أشياء فاتني الحديث عنها

اعلم أن الوقت متأخر للحديث عن عناوين أشبعها الناس حديثا وتناقشوا فيها بالحسن والسيء . ولو أن الكلام يضر أو ينفع ، لتغير حالنا من حل لحال ، لأننا أمة تتقن الكلام حتى أصبح الكلام سلعة تباع إلينا ويكفي أن تجد دورات تعلم الكلام ، وأخرى تعلم الاستماع . ولعل هذه فاتحة خير لموضوعي هذا . وهو برامج ودورات ما يسمى هندسة النجاح والشخصية الليزرية والبرمجة العصبية ، ورغم أن الشباب يشكي قلة التوظيف بسبب موانع اللغة الانجليزية ، فإن معاهد اللغة لم تجد من الانتشار والقبول ما وجدته معاهد البرمجة العصبية ودوراتها .

 وما يعجبك في هذه الدورات أنها تأتي بعناوين مثل تدريب المدربين ، واتذكر أن ابراهيم الفقي زار احدى الدول التي كنت أقيم سابقا فيها ، وأقام دورة مدتها خمس ساعات بقيمة تصل إلى الأربعة الآف ريال . ونظرا لظروف الفراغ وجدتها فرصة أن اسمع من صاحب هذا الاسم والذي سطع نجمه في كل مكان بدلا من القراءة في الكتب أو حتى الاستماع إلى اشخاص استمعوا إلى آخرين استمعوا إلى بعض من استمع إلى ابراهيم الفقي . وكان سؤالي للقائم على الدورة هو : تقولون أنها تدريب المدربين ، تدريبهم لفعل ماذا ؟
– للتدريب !
– التدريب على ماذا ؟
– على أي شيء
– أي شيء مثل ماذا ؟
– فكر بأي شيء تريد تدريب الناس عليه
-اريد تدريبهم مثلا على دفع المال لي .
– دفع المال لك مقابل ماذا ؟
– مقابل أي شيء !
– أي شيء مثل ماذا .
– مثل أن ادربهم على كيفية تدريب الناس على اي شي .
– عذرا ، يبدو أنك اتصلت لكي تستهزيء

وعلقنا على ( أي شيء ) وما من ( أي شيء ) يطرأ في ذهنك إلا وتجد من يدربك عليه ،ومن ذلك مراكز الحوار الوطني ودوراتها التدريبية التي تقيمها لتحضير المدربين ، مدربين على الحوار وكيفية الحوار ، وهذه ظاهرة انتشرت أيضا في فترة خروج مراكز الحوار الوطني ، وكان الجميع يتحدث عن الحوار ، ويتحاورون حول الحوار ، ويناقشون أساليب الحوار ، وحتى الآن لم نصل إلى نقطة بدء الحوار ، لأننا عالقين في مسألة الحوار نفسه . ولعل هذا الأمر هو الغاية القصوى من إنشاء تلك المراكز والدورات ، أن تنشغل بتعلم الحوار حتى تموت قبل أن يبدأ الحوار ، وأن تدرب على أن تدرب قبل أن تدرب . والعجيب في الأمر أنه انساق وتجلى في جوانب مهمة ، مثل الجانب الديني ، وخرجت ظاهرة الدعاة الذين يدعون الناس للصلاح عن طريق القنوات الفضائية ، ولا اتحدث عن الصلاح ولا عن الدعوة إليه ، ولكن عن نوع الصلاح وعن كيفية الدعوة إليه ، وتماما مازلنا نتعلم كيف ندعوا بعضنا البعض ، وكيف نظهر إسلامنا بطريقة جميلة ومتحضرة ، وأن نحاول قدر الإمكان أن نستمتع بالدين أكثر من الالتزام به ، واتذكر من ذلك ظاهرة الأناشيد الإسلامية التي جعلت أحد المطربين البريطانيين والمشهود لهم بجمال الصوت والسحنة إلى إحياء حفل أناشيد في مدينة جدة ، وكان الخبر يقول أن المتوافدين تمتعوا بهذا الحفل لدرجة أنه حصل حالات إغماء ، وخصوصا من قبل الفتيات . ولم يعد من الجميل أن تستمع إلى داعي قبيح ، أو داعي ( ليس جنتلا ) ، لأن الكلام هنا كما أسلفت لم يعد هو المهم لأنه مكرر ولن يأتي أحد بجديد . ولكن طريقة التلقين وطريقة التقديم هي التي اختلفت ، وأصبحت القنوات الفضائية تتنافس على طرق عرض الدعاة وطرق تقديمهم . وهذه القنوات الفضائية يتهمها الناس بشيء أكبر من قدرتها ، وتسمع البعض يقول أنها تريد ” غسل أدمغتنا ” وغزونا وتخريب أخلاقنا . وهذه خطط كبيرة وذات استراتيجيات قوية لا يمكن لعقول عربية تدير اعلامنا ان تنفذها ، واعتقد ان الاتهام الأنسب هو أن هذه القنوات تريد الكسب المادي لا غير ، ولا يهمها أن تصلح أحدا او تخرب أحدا ، فهي قادرة على أن تجمع مفسرين الاحلام مع المطربة أحلام نفسها في قناة واحدة ، وأن تعلن عن الدعاة وعن المطربين والفنانين بنفس الإسلوب الدعائي . وتجدها أيضا توقف الغناء لتنقل صلاة الحرم ، هي قنوات فضائية تريد إرضاء الأذواق ، ولذلك تجدها أيضا بدأت تهتم بالبدو وتقاليدهم وعاداتهم ، وتبث لهم كل ما يحبون سماعه وكل ما يريدون رؤيته ، ولا يهمها إن كانت تحي عنصرية قبلية أو نعرات جاهلية ، لأن هناك زبائن وهناك مردود مالي . وتجد القنوات الإخبارية تتفن أيضا في عرض الأرهاب وتتحدث عن صناعة الموت ، واخرى تخرج لنا ملفات سرية هيكلية اكل عليها الزمان وشرب لتثبت أن عالمنا العربي غبي منذ زمن وليس غريبا عليه أن يظل غبيا ، وأن الخونة متواجدين منذ تلك الأيام التي اعتقدنا فيها أنها بوادر ثورة وجهاد . وأن كل ما نسمعه ونقرأه كذب ، وبهذا فنحن ننتظر جيلا قادما يخبرنا ان من كذب الكذاب كذاب ، ومن كشف الخائن خائن . ويصبح الإرهاب بعد حين جهاد والجهاد إرهاب ، وتصبح الهيئة منظمة إرهابية وتصبح أخطائها أخطر من أخطاء وزارة الصحة ، وأن الموت الذي يحاربون من أجله الإرهاب يختلف عن الموت الذي ينتج عن وزارة الصحة ، وأن الإهانة وقلة الكرامة التي يحدثها جهاز الحسبة على المغازلجية وغير الملتزمين أشد خطرا من الإهانة الناتجة عن الفقر الناتج عن تضخم الأموال وغلاء الأسعار ، وذهاب السيولة من السوق المالي بعد أن امتصته ظاهرة وول ستريت العرب للأسهم بطريقة غبية اخرجت ما في بنوك الناس ، وكلهم قروشهم البيضاء ، لخسروها في بورصة سوداء ، ويبدأ الناس يتحدثون عن الطفرة ، ويتكلمون عن البعثات وكيف ان الطلاب الذين يتم ابتعاثهم كثر ، ولكن حين يعودون يستراكمون في تخصصات لا تحتاجها الدولة ، فقد تجد ألف محامي كلهم يدافع عن قضية واحدة ، ويتحدث عن حالة اغتصاب جماعي ، وينظر فيها ويناقش ولكنه لن يرفع صوته ليتكلم عن أراضي منهوبة وأموال ابتلعتها البنوك ، أو فوائد خيالية ، وستجد أيضا علماء نفس وعلماء اجتماع ، يتحدثون عن أثر الحجاب على المرأة وأثر الضرب على الطلاب ، وكيف أن منعه كان مفيدا جدا لدرجة أنه بدأوا يفكرون بقرار منع الطلبة من ضرب المعلمين . وكيف أن المعلمين هم المخطئين لأن المناهج الجديدة سليمة جدا وتم دراستها بحذر كي لا تدفع أحدهم للإرهاب ، في حين أنها قلت ولم تزد ، وبدلا من تخريج طلاب ثانوي يعرفون أن هناك ما يسمى حرب عالمية أولى وثانية ودول أوروبية ودول آسيوية ، وامريكا تنتظرهم في الخارج ، لن يتجاوز محصولهم العلمي والتاريخي اكثر من حساب المثلثات ، والتاريخ حتى سقوط الدولة العثمانية ، ليكتشف الطالب بعد فترة أن هناك ما يسمى ثورة عربية حين يقرأ على أحد الأبنية في دولة عربية ” نادي أبناء الثورة العربية الكبرى ” ، ويبدأ بالتفكير معتقدا انها ثورة عز الدين القسام ضد اليهود ويظل يفتخر بها حتى يفاجئه هيكل مذيع ما في قناة ما ويخبره أن العرب تحاربوا واختلفوا فيما بينهم قبل أن يتفقوا على ذهاب فلسطين ، لتجدهم بعد حين يستغربون فلسطين كيف تنقسم على نفسها وكأنا ليست عربية مثلهم ، ويبدأونا بجمع الأراء بعيدا عن النقاش حول طرق الاتفاق لتصبح غزة والصفة جنبا واحدا في مفاوضاتها المصيرية ، ولكنهم يعتقدون أنهم مازالوا في بداية الحوار من أجل الحوار ، وأن الكلام مازال غير مفهوم ويحتاجون لمن يسمعهم من الخارج ويتفاهم معهم ويكلمهم ويعلمهم كيف يتكلمون ، لذلك ستجد كتب طرق التفكير وكتب تعلمك استخدام الكلمات ، وكيف لك أن تؤثر وتحصل على ما تريد من خلال بث موجات ألفا او بيتا الدماغية ، وكيف أن التخاطر أحيانا يفيد أكثر من الكلام كدعوة جديدة للصمت ، ولذلك ستنتشر ظاهرة الدورات والمعاهد التدريبية التي تعلمنا الصمت كطريقة جديدة الحوار . وإن امكن فليس هناك فائدة من التفكير ، فمجرد تفسير الأحلام كافي لتحليل كل مستقبلنا ، فتجد إحداهن تتصل لتقول لشيخ أني احلم أن القدس تحترق والجبال تحاصرها والرسول يقف على احد الجبال يشير بسيف من خشب ، فيخبرها أنها سوف تتجوز . وفي ذلك مناصرة لحقوقها وأن المرأة أصبحت هي مصدر هزائمنا العربية والإسلامية ، ولو حررناها سوف نتحرر من كل شيء . ويصبح الكتاب والمفكرين يدافعون عن حقوقها في القيادة وفي الانتخاب وفي حتى حقها بأن تكون ” قليلة أدب ” مثل الرجل . وأنه ميزان العيب يجب أن يصبح متساويا ، وأن الحياء ليس حكرا على المرأة لأنه يقيدها كثيرا . وستجد من بين كل عشرة برامج تسعة تتحدث عن حرية المرأة وحقوقها ، وصراع بين نواعم وآدم . وكيف انهم يجب ان يتحاوروا وكيف يمكن لآدم أن يتكلم بطريقة لا تجرح حواء ، وحواء كيف تروض آدم ، والعالم من حولنا يدفعنا لتعلم الحوار ، لأن الكلام هو الفن الذي نتقنه ، وأن الكلام من أجل الكلام هو هدفنا ، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا او اقتصاديا ، نتائج ذلك لا يهم مادام هناك كلام له طريقة مهذبة واسلوب جميل .

وربما اكمل الحديث في أشياء فاتني الحديث عنها

4 تعليقات على: أشياء فاتني الحديث عنها

  1. .. كتب:

    افتقدك الساخر كثيرا

  2. : ) كتب:

    الأمر أشبه بشجرة أنت تحبها, ولا تدري في أي رض تنمو, وفجأة تجدها أمامك
    وتأمل أن تراها تنمو – أمام عينيك – مرة أخرى
    سأتابع, نموك

  3. fleur كتب:

    زمن المسخ

    والقادم اعظم

  4. اميرة الورد كتب:

    جميل الفكر والعقلية التي تحملها ..
    والأجمل أنك تنتمي لنجران …
    تلك المدينة التي أعشقها ..
    بحثت عن روايتك برزخ … ولم اجدها هنا بنجران وكذلك مجموعتك القصصية .. لاأعلم لماذا ؟؟؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *