتجربة, وأكثر ما أثر فيني هو الأدب الذي يفتح عليك عوالم مجهولة بالنسبة لك, فأنت تعيش بعالم عربي وتخالط شخصيات عربية وتتحدث اللغة العربية، لكن العوالم الأخرى التي لا يمكنك السفر إليها ومخالطة شعوبها كالأدب الفرنسي والأمريكي والروسي وحتى الصيني فإنك تجد متعة وأنت تقرؤها وكأنك تسافر داخل هذه القراءات لذلك اكتشفت بأني متأثر بكل ما هو غريب عن مجتمعي ولا أستطيع ملامسته. واكتشفت لاحقا من خلال قراءتي للأستاذ تركي الحمد في ثلاثيته بأني مغيب فعلاً عن الواقع، فعرفت حينها بأن المجتمع السعودي تختلف فيه الأمور من محيط إلى آخر وأنا الذي كنت مؤمناً بأن هذا الواقع يبدو لي متكرراً ومتشابهاً سواء أكان في نجران أو في الرياض أو جدة أو المنطقة الشرقية , حتى تكلم الأستاذ تركي الحمد عن أشياء لم أكن أتوقع وجودها كالأفكار المختلفة والتيارات الحزبية وأدركت حينها بأنه فعلاً جريء وقادر على تقديم نفسه للآخرين بصورة دقيقة لذلك تأثرت به وأخذت أتابعه حتى في كتاباته غير الأدبية مثل “من هنا يبدأ التغيير”.. وهناك أيضاً الأستاذ غازي القصيبي والذي أعتبره أديبا عربيا أكثر من كونه أديبا سعوديا وكان يهمني لأنه يمثلني فقط من خلال عرض الشخصية السعودية بعيدا عن واقعها في شارع عربي وليس في شارع المجتمع السعودي الذي أريد أن أعرف عنه كل شيء, وبما أن هناك دائماً مقارنات بين غازي القصيبي وتركي الحمد في المساحة الأدبية داخل المجتمع السعودي فأنا اعترف بأني أميل لتركي الحمد ، رغم ما اتهمه به أحيانا من المبالغة في عرض نتائج الواقع وأثرها على متغيرات المتجمع السعودي . 
 
ما معيار الجودة لديك حين تقرأ رواية ما ؟ أيكون ذلك بالفكرة أم باسلوب الحياكة ؟ وعلى ماذا تركز وأنت تقرأ الرواية ـ أية روايةـ؟

الجميع يعرف أن يكتب ويسرد الحكايا، ولكننا متأثرون بموروث الجزيرة العربية وباللغة البلاغية والفنية التي تثير الفكرة والعاطفة لدى المتلقي

أنا في حقيقة الأمر أقرأ كل أنواع الأدب وليس الروايات فقط, لذلك فإن الرواية الواقعية هي ما يشدني أكثر من غيرها. وبالرغم من أن الرواية العلمية والأسطورية تحمل الكثير من المتعة إلا أني أحسها بعيدة عني وتسرق الوقت دون نتيجة إلا إن كانت تحمل فائدة ما لواقعي الحاضر, لذلك فحين أجد رواية تعبر عن واقعي والقضايا التي تشغلني وتتكلم بالطريقة التي أتكلم بها أو على الأقل بالطريقة التي أفكر فيها، فنحن نتكلم داخل عقولنا وبأصوات غير مسموعة, فحين أجد رواية تتحدث بنفس الطريقة وكأن شخصاً ما يلتقط من عقلي هذه الأصوات ويجسدها على الورق فإني هنا أنشد للرواية أكثر, لذلك فإن أي فكرة أو أي قضية سواء كانت قضية الأمس أو اليوم أو غداً أجدها في رواية ما، ستجدني حينها مهتما بتلك الرواية. وأما الأسلوب فما زلت على المدرسة القديمة والتي أجد فيها لغة قوية ومختلفة, ففي الأيام الغابرة كان الناس في جزيرة العرب لا يتحدثون إلا بالشعر ولا يستطيعون تقبل لغة عادية وهزيلة حتى في مجالسنا وأحاديثنا إن لم نجد لدى الشخص لغة أدبية فلن نميزه أو نهتم لما يقول. الجميع يعرف أن يكتب ويسرد الحكايا، ولكننا متأثرون بموروث الجزيرة العربية وباللغة البلاغية والفنية التي تثير الفكرة والعاطفة لدى المتلقي فإن لم أجدها في الرواية فإني أكتفي بالفكرة فقط لأنها هي الأساس ،أما وإن كانت اللغة موجودة دون الفكرة فهذا لا يبررها كي أقرأها.  

 
رواية (بنات الرياض) أحدثت صخباً إعلامياً كبيراً برغم أن كثيراً من النقاد لا يعتبرونها كذلك ولا يعترفون بها كرواية , فما سبب هذه الشهرة من وجهة نظرك؟

رواية “بنات الرياض” أعتبرها رواية عادية وأفكارها سهلة ولغتها بسيطة وفيها سخرية وسخافة وحملت كل شيء وبالفعل فهي تمثل كاتبة عمرها 23 سنة لا أقل ولا أكثر

أصبح السؤال عن رواية “بنات الرياض” وكاتبتها رجاء الصانع لا يفارق أي صحفي يجري لقاءاً صحفياً مع أي روائي, وبصراحة أول ما صدرت هذه الرواية حاولت أن أتجنب قراءتها معتمداً في ذلك على ما يأتني به من قرأ هذه الرواية ليطلعني على مقاطع منها ويطلب رأيي الشخصي فيها, وطبيعي أن أحكم بحسب ذائقة الناس لأنهم قد اختاروا الحدث المثير والذي صادف أن يكون سيئا في كل مرة , وكنت أفضل الانتظار إلى أن تهدأ الضجة التي أثيرت حولها. وحين انتهيت من قراءتها شخصيا، اكتشفت أنها رواية عادية ولغتها بسيطة جداً وأفكارها طبيعية ولكنها سرية تعرض واقع فتيات من فئة معينة يتوق الجميع لمعرفة واقعهم. كما أني لم أجد فيها أي كلام محرم حيث أن هناك روايات كانت تحمل الكثير من الفحش والبذاءة أكثر من رواية بنات الرياض بل على العكس أجد أن هذه الرواية كانت مهذبة ومحترمة مقارنة بما صدر بعدها ، حيث كانت تستعرض 38 رسالة تحكي قصصها مع زميلاتها على الإنترنت. بعدها بدأت أفكر فيما قد يكون سبب كل تلك الضجة حول هذه الرواية, فوجدت أن الأمر يكمن في عنوان الرواية والذي يحمل كلمتين “بنات” و “الرياض” , لذلك فإن أي عنوان فيه “بنات” فإنه بالتالي يشد الانتباه, وبما أن الرياض عاصمة المملكة ومذكورة بالعنوان والجميع يتطلع لمعرفة ما يدور فيها ولأن المرأة في هذه المدينة تحكمها قوانين وعادات معينة مازال الناس حتى على مستوى العالم يعتبرونه عالما مجهولا ويريدون اكتشافه, لذلك فإن مجرد تركيب هاتين الكلمتين في عنوان واحد منحها كل هذه الشهرة خارج السعودية. وأما سبب الرفض داخل السعودية لهذه الرواية فنقول بأنه بدأ في الرياض أكثر لأن رجاء الصانع لو عنونت روايتها بـ ” بنات من الرياض” لوفرت على نفسها مشاكل كثيرة لأن العنوان ” بنات الرياض” جاء كتعميم لطبقة لا تمثل أكثر من 10% ذكرتهم بروايتها, والدليل على ذلك أنه قد صدر بعدها رواية “شباب الرياض” ولم تثار أية مشاكل حولها، فنحن نعرف الشباب ومن الممكن أن نشاهدهم في الشارع فما هو المهم في معرفتهم أكثر. والعالم أيضا لديه تجارب مع الشباب السعودي الذي يعشق السفر وربما يمثل وطنه بطريقة سيئة ، فلم يكن لدى الشباب أمرا مثيرا ومجهولا يستحق الاهتمام ، بعكس ما يختص بمعرفة عالم الفتيات ذلك الجنس الخفي علينا والذي نريد أن نتعرف على أسراره, لذلك فإن رواية “بنات الرياض” أعتبرها رواية عادية وأفكارها سهلة ولغتها بسيطة وفيها سخرية وسخافة وحملت كل شيء وبالفعل فهي تمثل كاتبة عمرها 23 سنة لا أقل ولا أكثر, ولكن تبقى مشكلتها في العنوان فقط مما سبب كل تلك الضجة حولها.
ما رأيك بتجربة المرأة السعودية روائياً ؟

تجربة الأديبة السعودية متوفرة وكبيرة وكانت مرتبطة بالحدود التي يفرضها الواقع المحافظ والذي تغير بظهور جيل جديد من الفتيات بالوقت الراهن اللاتي رحن يتكلمن في العلاقات المحرمة والأفكار المثيرة

لديك عدد من الأسماء أمثال قماشة العليان وليلى الجهني ورجاء عالم فقد بدأن قبل رجاء الصانع وصبأ الحرز وزينب حفني, وتجربة الأديبة السعودية متوفرة وكبيرة وكانت مرتبطة بالحدود التي يفرضها الواقع المحافظ والذي تغير بظهور جيل جديد من الفتيات بالوقت الراهن اللاتي رحن يتكلمن في العلاقات المحرمة والأفكار المثيرة إلى أن ظهر للناس وكأن الأديبات السعوديات لم يخلقن أبداً وأن هؤلاء اللواتي خرجن مؤخراً هن الأديبات السعوديات. على العكس من هذا تماماً, فجيل رجاء عالم كن يقدمن أدبهن بصمت وبعقلانية وحضور مثرٍ في المجال الروائي وبشكلٍ محترم, وأتذكر أحدهم أيام الجاهلية حين سأل عن المرأة في الشعر الجاهلي وانحسار صيتها آنذاك فقيل له بأن شاعرية المرأة تكون بصمتها حين تدع الرجل يتحدث عنها, وإني متأكد بأن الأديبات السعوديات اللاتي لهن تجربة قبل تجربة الجيل الجديد كن يقدمن كتاباتهن بطريقة هادئة دون أن تثير أية ضجة إعلامية لذلك يعتقد بأنهن غير موجودات.  
هناك من يقول أن القصة القصيرة ليست إلا مجرد عتبة لدخول عالم الرواية, فهل تؤيد هذا القول؟

وأزيد على سؤالك لأقول بأن الرواية قد تكون عبارة عن قصص قصيرة, فلديك الرواية الصادرة حديثاً بعنوان “ليتني امرأة” للصحفي عبدالله زايد, وهناك أيضاً روايتي التي تأتي على شكل فصول معنونة بحيث أن كل فصل يبدأ بفكرة لا ينتهي حتى يحددها جيدا وكأنها انتهت ، ليكتشف القارئ أن تلك الأفكار المتناولة تشكل كامل الرواية نفسها, لذلك فإن القصة القصيرة ليست بداية الرواية بل هي أساس الرواية لأن القصة القصيرة هي المشاهد والأشخاص في زمان قصير ومكان صغير في حين أن الرواية تتكلم عن كم كبير من المشاهد والأشخاص وخلال فترة زمنية أطول وداخل أماكن متعددة، وربما تكون الرواية بطريقة أو بأخرى مجموعة كبيرة من القصص القصيرة. 
 
ظهرت رواية “برزخ” بمستويات من اللغة ـ فصيح ومتوسط وعامي ـ واحتضنت وافراً مميزاً من الفكر والفلسفة الخاصة , فهل هذا التعامل يمثل رؤيتك حيال اللغة الروائية؟

بالطبع الرواية التي لا تحتوي عمقا للتجربة الإنسانية والتي لا تبحث في التفاصيل الدقيقة لهذه التجربة فإنها تكون عبارة عن حكاية “حدث وأشخاص” ويترك للقارئ حرية التفكير، ولكن الروائي يحتاج إلى أن يضع أفكاره الخاصة بتقريب الصور أو بوضعها كمقياس للقارئ الكريم بحيث يعارضه أو يتفق معه, فأنا لا أريد أن أقدم مادة باهتة يخرج منها القارئ بدون نتيجة وأريد معارضته وإثارته ودفعه لأن يشارك لحظة قراءة الرواية ويتناقض أثناء قراءته ليدرك بأني ألخص تجربة إنسانية, ولذلك اعتمدت تنويع المستويات في الرواية وعرضتها بالعمق الذي لا يستطيعه شخص آخر ليس أديباً فقدمت فلسفتي وجعلت القارئ يوافقني ويخالفني أثناء قراءته للرواية لأحدث بها حركة ذهنية أكثر منها كلامية.  
 
يقول جون بول سارتر (إن الخلق الفني لا يتم وجوده إلا بالقراءة, وعلى الفنان أن يكل إلى آخر مهمة إتمام ما بدأ, وإنه لا يستطيع إدراك أهميته إلا من ثنايا وعي القارئ). في روايتك “برزخ”هل تخاطب قارئاً معيناً في زمنٍ بات يفتقد للقارئ؟

اتجهت للرواية لأقدم أدباً وأرفع من مستوى الرواية, ولذلك توجهت لمن لديه وافر قراءة في هذا المجال

نعم, فقد كان من الممكن أن أكتب رواية تنساق في نفس المستوى المتداول من حيث القضايا واللغة, إلا أني فضلت بأن أخاطب القراء الذين لهم قراءات كثيرة في مجال الرواية وذوق خاص في القراءة, أما مسألة أن أكتب رواية يستسيغها شخص لم يقرأ في مجال الرواية أبداً فكأني أحكي له حكاية عامية, وأنا لم أتجه للرواية كي اكتب حكايا عامية بل اتجهت للرواية لأقدم أدباً وأرفع من مستوى الرواية, ولذلك توجهت لمن لديه وافر قراءة في هذا المجال, وحتى أني لم أتضايق من عدم شهرة الرواية بعكس الروايات الأخرى لأنها وصلت للنخبة بطريقة جيدة رغم أن هذه النخبة لم تكن مقصدي إلا إنهم أحياناً من يحدد المسارات القرائية للمجتمع ويقيسونه ويحاكمونه. 
كيف ترى المشهد الثقافي السعودي؟

كل الظواهر الصحية واضحة في المشهد السعودي، في الرواية وفي الشعر وفي الأندية الأدبية ومشاكلها, فالناس تعتبر أن تعدد الروايات وأحياناً سخافتها أو جودتها ظاهرة سيئة وعلى العكس من ذلك فإني أجده مؤشرا جيدا، ولنقل بأن المشهد السعودي للتو بدأ في مرحلة حِراك فعلي, فهناك مد وجزر وفترة صراع ثقافي وأدبي واضحة وهناك نقد واضح وأصوات مرتفعة, ومحاولة إخماد أيٍ ظاهرة من هذه الظواهر سيعطل المشهد السعودي ويعيده لمرحلة السبات مرة أخرى .    
 
بما أنك قد ذكرت الأندية الأدبية ومشكلاتها, ما رأيك فيمن يقول بأنها تعمل على تهميش المثقفين لدينا مما يجعلهم يقصدون المنابر العربية التي تكفل لهم كامل الحرية بشكلٍ أو بآخر؟

لا أعتقد بأن الأندية الأدبية قد ظلمت المثقفين بل بالعكس ، المثقفون هم من يفرط في الأنانية

قبل اللقاء ذكرت لك بأن على الفرد أن يتوجه للمجموعة وليس العكس, لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد. لذا فإن الأندية الأدبية جماعة وتخدم المشهد السعودي. ومشكلة الأديب السعودي أنه يريد من النادي أن يخدمه ويضعه في الواجهة، ولكن ماذا قدم هو للنادي.. كما وأن مشكلة الأندية مع المثقفين والأدباء ـ وهي تأتي بصفة عامة ـ هي في تلك الصفات المتمثلة بالغرور والذاتية والمزاجية والأنانية وكثير من النعرات, فلذلك يرون أن الأندية مطالبة بتلبية كل هذه الصفات والطبائع الخاصة بهم مع أنه على العكس يجب على المثقف والأديب أن ينغمس في أداء خدمة اجتماعية للمشهد الثقافي والأدبي, لذلك لا أعتقد بأن الأندية الأدبية قد ظلمت المثقفين بل بالعكس ، المثقفون هم من يفرط في الأنانية. 
 
حدثنا عن نظرتك للحراك الثقافي بعمومه في منطقة نجران , كيف تراه من خلال منظورك الشخصي؟

أبناء المنطقة الذين تقابلهم داخل المنطقة يختلفون كثيراً في الاهتمامات وهم أنفسهم الذين تقابلهم خارجها فتجدهم أكثر انفتاحا وأكثر حرية في التعبير وأكثر انشغالا في الأمور الثقافية والأدبية والفكرية

بصراحة إن من يحط في منطقة نجران ويستقر فيها يحس بأنها خالية، وليس فيها من يهتم لأمر الثقافة والأدب، ولكن ما أن تقابل أبناء المنطقة خارج المنطقة فإنك تكتشفهم بشكل مغاير. وبالفعل فإن الكثير من أبناء المنطقة الذين تقابلهم داخل المنطقة يختلفون كثيراً في الاهتمامات وهم أنفسهم الذين تقابلهم خارجها فتجدهم أكثر انفتاحا وأكثر حرية في التعبير وأكثر انشغالا في الأمور الثقافية والأدبية والفكرية, ولكن عندما يأتون للمنطقة تجدهم مجهزين آلياً للتعايش مع واقع المجتمع والانغماس في الاهتمامات الخاصة به من عادات وتقاليد، وينسون كل اهتماماتهم التي لمستها فيهم خارج المنطقة, لذلك فإن الحِراك الثقافي هنا يحتاج من أبناء المنطقة أن يمارسوا فيه أنفسهم وحقيقتها كما يمارسونها خارج المنطقة. 
 
 
منذ سنوات قليلة ماضية لوحظ هناك إقبال كبير من قبل المهتمين بالشأن الأدبي على النشر الإلكتروني, إلى أي مدى تعزو ذلك؟ وهل السبب من وجهة نظرك أن يصل المثقف بصورة سريعة إلى ذهنية القارئ سواء أكان داخل السعودية أم خارجها؟

النشر الإلكتروني يعتبر الأوسع انتشارا من النشر الورقي والأسهل تداولاً

بالنسبة للنشر الإلكتروني فإن ضوابطه أقل ويعطي مساحة حرية أكبر، ولذلك فإن الأديب يحاول أن يصل بدون قيود ويعبر عن نفسه بكل حرية, كما وأن النشر الإلكتروني يعتبر الأوسع انتشارا من النشر الورقي والأسهل تداولاً, ومع ذلك فإن هذا لا يعني بأن الورق سيفقد قيمته ولكن الأدباء يقدمون أنفسهم بنماذج وعينات من خلال المنتديات والمجلات الالكترونية ولا يعني ذلك بأنهم لا يتطلعون لينشروا ورقياً.    
 
أخيراً .. وبعد إصدار روايتك الأولى , أخبرنا عن مشاريعك الإبداعية في المستقبل؟

في الحقيقة هناك عملان أدبيان من المتوقع أن يريا النور قريباً وهما عبارة عن رواية بعنوان “صيف شديد اللهجة” , ومجموعة قصصية بعنوان ” خمس دقائق آثمة” , كما وأيضاً هناك كتاب فكري مشترك مع أحد الأصدقاء سيصدر قريباً إن شاء الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *