الجنس في الرواية العربية .. جريدة الاتحاد الإماراتية

الجنس في الرواية العربية

تحقيق محمد خضر .. جريدة الإتحاد الإماراتية

يكاد البعد الجنسي أن يكون فائق الحضور في النتاج الروائي العربي، الجديد منه خاصة، والأمر يبدو متعديا لحدود المصادفة نحو أن يصير نهجا معتمدا، ومتعارفا عليه: إذا أردت عملا روائيا رائجا عليك بالإكثار من التفاصيل الجنسية في سياقه . هل يمثل هذا التوصيف واقع الحال الروائي راهنا، أم انه يحتمل بعض المبالغة الاطلاقية والتعميمية؟ هل يمكن اعتبار الجنس المقحم في الأعمال الروائية أمرا مشروعا من الوجهة الإبداعية؟ ما هي الحدود بين حرية القول المبتغاة وبين الابتذال المرفوض؟ من يتحمل المسؤولية، في حال وجدت، المؤلف؟ القارئ؟ أم الرقيب الذي انعكس جشعه المزمن إلى الحجب والمنع على هيئة رغبة جامحة في البوح والاطلاع؟

كانت هذه المحاور هي ماطرحناه على مجموعة من المهتمين بالرواية والمثقفين السعوديين

وجاءت الأراء متقاربة ولكنها بوجهات نظر مختلفة وتشير إلى أزمة حقيقية يعاني منها المبدع حول قضية إبداعية بالدرجة الأولى أو لنقل من شأن المبدعين وحدهم أن يحسموها

في البدء تحدث الروائي يوسف المحيميد مشيرا الى إلى أن الجنس أصبح حاضراً حتى لدى كتاب عالميين، فآخر أعمال الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، كان “ذاكرة غانياتي الحزينات” وهو يركز على البعد الجنسي في لدى من عصرته الشيخوخة، وكذلك أكثر الكتَّاب انتشاراً في العالم، أعني البرازيلي كاولو بويليو، في روايته ما قبل الأخيرة، وهي “الزهير” أو “الظاهر” كانت تتمحور حول الجنس، وقال : بل أن تسويق أدوات الجنس ومحرضاته، أصبحت ظاهرة عالمية، إذ نجد هذا التسويق يملأ شاشات الفضائيات، ويتسلل حتى إلى صناديق بريدنا الإلكتروني.
لكنه من ناحية أخرى لايرى حدوداً للكتابة الإبداعية، طالما أن الكاتب ملتزم بشروط الكتابة الإبداعية، فلكل عمل ظروفه ومناخاته، فحتى الكتابة القاسية والوحشية، سواء في الجنس أو العنف هي نمط ما من الكتابة، تسعى إلى إحداث الصدمة لدى القارئ، وربما تسعى إلى استفزاز مجتمع ما، فأعرف أن الكتابة الآن في إيطاليا تسعى إلى نمط من الكتابة القذرة الاستفزازية، وهي حتماً نتاج تحولات في كتابة الرواية هناك، منذ إلبرتو مورافيا، وحتى آخر الأسماء، مروراً بإمبرتو إيكو وإيتالو كالفينو وسواهما. أعني أن الكتابة الروائية هي نوع من تحولات أي مجتمع، وربما هي عربياً تتحول إلى كتابة متفلتة من القواعد والقوانين والأعراف، وهي في طريقها إلى الفجاجة المطلوبة مؤقتاً، للانطلاق إلى فضاء آخر جديد من الجماليات الروائية التي تراعي الشرط الفني وتوليه كل اهتمامها.
بينما قال معتز قطينة وهو شاعر وله عمل سردي قيد الطباعه أنه لايوافقعلى التعميم, ولا يروق لي النظر إلى حالات موجودة باعتبارها تمثل حالة عامة, فليس هناك ما هو (عام) بالمفهوم المطلق, هناك آراء ووجهات نظر, هناك دوافع وأسباب, يتولّد عنها القبول والرفض, أو قل التأييد ونبذ المطروح أياً كان.

في الحالة الروائية, إذا اتفقنا على أن الرواية تمثل حياة حقيقية أو مفترضة, فلا يمكن لها أن تكون منبراً للفضيلة, وعلى النقيض لا يمكنها أن تكون دعوة مفتوحةً على السقوط في الإباحية, لكنها في الوقت ذاته تسمح بتمرير الأفكار التي يكوّنها الوقت والتجربة, وربما الروائي نفسه, أتحدث كقارئ هنا لا ككاتب, فإذا تطرقنا إلى مشروعية (توظيف الجنس) في الرواية (لا إقحامه) ومدى إمكانية رسم الحدود بين الحرية والقيد, فإننا لا بد أن نقف أولاً على مقاييس الوعي الذي يستقبل هذه الفكرة, وفهم العقلية السائدة (أقول السائدة لا العامة) ففي الوقت الذي تعتبر فيه لقاء رجل بامرأة في مكان مفتوح أمراً عادياً, ينظر (البعض) إليه باعتباره مدعاةً للفاحشة, وباباً من أبواب الرذيلة يستوجب العقاب!

بينما ذهبت مريم الحسن وهي صاحبة رواية وحيدة صدرت 2007 إلى رأي آخر إذ تقول :

.. لا أعتبر أبداً التطرق للجنس في الروايات من الإبداع في شي بل هو أمر مبتذل مئة في المئة ولا أساس له من الصحة في العمل الروائي ، حرية القول المبتغاة بعيدة كل البعد عن الإبتذال المرفوض الذي هم في صدده ، إنهم يخلطون بين الإثنين ويجوزون لأنفسهم التدخل في أمور خاصة ووصفها للناس عامة بغض النظر عن حرمة القول المتجاوز عن حدود الأدب واللياقة ، المسؤول الأول والأخير عن المكتوب هو الكاتب

ويرى الروائي ابراهيم سنان من جهته وفي محاولة لوضع يديه على سبب رئيس يقول

هذه هي مشكلة العالم العربي التي جعلت من كتابه يضخون معاناتهم تجاه المنع والتحريم من خلال استخدام خط احمر مثير اجتماعيا ولكنه ليس خطير سياسيا . المجتمع يحب قراءة الأسرار واكتشاف الظواهر الغريبة في داخله ، والفضائح والإشاعات كانت دائما وأبدا في عقلية الشعوب مرهونة بالعلاقات المحرمة أو المشاكل الجنسية . وهذا الأمر لا يجعل من هذه الظاهرة جديدة على مستوى القاريء ، وإنما يجعل الأدباء مشاركين جدد فيها من خلال محاولة إشباع توجه القاريء العربي ومجاراته في فضوله تجاه أحداث المجتمع السرية والمحرمة والتي يريد الإطلاع عليها . وعلى الطرف الآخر التعبير عن رفضهم لواقع مستوى الحرية الحالي .

ويقول في معرض حديثه عن الرواية العربية وبصراحة ورأي جميل :

الرواية العربية حاليا ، لا تأتي بجديد هي فقط تدخل تجربة قديمة مرت بها الحضارات الأخرى ذات الهامش الإباحي الواسع ، وفي الوقت الذي أصبح الروائي العربي يعبر عن حريته بالدخول من أبواب الجنس لكسر قيود ” الحرام ” و ” العيب ” . الأديب العربي يحاول كسب تعاطف الجمهور والاعتراض على المؤسسات الحكومية ليعلن حريته . وليس له طريقة أخرى سوى الجنس ، وهذا ناتج عن الخوف الذي يجعل الأدباء العرب منغلقين في ظاهرة الجنس لأنها الحرية الوحيدة التي لا تسبب لهم اعتقالات أو ملاحقة ولا تتجاوز نتائجها الانتقاد والمنع .

ويختم حديثه بأمنية ورأي آخر إذ يقول

، الروائيين العرب الآن ، مثيرين للشفقة ، لأنهم فقدوا القدرة على كسب تعاطف الجمهور والتصريح عن أفكارهم ومبادئهم بطريقة خلاقة وإبداع جديد يتجاوز ( غريزة ) واحدة في إنسان مليء بالغرائز . هي فكرة واحدة فقط يمكن للجميع استخدامها والدوران حولها ، ولا تحتاج لأدب جم وثقافة واسعة أو عقل مبدع .

بينما يرى الروائي ابراهيم الصقر أنه لا بأس في إدخال أمور النساء الخاصة والحساسة في الروايات بل في روايات معينه يأخذن دور البطولة وتكون الرواية مخصصه لمناقشه هذه الأمور
هذا ليس له علاقة بالشرعية أو قوة الرواية أو ضعفها
ما يقاس .. هو مدى قوة الأفكار وطريقة توصيفها على حسب نوع الرواية والهدف منها

وفي الفترة الحالية اكتب سلسلة روائية .. سلسلة حكايات دنيا البنات (روايات متتابعة) وأبطال هذه الروايات هن من البنات .. ولا يعني هذه أن هذه الروايات انحلاليه فقط لاحتوائها على شخصيات أنثوية .. لان المعالجة والأفكار طبيعيه وسليمة ولها هدف سامي
ويتفق مع يوسف المحيميد جزئيا عندما قال :

للكاتب الحق في الحرية المطلقة في الكتابة ما لم يؤذي احد بعينه في كتابته (التعدي على الحقوق الشخصية للآخرين).. لكن أخلاقيا . (ما كل ما يعرف يقال ).. .. الأمر الآخر هو إن أراد القصصي أن يكتب عن ظواهر اجتماعيه سيئة أو فاضحه واقعه .. فعليه أن يظهر حلول لها أو شخصيات أخرى حسنة التصرف .. بمعنى يظهر شرائح مختلفة من الشخصيات المتنوعة حتى لا يتوهم القارئ أن هذه المشاكل تنطبق على الجميع فتظلم مجتمعات بأكملها بسبب قصه كتبت بطريقه غير متقنه بهدف الإثارة فقط

وعن سؤالنا من يتحمل المسؤولية، في حال وجدت، المؤلف؟ القارئ؟ أم الرقيب الذي انعكس جشعه المزمن إلى الحجب والمنع على هيئة رغبة جامحة في البوح والاطلاع؟

يقول ابراهيم الصقر : أنه ليس مع سياسة منع الكتب والروايات وأن مسؤوليتها تقع على الكاتب فقط ..

أما سمر الشيخ وهي شاعرة فتقول : الجنس في الرواية العربية ظل يدور حول محورين لا ثالث لهما إما على استخدام الجسد و كأنه كومة ذنب أو إغفال ذكره و كأننا بذلك نؤكد خلل النسق الثقافي الاجتماعي الذي لم يستطيع المبدع تجاوزه .

و بالتالي كان المبدع ذاته عنصر إعاقة أمام نضوج أدواته التي يستخدمها للجنس إضافة للمتلقي ، فكيف لنا أن نتجاوز المرحلة التراكمية لمرحلة انتقائية تستطيع فيها الرواية العربية أن تضيف أبعاد فلسفية و رؤى جديدة تناقض الفكر السائد و تعيد بنائه، ما هو الإرث الثقافي الجنسي الذي ستتركه الرواية العربية للأجيال القادمة أكثر من أنه عنصر إثارة مبتذل و نتحدث عنه بإسفاف إن المبدع العربي غالبا – إلا القلة – لم يأتي بجديد إنما يؤكد ذلك الانحراف الفكري و السلوكي لدا مجتمعاتنا .

و لعل عزائنا أن الرواية العربية مازالت في طور التجريب و التطوير و هذا يعني أننا لن نصل للفجر إلا بعد مرور الليل ، فأرجو أن ينشق فجرها و نفتح له نوافذنا .

فهد المصبح الروائي والقاص يقول والأمر جد بسيط إذ لا يمكن أن تمحو شيئا أوجده الله في الحياة أو تلغيه نهائيا مهما كان محرما أو مباحا, من هنا أجد أننا حتى في نتاجاتنا وإنتاجنا على تعدد مشاربه لم ينقلنا من حالة المستهلك إلى المنتج أبدا, وهذا ينسحب في الأدب والسرد الروائي تحديدا لان بلية الآخرين من غيرهم, أما نحن فبليتنا منا وفينا يتربع النقاد الأفاضل والطليعيين على سدة هذه الكارثة والانهزامية التي أبقت الحال على ما هو عليه دون أن يلجأ المتضرر إلى الشكوى فالكل مستهلك, ورواياتنا مستهلكة ومستهلكة بالكسر والفتح على حد سواء, والجنس فعل استهلاكي حار متأجج وجد له في نسيجنا العربي مرتعا خصبا وفاكهة مجالس للكبار قبل الصغار ذكورا وإناث

فتطاولت واشتدت يد الرقيب حذفا ومصادرة لكل من تسول له أفكاره أن تنام مبسوطة على الورقة الأنثى بمداد قلم ذا سن مدبب يخترق بكارتها في تنقلاته عليها كورقة, وجاء من عاضد الرقيب وأيده بوصاية غاية في الفجاجة لمنع شيء ممكن الحصول عليه بضغطة زر.

الا
آخر تحديث ( 20/05/2008 )

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>