مركب الهند الأحمر

نلتقي وكل منا، يعلم أنه لا يشبه الآخر، ونقرأ في الوجوه علامات القبول، ونسمع كلمات تشعرنا بالقرب والانتماء، كذلك هو حالي مع صديقي، الذي غمرني حتى دخل بين عقلي وجمجمتي، واستباح حمى أفكاري. خاطبني:
أنت أيها الجنوبي، هل سمعت ما قاله أمل دنقل:
“إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي..
البحر و المرأة الكاذبة..!”
أما أنا فاثق في البحر، وأعشق المرأة الكاذبة، فلا ذنب اكثر متعة من ارتكاب الذنب في الذنب. وسأبحر واتعطر بكل عبق البحر، وزفر البحر، وريح البحر، بحثا عني وعنها، واكون أكذب منها، واغوص في اعماق البحر بحثا عن كنوزها.
وأعود وأسألك: هل تثق بي.؟


الثقة كائن ينمو على الابتسامات، هكذا فهمت بعد عقدي الثالث، يخفي وراء ظهره كل لحظات الشك، ويقتات على حسن الظن، ونخاف أن نقتله يوما، كالولد الطالح، نحبه وندعو له بالهداية، سؤاله حرك شفاهي إلى الأعلى، لا أستطيع أن أقول ابتسامة فرح، ولكنها تشبه الابتسامة، جائع كائن الثقة في حديثه ويريد وجبة تقيم صلبه،
ابتسمت وسألته قبل أن تبحر: ماذا ستحمل في خراجك.؟
وانتظرته ليقول: بوصلة ومزولة، ومجداف وماء، وملح ودقيق، ونسيت أني سألت، وأخذت أداعب الرمل بأصابع قدماي والموج يتكسر فوقهما، وتلك الذرات تقاوم، وتستمر في البقاء، فهي مخلصة للشاطيء. حبات التراب تثق بالماء، ولا يثق الطين في الطين، لأن الدم يملأ كل أوعية الفخار التي ندعوها أجسادا، وابتعدت بفكري بعيدا عنه، هناك إلى معامل الفخار أفكر كيف يدور الطين وينمو للأعلى.
وعدت من رحلتي اللحظية، على صوت ضجيج في يديه، وهو يخرج كتابا تلو الآخر، وقصاصات من الورق، وسمعته وهو يقول: آية، وحديث، وبعض من سيرة السلف، وقصة يونس، وبعض الدعاء والتسبيح. تلك عندما يثور البحر ويتلاعب بي.
وغمز بعينه: وهل للرياح أن تكشف عن قلبي.؟
ستعريني، وأقف بجلدي مخلصا في الطقوس، وإن لم انجو، سانتظر الحوت ليبتلعني. ويقذف بي على أول شاطيء.
وحدثت نفسي: تعيس ذلك الحوت، كيف ستتحمل معدته مخلوقا مثلك.؟
وعدت انظر للبحر، واتمنى أن يصبح جليدا، وتظل البواخر عالقة فيه، فنراها كتل من الخشب والحديد، والنار التي التي لا تذيب ما حولها، تنتزع منها الطبيعة فرصة ممارسة البقاء والاستمرار بالحياة. أمسكت بصدفة ووضعتها على أذني.
حدثتها وتذكرت عن صديقي هذا شيئا يشبه الماضي، وجيل لم يعرف من الدين إلا (عيب) تساوي (الحرام) في المنع، وأقل منها في الاحساس بالذنب. وعدت امشي بذاكرتي على حدود جدار كان بالقرب من مدرستنا. ووجدته هناك في جلد صديق آخر، بعد أن انهى زقارته الأولى اغرق نفسه بقارورة (555)، تدعى (كولونيا)، ليزيل كل أثارالرائحة، وآخر في مكان ما في نفس اللحظة، يشعل زقارته المليون ليزيل آثار رائحة الكولونيا التي شربها لأول مرة.
رائحة الدخان الكريهة، لن يطغى عليها إلا رائحة عطر كحولي تزفرها الأنفاس، حتى الإدعاء أصبح أكثر جرما مما تخفيه ضمائرنا، تلك المظاهر الزائفة بطريقة أو أخرى هي أقبح ما يمكن لنا التستر تحته. ما نراه في غيرنا هو جزء مما نغمض الأعين عنه في أنفسنا.
عينان اثنتان فقط، وتسمع الجميع يقول:أحادي النظرة، ثنائي النظرة،ثلاثي الأبعاد، والذباب لديه ملايين الأعين ومع ذلك يرى بوضوح أقل، لله در الإنسان حين يملك عقلا نتناً يصدر عنه أفكارا جميلة، كالسماد الذي يخرج لنا من خلاله أجمل الزروع.
على صفحات دفاتر الرياضيات تناثرت قطرات من عطره.
تذكرت ماقاله أمل دنقل في قصيدة الجنوبي:
-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين:
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.
عندما كنت ثنائي النظرة، أحارب مع من حارب الأحادية والحدية، اكتشفت أنني انظر إلى رجل يحمل قنينة وآلة حاسبة، يحسب رشفاته من القنينة ليستغفر عن كل رشفة، فاغمضت عيناً لعلي أراه يستغفر دون أن أراه يسكر، وما أجمل الأحادية، تبقي كل شيء من حولنا جميلا. ورغم ذلك فصديقي ثنائي النظر لا أستطيع أن ألومه، فكل شيء يجب أن يكون مزدوجا لكي يملأ ذهنه تجليا، ويجذب اهتمامه، أو حتى يخلق لديه التأمل.
وكقول الشاعر: يا مركب الهندي يا بو دقلين يا ليتني كنت ربانك
دقلان _ اثنان
ردفان _ اثنان
سرير _ مزدوج
رجل وإمرأة _ لا يمكن إلا أن يراهما اثنان في واحد
إلا أن المتمني بهذا البيت لم يكن المركب الذي يتمناه ليسير بربانين. فأخبرني أنه لا يمكن للمركب أن يقودها ربانان، فعندما يريد أن يقود مركبا، أو يركب شيئا،لابد أن يكون ذلك الشيء (ثنائيا) و يجب أن يكون هو منفردا (أحاديا).
وكان وحيدا في ذاكرتي طوال هذه الرحلة، وعدت لأجده وحيدا رغم وجودي.
سألته: ماذا ستحمل أيضا.؟
وانتظرته ليقول: بوصلة ومزولة، ومجداف، وماء، وملح، ودقيق.
ولكنه اخرج من مزودته، كتاب أحمر، وعباءة حمراء، ومنجل. فهو فقير أنسته الثورة طعم الخبز، ويبحث عن وطن يخصه، وهكذا يرى السلف، ثائرون، بولتاريا: أنس بن مالك، وبلال بن رباح، وآل ياسر، بلاشفة يبحثون عن وطن، وسيهاجرون، إلى كل مكان ليعودوا منتصرين، ضد برجوازي قريش: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد، وآل سفيان. يرا الفقراء صحابة ويقول عنهم (رضي الله)، ويرى الثوار أنبياء وعليهم يصلي ويسلم.
أصداء الموج في الصدفة، يلغي صوته في إذني الأخرى، وأعود إلى أول أحلامي، مع حبات الرمل، واتركه يترنم، ويتهادى على صوت الموج:
طلع لينين علينا.
من جبال الأورال.
يتحدث عن الغد، وعن الوطن الجميل، وعن الدستور، وعن كيف لنا أن نعيش دون قيود، ودون خطوط حمراء في عالمه الأحمر. جميل هذا التفكير، إذا أردنا أن نتجاوز كل الخطوط الحمراء دون أن يلاحظنا أحد، ليس علينا إلا أن ندهن كل العالم بالأحمر.
انظر الى ما بين يديه، قلم، ودفتر، ومحبرة، وقطعة من الشكولاته الفاخرة، يراوغها ويريد أن يثبت لها فقره، وصلاحه، ويمارس ثورته بعفة.
كتب: كم لذيذ أن أعشق هذه القطعة، اذيبها في فمي، على جسدي، وبين أحضاني.
ثم أخذ يفكر كيف يخلع عنها غلافها اللامع، ومد يديه بلطف نحو القلم وكتب: (رضيت بك حلوى)، وعلى لسانها: (رضيت بك فما).
وغنيت له:
تبتسم الحلوى في فمها
وتذيب بعينيها قلبي
هل يعقل آنستي يوما…!
أن يأكل سكر من سكر.؟
طرب وطبطب على كتفي، وأخبرني أنه لا يؤاخذني على كلماتي، فكلماتنا التي تبيح كل شيء، لن تصل يوما إلى مستوى أفكارنا التي تنتهك حتى اللاشيء. يحدثني عن نفسه، وبعض مما شابني منه، عندما ننكر شيئا ونقاومه، يعترينا شيء منه. وكم من كلمة قذرة قالها صاحبها ألقت به إلى رصيف المغضوب عليهم، يدعو له بالهداية أشخاص أفكارهم لو سمعناها ألقينا بهم إلى خارج حدود (الفضيلة).
أبحر وأخذ ينفخ شراعه تارة، ويحرث في البحر تارة أخرى، غاضب من الريح كيف لا تعري جسده، ويلقي بسنارة إيمانه معلقا فيها طعم كراماته، يريد اصطياد حورية يٍسألها عن وجهته، وتسلي وحدته حتى يصل للشاطيء الآخر من جزيرة الثوار، يتمنى ويخاف أن يسمع الموج أمنياته، يدعو ويخاف أن يسمع الرب صوت ضميره، يصبر على مأساته، ويحتسب شهواته ونزواته.
ويتسائل:كيف انفض الرفاق من حوله.؟
يسلي خاطره ويتنزه في حديقة أفكاره، يدفيء جوانحه بجحيم تشعله غرائزه، يغمض عينيه وفي أذنه سماعة وبين يديه مصحف.
يهز برأسه على غناء محمد عبده: يا مركب الهندي يا بو دقلين.
ويقرأ: (فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم).

3 تعليقات على: مركب الهند الأحمر

  1. admin كتب:

    عبدالله البقالي :

    أعترف في البدء ان هذا النص الثري كان يستوجب مني مجهودا وتركيزا اكبر مما بذلته . إذ ماتزال الكثير من النقط المهمة تحتاج الى اهتمام و عناية كي تكتمل القراءة .و اتمنى ان اكون قد قربت القارئ نوعا ما من اجواء هذا النص الذي وجدته في مستوى اكثر بكثيرمما توقعته في البداية .

    إبراهيم سنان في هذا النص ، هو من نوع الكتاب الذين ينطلقون في كتاباتهم مما هو مترسب لدى القارئ من معارف ، ليحلق بعد ذلك نحو أجواء فكرية رحبة ، تحضر فيها الأزمنة العابرة منها و الحاضر و صولا لاستشراف المستقبل . وهو يوجه حمولة هذه الأزمنة ويوظفها لينحو نحو المرافئ التي تحددها رؤيته وفهمه .
    كاتب مثل هذا ، لا يتعامل إلا سطحيا مع القارئ الأعزل .و لا أدري ما هي درجة الإيجابية في هذا الأمر . فهو يصر أن يكون قارئه في أعلى درجات الأهبة و التسلح . واستنفار مستمر للبديهة و الحواس الداخلية . ويقظة مطلوبة حتى بعد الانتهاء من القراءة .
    هذا هو استنتاجي الأول لقراءتي لهذا النص . و أتساءل على ضوء هذه الخلاصة ما إن كان أمثال إبراهيم سنان يتوخون حقا تأسيس قاعدة لقرائهم أم أنهم يرون ان المهم هو ان يقولوا كلمتهم و لا يعيرون أهمية لما يمكن ان يحدث بعد ذلك .
    دافعي لهذا هو التساؤل عن المكانة التي يمكن ان تتبوأها هذه الكتابة في ظل انحصار المقروء . وتدهور وضعية القارئ عموما بسبب التحول المريع الذي نعيشه ، والموجب لقتل العقل وإحلال الغرائز محله . وتغييب الإحساس بالزمن ودفع الكائن اتجاه ألا يعيش شيئا غير اللحظة .
    ربما هذا موضوع أخر متقدم عن موضوع الحقبة التي ينتسب اليها هذا النص من حيث الوقائع . الا انه مرتبط بها وينفتح عليها .

    أول مايثير الانتباه في النص ، هو أن القارئ لا يجد سوى مجرد أصوات . وهوية هذه الاصوات وملامحها تكتسب من وقع الافكار و اصدائها . أفكارهي مزيج من رواسب لحقب منقضية تبحث لها عن ممارسة تأثير في الحاضر . او هي نتاج تفاعلات واحتكاك مع الواقع الجانح لبن محاولات اخضاعه وجعله يمتثل لرؤى تحاول اكسابه هويته . وبين تمرد هذا الواقع وجعل الرؤى هي التي تتكيف معه و تأخذ بعين الاعتبار ما يطرحه هو . الا ان الكائن يعمد الى تعامل مختلف يفقد معه انسجامه مع نفسه و مع الحياة .
    الزمن المهم في هذا النص هو ما أشار اليه الكاتب بعد تمهيده للموضوع …” هكذا فهمت بعد عقدي الثالث ..” و اعتبر هذا اشارة ومفتاحا لقراءة النص . اذ تتضح بعض ملامح الاصوات المتحاورة . وهي اصوات قد تكون لأنسان واحد . وتحاورهما هو من اجل الكشف عن التفاوت و التناقض بين الانسان ومحيطه . وبين الانسان وذاته لينتهي الامر بفقد الغاية من الحياة بعد ركونه الى السلبية .

    لأعد الى ما اعتبرته مفاتيح النص . اذ المعروف أن الانسان قبل العقد الثالث ليس هونفسه بعده كما يرى النفسانيون .فقبله يكون الاندفاع القوي الذي قد يكون مؤطرا و قد لا يكون .و ايضا الرغبة في الانتفاضة ضد المألوف و شق طريق مغاير لكل شئ . و نوعية الحمولة و عمق تشربها هي التي تمكن الانسان من ان يستمر في نهجه في مقبل السنين . كما ان الانفعالات اذا كانت مرتبطة بالعمر فقط ، فسرعان ما نرى الانسان يهدأ في العقد المشار اليه ، ليجنح الى المصالحة مع ذاته اولا ، ومع محيطه ثانيا . لتبدا مرحلة اعادة ترتيب الافكار على ضوء تغير الرؤية المتسمة بالكثير من الرزانة و التعقل .
    بين الصوت الاول و الصوت الثاني يطهر بينهما بون يتسع . الا ان النص يفيد بأنه كان هناك تطابق في مرحلة ما . …” وانتظرته ليقول ..” ” نسيت اني سألت ”
    بين الجواب المتوقع والاجابة المختلفة تبدا ملامح التحول .” وانتظرته ليقول : بوصلة ومزولة ، ومجداف وماء ، وملح ودقيق ..”
    وسمعته يقول “أية وحديث ، وبعض من سيرة السلف ، وقصة يوسف ، وبعض الدعاء و التسبيح . تلك عندما يثور البحر ويتلاعب بي .
    وغمز بعينيه ” وهل للرياح أن تكشف عن قلبي ؟”
    بين الجواب المتوقع و الجواب الفعلي يلوح في الظاهر عالمان مختلفان ومنفصلان كليا . فالاول حياتي صرف . و الثاني روحاني غيبي . الا ان التساؤل الوارد في نهاية الجواب يكشف الزيف .
    الرياح ليست سوى ما يجري في البحر . اي أنه الواقع وما يختمر وما يجري فيه من احداث وتقلبات . ويستفاد من الجواب ان هذا الصوت فاقد لتوحده و انسجامه بين ممارسته وتفكيره . وهو لا يجد حرجا في ان ينهح منهج التنقية . لكن لا يطهر بمظهر الفاقد لانسجامه . بل هو يبدو مطمئنا وهو ما يثير الصوت الثاني

    الجواب اللامتوقع يصدم الصوت الثاني ” عدت انظر للبحر …….والنار التي لاتذيب ماحولها ”

    الواقع ام البحر تقطنه ساكنة تبدو محشورة في قبور زمانية فاقدة لانسجامها . يستكين اليها صوت . ويستنكرها صوت هو الاخر نذر نفسه للتعجب ورصد الفقد .وقدرة الناس على طمس ودفن المنتاقضات

  2. ام هيام كتب:

    اعجبتني المقاله كثيرا واعجبنى نقاشك اكثر …المتناقضات هى اساس حياتنا هذا الزمن فى كل منا شخص مختلف لأننا جميعا نظهر كما يريد مجتمعنا ان نظهر لانريد ان نخرج عن المألوف ولذالك نختفى داخل جلودنا .
    كلنا اوعيه من الطين برغم انها حقيقه لكنني لم افكر بهذا الشكل من قبل التفكير بهذه الطريقه يجعل تقبل الشكل الخارجي اسهل لطالما قلت انى متوسطه الجمال ولكن كلنا اوعيه طين ماالفرق اذا كان وعاء اجمل من وعاء اخر فى النهايه نحن من نفس الماده
    جزاك الله الف خير.

  3. الصقر الجارح كتب:

    كانت مقاله ممتازه وعبارات جميله ومختصره ومفهومه
    وتنغمس فيها الافكار الخياليه والنادره
    مقالك جميل جدا
    وشكرا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *