السعودية واسرائيل .. المبادرة مع الداخل قبل الخارج

أحاديث العامة قياس مهم تجاه الأوضاع السياسية والإجتماعية ، ومن هذه الأحاديث مؤخرا المبادرة السعودية تجاه إسرائيل والتي لاحظت أنها مازالت لها حساسية من قبل البعض ويتجنب الحوار فيها بشكل صريح وكأنهم يفترضون لها عدم النجاح بسبب المواقف الإسرائيلية المشابهة ، أو أن بعضهم يرى أنها مبادرة نظرية لها أهداف سياسية أخرى تخدم ولا تضر الموقف السعودي العام تجاه إسرائيل ، ولذلك أجد أن الحديث عن المبادرة يجب أن يأخذ جوانبا أخرى وأعمق داخل المجتمع السعودي . وهنا انطلق في الحديث من الخارج إلى الداخل في قراءة سريعة لأوضاع المنطقة وكيف يمكن لذلك أن يؤثر على الشارع السعودي .

فبعد القمة العربية الأخيرة في الرياض والتي أعيد فيها إعلان المبادرة السعودية للسلام ، كانت هناك زيارات أمريكية متسعة للمنطقة ومفاوضات على كافة الجبهات الرافضة لمثل هذه المباردة ، التدقيق في مستوى الرفض يرى أنه يخضع للسلطة الاجتماعية الشعبية داخل الدول العربية . تلك السلطة غير المرئية والتي نتجت عن تناوب أجيال مختلفة رفعت لواء الرفض والمقاطعة لإسرائيل ، وتم أحيانا استغلال هذه العاطفة الشعبية في تعبئة الشعوب نفسيا لصيانة نظم سياسية معينة في بعض الدول ، دون قدرات فعلية على أرض الواقع ، فكانت المبرر الدائم والوحيد القادر على إسكات أي اختلاف فكري أو اصلاحي يحاول كسر الوعي الاجتماعي والتوجه به إلى جوانب أخرى .

نطريا لا أحد يستطيع تخيل مناظر وطبيعة ال سلام والتطبيع بين المملكة العربية السعودية واسرائيل ، والسبب في ذلك أن السعودية تقع تحت مأزق تمثيل الأمة الإسلامية رغم اختلاف بعض التوجهات والتيارات الإسلامية بين السعودية وبقية دول الأمة الإسلامية ، ولأنها أيضا تحملت مسئولية المحافظة على قدسية المشاعر المقدسة . وهذه المسئولية تجعلها عاجزة عن التحرك وحيدة في أي مبادرات غير محسوبة النتائج ، وخصوصا في فترة انتشار الفكر التكفيري والإرهابي والذي سيجد من هذه المباردة فيما لو قاربت التحقق ، فرصة أخرى إلى إعادة إثارة الفكر الجهادي في عقول الناس . لأن هذا المنعطف هو الإرث الإسلامي والعربي الوحيد الذي ما زال الجميع يعتقد به ويؤمن به كآخر خندق للقيم الإنسانية من عزة وكرامة وحقوق إسلامية وقومية . ومن الصعب جدا ان نقفز بخطوة طويلة نوعية تنقلنا من حالة الترصد _ ولن أسميها حرب _ والمقاطعة إلى مرحلة التطبيع والسلام .

الحكومات تعرف تماما أن الواقع الإسرائيلي أصبح ثابتا حتى لدى أصحاب القضية : الفلسطينيون ، وأن المفاوضات ومحاولة الحصول على شيء بدلا من فقدان كل شيء هو الوسيلة الوحيدة في ظل اعتراف دولي كامل ومساندة دولية كبيرة لدولة اسرائيل والتي استغلت المواقف العربية لاستدراج تعاطف الأمم الأخرى معها ، وإن كانت بعض المواقف تخرج من حين إلى آخر ترفض وتشجب أو تتعامل مع اسرائيل بطريقة قامعة ، إلا أنها لا تدوم طويلا وتعود لتدفع الجانب العربي للمفاوضة والمناقشة كحل وحيد .

المبادرة السعودية تحتاج إلى شيء أكثر من الدعم الدولي أو موافقة إسرائيل وقبولها للشروط ، تحتاج إلى تجهيز الشارع وجعله متقبلا لهذا الواقع الذي لم تفد فيه المماطلات ولم يعد من المناسب التأخير فيه ، وخصوصا في أوضاع أصبحت فيها المنطقة تحت أنظار الجميع وكل شخص يبحث عن مدخل إليها كي يفرض نفسه كوسيط نزاع أو حمامة سلام لها مصالح أخرى . ولو اعترفنا أن الوضع الإسرائيلي الحالي يساعد على توقع قبول إسرائيل ، إلا أن اسرائيل نفسها تعلم جيدا أن هذه المبادرة وإن كانت حكومية ستكون مفترق خطير لدى الشعوب العربية والإسلامية .
ولنا في مصر عبرة وأسوة ؛ عندما غامر السادات مغامرته الناجحة في جعل مصر مستقرة وإخراجها من النكسات والنكبات ، بعد أن جعل مصر قضيته الأولى وتخلى عن قومية عبدالناصر ، حين وجد أنه الرأس الوحيد الذي يطل ليتلقى الضربات أمام اسرائيل .
وهنا يجب أن نعلم أن الشعب المصري مازال حتى هذه اللحظة يحمل في داخله الكثير من الرفض والتناقضات حول موقف السادات مع الحكومة الإسرائيلة ، ولكن الواقع لم يعد يتحمل منا أي تعبئة عاطفية شعبية في ظل أوضاع اختلاف موازين القوى العالمية ، وربما تكون العبرة في أن نختزل اسرائيل داخل المنطقة العربية وجعلها تفقد ارتباطاتها القوية مع القوى الغربية ، وجعلها تجلس مباشرة معنا على طاولة التفاوض على جميع المستويات ورفض الوساطات التي أصبحت ذريعة للدخول في المنطقة .

الشعوب الآن تترقب بحذر يشوبه القلق موقف هذه المبادرة التي لم أرى لها دعما إعلاميا كبيرا أو تنظيرا يمكن له أن يغير من نفسية الشارع العامة وتقريبه من تقبل هذه المبادرة ، لا يوجد هناك أي حركة فكرية سياسية تحاول تقريب الاستراتيجيات الممكنة لحل النزاع العربي الإسرائيلي وجعلها عقيدة جديدة يمكن للمواطن العربي تقبلها بدلا من عقيدة الرفض المطلق .

سوريا الآن أيضا تسعى لحل نزاعها مع اسرائيل من خلال الوساطة التركية والقطرية، والسعودية تنوب عنها في مبادرتها مصر والأردن ، ومن المحتمل جدا أن يقفل ملف النزاع مع اسرائيل دوليا وإقليميا على مستوى الدول ، ولكنه سيثور داخل الدول العربية نفسها فيما لو لم نتحرك حاليا في جعل المواطنين شركاء حقيقين في فهم المعادلة السياسية للشرق الأوسط الجديد . والذي بالفعل سيكون جديدا بغض النظر عن كونها كلمة أمريكية ذات أبعاد خاصة بها وبأهدافها ، ولكنه قد يكون جديد بالنسبة لعالمنا العربي .

المواطن العربي يجب أن يُسمع صوته ويجب أن يتم الاستماع له قبل أن نقع في مأزق القبول للمبادرة فيخرج النزاع من بين ظهرانينا ويجد فيه الكثير فرصة مناسبة لإرباك الدول وحكوماتها . الاستقرار السياسي الإقليمي ضرورة ولكنه لا يتحقق إلا باستقرار سياسي داخلي لكل دولة . فكان من اللازم إطلاق مبادرة أخرى تجاه الشعوب العربية نحاول من خلالها كسر العقيدة الازلية والتي تراكمت عليها اعتبارات ايدلوجية أخرى غير الإسلامية ، والتسليم بواقع مازلنا نحاول إنكاره رغم موقفنا الضعيف تجاه المجتمع الدولي الذي لم يعد يعتبر مشكلتنا نزاع دولي يستحق المشاركة بفعالية .

إسرائيل لها نفس طويل في النزاع العربي رغم صغر حجمها الاستراتيجي الإقليمي إلا أنها توسعت بعيدا عن الجانب العربي لتصبح ذات أبعاد استراتيجية دولية توحدها مع العالم لتكوين جبهة ضاغطة على العالم العربي ، وهذا النفس الطويل جعل لها السبق في هذه المنافسة التي يجب الآن إنهائها والبدء بمرحلة سباق جديدة وبأدوات جديدة ومنها منظومة النزاع الحديثة للعالم وهي أدوات الاقتصاد الذي بدأ يشكل مفصل مهم في ترجيح القوى العالمية وبدأ يتلقى ضربات موجعة في عالمنا العربي من خلال التقييد والرفض للمشاركة الإقتصادية الدولية بسبب الموقف من دولة اسرائيل.

ربما يكون هناك دول عربية تقبلت شعوبها الاتفاق والاعتراف الرسمي باسرائيل ، ولكن يجب أن ننظر ونفكر بالمواطن السعودي بالأخص نظرا لوقوعه في خانة التمثيل للفكر الجهادي والتكفيري عالميا ، وكون السعودية ملتقى أنظار الأمة الإسلامية واعتبارها ممثلا أعلى لشؤونها ، مما جعل المواطنون السعوديين قادة في كثير من الموجات الإرهابية والمشاركات الجهادية المرفوضة في أماكن أخرى من العالم ، ومثل هذه المبادرة يجب لها أن تنطلق من داخل الشعب السعودي كي لا يصبح بعد ذلك ممثلا لإثارة المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى والتي لن ترضى بأن تظل صامتة في ظل رفض شعبي سعودي يصبح رفضا قائدا ومحركا للبقية .
أبناء المجتمع السعودي يحتاجون إلى حوار وطني حول المبادرة وعلى كافة المستويات الفكرية بكل اختلافاتها . ففي ذلك إجراء احترازي لما يمكن له أن يحدث مستقبلا فنكون في موقف محرج تماما كما حدث بعد عودة مجاهدي أفغانستان .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *