رحلة البحث عن الهوية في قصة مركب الهند

رحلة البحث عن الهوية في قصة مركب الهند

للكاتب إبراهيم سنان المغرب رؤية نقدية: اشرف الخريبي مصر

بداية أصابتني الحيرة وألم بي الوجع النقدي اللذيذ وأدهشتني رؤية النص للعالم وليس العكس أي رؤية العالم للنص ولأن التداخل هو لغة النص وطموحه التقني بداية من دفء السرد وألقه وهدوءه النسبي إلى بنيته المركبة فى لغة شعرية معقدة التراكيب رغم بساطتها لأنها وكما قال الجرجاني تتجاوز المعنى وتتداخل التفاصيل وتعبر تفاصيل التفاصيل إلى الألق ولا تستقر عليه ولكنها تتوتر توترا فنيا جميلا ككأن يرتعش من لسعة برد قادمة من عمق المياه أو البحر ولأنها- اللغة- ضمن رحلة البحث هي الأخرى فتصمت صمتا مهذبا وناحبا مع براءة الوجع ويُتم الأنين تتساقط المفردات واحدة تلو الأخرى كهديل الحمام باحثة عن دفء السرد ولكنه أبدا يعاندها السرد ويظل على وتيرته الغاضبة الفكرية الباحثة عن الإجابات بلا طائل من الرجوع إليه فتسكين فى الفكرة وتتوارى قليلا مكتفية بإبراز المعنى العميق والبعيد فى أن وتظل على ذلك طوال الوقت تنتظر اللحظات التي تعلن فيها عن تمردها التقني ولكن البراعة والخبرة الفنية لا تترك لها فرصة الاقتراب من البوح المستفيض كي تفيض من بحرها وتزدحم التفاصيل بمكنون الخبرة الإنسانية بين ثلاث
(وتسمع الجميع يقول:أحادي النظرة، ثنائي النظرة، ثلاثي الأبعاد)


هكذا يقدم النص النظرة الأحادية فى متعتها والرؤية الثنائية للعالم فى أهميتها والأبعاد الثلاثة لكل ما سبق من هذا الوجع الفكري وارقه المستبد فى الهوية وتداخلها الحميم فى النص منذ كان
(يخفي وراء ظهره كل لحظات الشك ، ويقتات على حسن الظن، نحبه وندعو له بالهداية )
وإشارات أخرى كثيرة إليه تبدو أهميتها فى بيان ارق الذات برؤاها إلى وجع الذات بفقدها من إشارة الأحمر الماركسي ولينين إلى البحر أو إلى الموج وفعل الوحدة الوجودي وفقد الثقة تقترب من يونس والبحر فى عالم بلا معجزات ، منذ الثقة بين الماء والشاطىء وفقدها بين الذات والأخر عابرا على الميتافيزيقي بشبهة الغناء المحبط وأقوال أمل دنقل” الجنوبي يا سيدي لا يثق….” ولكنه يقدم رؤية عكسية وثقته كانت أبعد من المرأة وأبعد من البحر حيث يأخذ البحر موقفا مغايرا هنا ويصبح أمل الذات ومع هذا التداخل الحميم والمزاوجة فلابد أن يكون النقد خليطا من تداخلات النص بين المزواجات الكثيرة ووضع النقيضين والشبيهين معا فى توازى أحيانا وفى صدما كثيرا حيث تتجلى الأسطورة والتراث بما يقدمه من عناصر لها أهميتها ودورها الفاعل في الرؤية يعمل المبدع على عدة مستويات من الأدوات الفنية ومستوى افقى للغة لا مجال لتصعيده أكثر إلا فى بعض المناطق التي تحتاج ذلك و المستوى الأول: منذ العنوان مركب الهند من أغنية الفنان محمد عبده وتضمينها من ضمن البنية الفنية مرورا على مستواها الميتافيزيقي منذ تأمله هنا
(صديقي، الذي غمرني حتى دخل بين عقلي وجمجمتي ، واستباح حمى أفكاري)

مع موقف الثقة فى العالم والوجود بين السؤال الكوني الأول الى هوية الفكر وضياع الذات وتشتتها بين عوالم عديدة يشار إليها تارة بالالون كي ندهن كل العالم بالأحمر إلى بنية فكرية إرشادية واقعة فى الوجدان بكل مكوناتها فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم

فى نهاية النص لأحداث هذه المزاوجة والتقابل وتارة أخرى بالحوار المفتعل والذي اقصد بافتعاله هنا هو تخيل المروى عنه لعدم حضورها ككون فاعل لأنه هنا يأخذ ملامح الذات ويعبر عن النقيضين والشبيهين فى أن ولأنه ليس كحدث مغاير بقدر ما هو أداة فنية من تقنيات النص ولا وجود لعالمه إلا فى كون النص ودائرته المحكمة كي يقرأ لنا مالا تستطيع الذات بالمباشرة التعبير عنه إلى هذه المزاوجة من طرح السؤال الأول هكذا تبدو هذه الفقرة فى أهميتها وتجسيدها وتشكيلها القصصي ورموزها بين الماء والطين والورق وسيرة السلف وقصة يونس عليه السلام ولما يدور بالنص ويدور به على هذا المستوى
( الميتافيزيقي ) من جانب أخر لكي يتم التداخل مع السؤال التالي خلال رحلة البحث المضني عن الهوية والذات وهو سؤال موجه للقنا عات والرؤية للعالم
((حبات التراب تثق بالماء، ولا يثق الطين في الطين، لأن الدم يملأ كل أوعية الفخار التي ندعوها أجسادا،…، هناك إلى معامل الفخار أفكر كيف يدور الطين وينمو للأعلى. …… ، على صوت ضجيج في يديه، وهو يخرج كتابا تلو الآخر ، وقصاصات من الورق ، وسمعته وهو يقول : آية ، وحديث ، وبعض من سيرة السلف ، وقصة يونس ، وبعض الدعاء والتسبيح . تلك عندما يثور البحر ويتلاعب بي. وغمز بعينه : وهل للرياح أن تكشف عن قلبي .؟)

 هل كانت الريح كافية لفعل الكشف كي يعاد ترتيب العالم ربما سنرى من النص هل كشف القلب والضمير والعقل أم ظل الجنوبي يا سيدي على حاله يهيم فى العالم وكان لاستدعاء أمل دنقل هنا إشارته الواضحة لموقف النفس المتألمة خاصة قصيدته الجميلة الجنوبي فى رحلة البحث عن الهوية والذات وإعادة اكتشاف العالم
المستوى الثاني وتقديم معادلات موضوعية بين الماركسية كفكر والهوية الدينية هذا السؤال الثانى بكافة إسقاطاته منذ ما قدمه الدين الأسلامى كهوية فكرية منتقدة من ناحية طريقة عرضها فقط (جيل لم يعرف من الدين إلا ( عيب ) تساوي ( الحرام ) في المنع
منذ ذلك الحين الى العودة للتأمل على هذا المستوى وليس سؤالا بحثيا فى هويته كدين له كونه المتكامل كفكرة ولكنه أخرج من مزودته، كتاب أحمر وعباءة حمراء ،ومنجل . فهو فقير أنسته الثورة طعم الخبز، ويبحث عن وطن يخصه، وهكذا يرى السلف، ثائرون، بولتاريا: أنس بن مالك، وبلال بن رباح، وآل ياسر، بلا شفة يبحثون عن وطن، ضد برجوازي قريش:أبو جهل، وأبو لهب ،والوليد ،وآل سفيان.يرى الفقراء صحابة ويقول عنهم (رضي الله)،ويرى الثوار أنبياء وعليهم يصلي ويسلم
ويحدث هنا حالة من التفكيك وإعادة ترتيب العناصر وترتيب الرموز بشكل يناسب الفكرة ويحدث ثقوبها ودلالتها ما بين البرجوازيين فى الفكر الماركسي والبلتاريو طبقة الفقراء
السؤال الثالث أو المستوى الثالث تبدو أهميته فى إحداث القناعات العقلية وتصوارت الراوي للعالم كبنية ونظرة إجمالية ما بين أمل دنقل ومحمد عبده وأغنيته فى النص فى جانب وبين إمكانية ما يحدثه التداعي العقلي من جانب هل المركب بمجدافين وربان واحد أم اثنين هل المزاوجة والمراوحة يمكن أن تحدث فى الفكر بين نقيضين ام العودة إلى ما قبل الثلاثين وكليهما يقدم الحيرة ويخلق عالم النص متجذرا كعالم الواقع هو الشبيه له
رجل وامرأة _ لا يمكن إلا أن يراهما اثنان في واحد إلا أن المتمني بهذا البيت لم يكن المركب الذي يتمناه ليسير بربانين . فأخبرني أنه لا يمكن للمركب أن يقودها ربانان، فعندما يريد أن يقود مركبا ، أو يركب شيئا،لابد أن يكون ذلك الشيء ( ثنائيا) ويجب أن يكون هو منفردا أحاديا) هكذا تبدو الرؤية أكثر إيضاحا حيث تكون المعرفة او الكتابة هي هنا إعادة إنتاج للواقع بصورته الموازية فى النص وليس العكس أى إعادة إنتاج النص موازيا للواقع بلا إعادة ترتيب العالم برؤية الكاتب معتمدا على التفكيك وإعادة الترتيب للعناصر وأحداث المتناقضات وضرب الأمثلة كرموز تدور بالنص وتحدث بضرباتها فجوات عميقة فى نفس القاريء
وهكذا يرى السلف ، ثائرون ، بولتاريا….. ضد برجوازي قريش: أبو جهل،
تحدث الرموز هنا بإعادة ترتيبها خلالا تفكيكا لوجودها فى عين التلقي بأحداث المثيل وإسقاط الرمز من مكوناته الطبيعية الى مكونات خادمة للنص وللمروى عنه ككل
حين يقول : عندما كنت ثنائي النظرة ، أحارب مع من حارب الأحادية والحدية
ام العودة الى حالة أخرى ((و يجب أن يكون هو منفردا ( أحاديا)) يقود مركب ثنائي بمجدافين ومجموع الأسئلة الثلاثة هو ما يدور به النص لكشف الرؤية الفكرية والفنية أيضا ولوضع الأسئلة والحصار وأزمة الروح الضاربة فى جذور الشخصية وهويتها مع حال الراوي فى الفقد والإحساس بالوحدة طوال الوقت هكذا يمضى النص الممتع طارحا الأسئلة ومجيبا عن بعض منها لافتا النظر إلى الهوية وبناقضاته العميقة وترسيبا تراكميا لحال الذات وموقفها فى العالم حيث تتحرك الشخصية ما بين الداخل والخارج ويتحرك السرد بأحداثه صعودا وهبوطا بمشهد قصصي وصفى أكثر منه تجسيدي للحظات بعينها حيث يفرض النص على التلقي موقفه بحيث يحرك البنية الفكرية ويتوجه بها من الراوي إلى المتلقي
ويرصد أثناء ذلك موقفا بنائيا لحقيقة الصراع في علاقة الذات بالأخر والذات فى العالم وفعل الكشف عن تناقضات الهوية وموقف الذات منها ويبقى مفهوم التغير تراكميا منفلتا من قدرة السرد على إحداث هذا التغير غير فعل الرصد والحكى من منطق الفائت ورصد الحاضر واستشرافا للقادم المجهول الساري في قلب الأحداث وتتوقف اللحظة القصصية عند سؤال الهوية الذي هو أكثر أهمية فى ذهن الراوي كي يحدث فضاء النص وفضاء العالم ودهشة المروى عنه بطرح السؤال وعذرية الإجابات رغم وجودها الحصرى . النص تحول فى الكتابة إلى شخصية فاعلة وأصبح النظام الفكري المتقن المدرب نظام دلالي يضيء بعناصره العمل وهذا طبيعته وخطورته أيضا مغلفا بلغة شفافة رقيقة وصادما أحيانا مع فهم مستمر وواضح لعوالم الكشف عن الهوية حيث يرتبط أساسا بهذه البنية الصارمة الدقيقة المنتظمة بحيث تترابط أجزاء النص ويضمها رباط واحد رغم تجذرها وإعطاءها بعدا تفكيكيا لمعرفتنا المسبقة من العناصر الجاهزة كي يبرز جمالها ولا يمكن معالجة النص بمعزل عن هذا تحديدا كبنية أساسية لأنه يظل طوال الوقت يؤسس لهذا الفعل ويتحرك بين الثابت والمتغير لكي تأخذ شكل السلطة موقفها داخل النص فترى الكاتب عند حد التوجه بالخطاب الأدبي إلى خطابه الفكري بسهولة ويتجادل مع أسئلته وبنيته ويزيح لها الدلالة ويسلط الضوء على نهايته المتجذرة بين سماع يا مركب الهند والانتقال إلى المكون الأساسي فى الوجود والبحث عنه ( يدفيء جوانحه بجحيم تشعله غرائزه ،يغمض عينيه وفي أذنه سماعة وبين يديه مصحف ) هكذا يظل التناقض هو الفاعل
(يهز برأسه على غناء محمد عبده : يا مركب الهندي يا بو دقلين ويقرأ: ( فأتوا حرثكم أنى شئتم،وقدموا لأنفسكم )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *