وطنٌ أسرع

عندما يصبح الوطن وعاء يحتوي كل الاختلافات فلابد أن يمر بكل مراحل الاندماج لتكوين مادة ذات مزيج متجانس؛ وربما هي الآن إحدى هذه المراحل.
يرتجف البعض كثيرا عندما يشكلون توقعاتهم للمستقبل بناءا على الصور المؤلمة والمفجعة والتي يرونها في الأحداث الحالية؛ والحقيقة أن لديهم كثيرا من الأسباب التي تبرر لهم هذه التوقعات المرعبة؛ فلم يعهد هذا الوطن أحداثا تتجاوز حد الاعتداءات لمشكلات شخصية أو جرائم لحالات شاذة وإن كثرت وتزايدت نسبتها من عام إلى آخر إلا أنها تكون بدوافع شخصية متفق على سوئها شرعا وعرفا، وما يدفع المواطنين للخوف هو تكوُّن تيار قوي وذو أهداف واضحة ومعلنة اتفق عليها مجموعة من أبناء هذا الوطن. هذه الأهداف تتعلق بمعنى هو في صميم قلوب هذا الشعب وهو الدين الذي كان سبب التوحد يوما ما حين أطفأ النعرات القبلية والعرقية. فكيف يحدث أن يشعلها نفس ذلك الدين؟… بعض من التشويش يخلط الأحلام بالكوابيس ليوقظ الجميع.
وما يزيل بعض التشويش عن أحلامي هو أنني اكتشفت أمرا كان على هامش حديث مع أحد الإخوة العرب من إحدى الدول الشقيقة، حين فاجأني بكلمة وقال (لستم أحسن من غيركم). بالفعل نحن وطن وشعب وحكومة. ستجري علينا كل مراحل التطور والتقدم الفكري التي مرت بها كل الأوطان والشعوب؛ والأصح نحن شعب ذو اختلافات كبيرة. طبقات اجتماعية وقبائل ومذاهب، تعداد سكاني كبير على أرض شاسعة مترامية الأطراف. وحدود طويلة وعريضة تحتاج إلى جيوش كاملة لحمايتها ومراقبتها؛ نحن وطن لم يمر بكل تجارب التيارات الفكرية، لأنه اتفق منذ بدايته على نهج واحد وانغلق على ثقة أبنائه به وثقته بهم؛ اعتمد الطابع التقليدي والعرفي في ثقافته الاجتماعية ليولد حركة تيار فكري لا يختلف كثيرا، وإن حصل ذلك فلن تطغى نتائجه لتصل حد التشابك العنيف؛ نعم نحن مجتمع لم يضع حسبانا لمؤثرات الخارج ومعطيات الاحتكاك بالمجتمعات المجاورة؛ لم نفكر بأنه سيأتي يوم ويتمرد بعض الأبناء على موروث الآباء.
كل الدول المجاورة لنا اكتسبت وطنيتها الصلبة بعد مراحل من الجزر والمد في داخل شعوبها. ثورات؛ حروب؛ وكثير من التجارب التي يندى لها الجبين وكنا نقف عليها يوما ونقول (الله يعينهم ويصلح حالهم)، وهانحن في أول تجربة وطنية حقيقية لنا؛ وظهر المقياس الحقيقي الذي سيجتمع عليه أبناء هذا الوطن حكومة وشعبا وسيتفقون على كل اختلافاتهم. لماذا نخاف من مستقبل دخل فيه غيرنا قبلنا؟ وهاهم الآن في أحسن الأحوال، لماذا نرتعب من تجربة هي في حكم (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).
أطمئن نفسي بأن المستقبل سيكون جميلا جدا. وأن هذه التجارب ليست إلا مرحلة غربلة لإخراج كل الشوائب وتحديد العناوين الرئيسة وإعادة النبش في كل الموروث الذي أصبح تقليدا حتى فقد معناه في ضجة وتسارع الحياة؛ فقد قيمته القوية لضخامة الانفتاح الفكري في هذا القرن. سنبدأ في رؤية أخطائنا، سنشاهد كل نتائج إهمالنا؛ سيتضح كثير من الجزئيات التي كانت مرمية على أطراف الموضوع الرئيس فنمت وكبرت حتى حدث ما حدث.
أينما كان الحق وأينما كان تحديد المصير فإن أغلبية الحركة الوطنية نحو الاندماج ستحقق مستقبلا جميلا.
فرصتنا هي أن الوطن العربي والإسلامي مليء بمثل هذه التجارب؛ ويمكننا الاستفادة منها. لنخرج من هذه المرحلة بأسرع طريقة؛ فتاريخ هذا الوطن مازال شابا وقادرا على أن يمر بكل مراحل التغيير مهما كانت صعوبتها (أسرع منهم).
قلت لذلك الأخ العربي (لسنا أحسن من غيرنا) ولكننا بإذن الله سنكون لأنه وطن شاب

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *