( أنا ) اجمع فيها كل ( نحن )


في قسم : شجون و جنون — بواسطة إبراهيم سنان - 27 يونيو 2009 • تعليقات (4) المشاركة

كمجنون يفتح الأبواب المغلقة ويكسر الجدران ليجعل كل البناء صالة واحدة لا حواجز فيها . لا يعجبني ما في نفسي من جنون ، يجعل من يقرأني يشعر بنوع من الهذيان ، ولكن هذا ( أنا ) ، وبعض مني كـ ( نحن ) تلك التي تمتد في كل من أحب حولي ، أولئك الذين انتمي لهم مسيرا لا مخيرا ، والانتماء شيء لا يختاره الإنسان بعكس الولاء ، مخير هو فيه ، أمامه الدنيا بكل احتمالاتها وبكل ما فيها من فكر … قادر على أن يجعل عقله دليلا يوصله إلى نهايات الشك التي تجعله يقف عاجزا ليقر بعجز عقله فيعود إلى رشده . ولكنها رحلة تستحق المجازفة ، أن تعرف الجميع وان تسبر أعماقهم وترى ما فيها من تشوهات بعثها التاريخ فيهم.

الجميع يدافع عن شيء تاريخي المصدر، ويدافع عنه بشيء آخر تاريخي المصدر ، العقول هنا تتصادم بما يملؤها من متناقضات التاريخ .

ولو بحثتِ أكثر
لوجدتِ منتديات ليبرالية تتهمني بالأصولية
وأخرى تنويرية تتهمني بالرجعية
وهكذا تأكدت أن الوسط شيء ليس له وجود ، هو نقطة يقف فيها الإنسان بعيدا عن كل الأطراف . هو فعل سلبي تجاه كل من حولك ، أن لا تقحم نفسك فيهم كعنصر مفرغ من التفكير . فيصبح من فوقي ينظر إلي باحتقار ومن تحتي ينظر إلي بإجلال . ومن على يساري يراني يمينيا ومن على يميني يراني يساريا . وكلها اصطلاحات ليس لها أصل في أي شيء شرعته السماء .
الناس يخلقون التصانيف ليصبح من السهل عليهم التفاعل مع بعضهم البعض . يحبون الأشياء الجاهزة اكثر من تلك التي تحتاج إلى إعادة تركيب حتى لو اعطاهم الصانع كتيب استخدام وتعليمات تدلهم على الطريقة الصحيحة ، صعبة هي على الجميع سهلة على القليل .

لا يهمني أن أظل وحيدا على نقطة مفرغة من كل مسمى ، ولا يهمني إن كنت ضائع الولاء في كل هذا ، يقول أحدهم أنني اجعل من نفسي محور كل شيء . وماذا في ذلك ، هل اجعل الآخرين محورا ارتبط به ويقذف بي مع كل دورة ليس لي فيها خيار . أو اكبح في نفسي شعور التحرك نحو أي طرف لأن محاوري التي تربطني لا تريد التغيير .

الولاء أمر اتيح لي فيه الخيار ، بما لا يضر إلا نفسي . وما يأتيني لا انزعج منه ، وما يصيبني هو ضريبة المحاولة وأمر يصب في تحمل مسئوليتي لخياراتي . ولكن ما أساءني هو أنه قد أصاب من يجمعني بهم الإنتماء شيء ليس له علاقة بكونهم مختلفين ، شيء له علاقة بأن التاريخ يختلف إذا تردد على أفواه العامة ..

من انتمي لهم لا أستطيع إلا أن انتمي إليهم مجبرا مسيرا لا مخيرا ، وجدتهم كما هم فأحببتهم كما هم ، ولم أسألهم اختلافا ، ولن أسالهم اختلافا ، وإن انتقدتهم أو جرحتهم فهذا شيء يعيدني إلى ايقاع الضرر بنفسي لا بهم ، هم أفضل مني في أشياء كثيرة ، لا يعرفها عنهم إلا من اقترب منهم وغدا صديقا أو جارا أو لاجئا من قهر الزمان ومصائبه ، أخلاق الفطرة الأولى التي تجعل من العربي رجلا يناقض نفسه في كثير من الأحيان ، فيتسامح مع النصراني المكسور ، ويحب البوذي والهندوسي الطيب ، العربي الشرقي الذي يعشق أدوار البطولة ، يجد نفسه بطلا باخلاقه البسيطة من كرم وشجاعة وانفة وعزة وكرامة ، تلك هي أخلاقهم التي اعرفها عنهم ..

اعتذر لكل من انتمي لهم ، ويا ليتني لم اكن منهم كي لا أحملهم تبعات ما يصيبني ، هم أفضل مني وأجمل مني في كل شيء . ولا اعتذر لنفسي يكفيها أن يغفر لها هؤلاء زلاتها ،، حينها سترضى وتهدأ ..

الانتماء دائرة متدرجة الحجم تبدأ من حضن الأم حتى الأمة . والولاء أيضا دائرة توازيها في الحيز وتتدرج معها في الحجم لتبدأ من ولاء الإنسان إلى أول حرف تعلمه من مدرسه في المرحلة الإبتدائية إلى آخر مجلدات فكر قرأها ، هذا ولاء يتطور وينمو بحجم ما يعرف الإنسان ويكتسبه من معرفة . ولا علاقة لأحدهما بالآخر .

لم أكن اتمنى أن يتجاوزني الأمر إلى من أحب وأنتمي، فهذا أمر لا اعذر نفسي فيه، اسرتي وابناء عمومتي أشخاص أحببتهم لاني وجدتهم معي منذ بداية الدنيا يهتمون بي حين أتألم حين احزن ، يفرحون لفرحي ويحزنون لحزني . شيء لا استطيع تغييره حتى لو اخترت …

ولكن ولائي أمر يخصني ، وأن أقف وحيدا في معترك كل تلك الدوائر التي تتنازع الحق بينها ، خير لي من أختار حقا يجعلني أخسر جزءا صغيرا غائبا لدى الآخرين . التكامل في الأمور يحتاج أن نأخذ من كل ( كل ) اجمل ما فيه وافضل ما فيه …

وفي هذه الدنيا وجدت ان القلب أذا كان مكشوفا تعرض لكل مكروه ، لماذا نفتح القلوب ونشيعها ، وهم يشقون عنها ويرون ما فيها حتى لو كانت مغلقة ، لا يحتاج أحد إلى أن تبوح له بشيء ، فهو قادر على أن يرى ما في قلبك بما لديه من قلب . هكذا يعتقدون .. ولا يتذكرون من سأل ” اشققت عن قلبه ” .

كنت احسب الدعاة أشخاص يلمسون القلوب ويغسلونها ويزرعون فيها تسامحا لا انهزامية فيه ، يبثون قوة تنطبع كابتسامة نصر لا ابتسامة خذلان وانكسار . فوجدت كلمات اشخاص تصيب القلوب بالتقزز وتثيرهم وتجعلهم اكثر غضبا وتأججا فأصبحت قيم ما يخلقون في عقول وقلوب الناس ، صراخ وعويل ونحيب لا ينفع أحدا ولا يضر ، أستهلاك للهواء ..

هناك كائنات مهمتها تنقية الهواء لآخرين يتنفسون بحثا عن حياة جميلة . حياة تتساوى فيها القيم الإنسانية بكل ما تحمله من تناقضات .. تلك الكائنات تنقي الهواء تشهقه وتزفره وتعيده نظيفا للآخرين .

ووجدت أشخاصا كالماء في سلاستهم .
لا رائحة لهم ولا طعم ولا لون
كبرادة الوجه والقلوب نعتقد فيهم ، ولكنهم مثل الماء ضروريون لحياتنا .
وجدت أشخاصا يحزنون ويتذكرون أنفسهم ويبحثون عمن يهون عليهم ، ويتفاجؤون بأن الناس مفرطو الأنانية.. وحالما وجدوا شخصا يبكي ويشكي ، أتوا يبكون ويشتكون ويزيدون عليه، حتى يشعر بأنه كان سببا جديدا لآلام جديدة واحزان جديدة .

الكل أناني بطريقة أو أخرى
لا أحد يقف في صف أحد
لا أحد ينحاز لأحد
الكل ينحاز لنفسه
ينحاز إلى ما يحب أو إلى ما يكره ، والموقف يوفر للجميع كل أدوات الانحياز لطرف دون آخر ، والكل يجعل لنفسه موقفا لم يكن قادرا على البوح به أو اختلاقه لأنه لم يكن قادر على تحديد أي شخص هو ، أنانية البحث عن الذات تتجسد في ان يقحم كل إنسان أناه في طريق تشبه بعضا منه ، ويظل الأمر متتابعا متراكما يعتقد فيه اقتراب الوصول ، ولكنه يجد نفسه في فراغ جديد ونقطة دون تصنيف ولكنه يحمل كل أنواع الهويات . هي تلك التي يبحثون عنها هوية تشبه الأرقام في البطاقات ، تشبه الجنسيات في الجوازات ، شيء يقربهم من الـ ( نحن ) الضائعة .

ولا يبقى بعد كل هذا
إلا ( أنا ) اجمع فيها كل ( نحن )

التعليقات

عدد التعليقات على ( أنا ) اجمع فيها كل ( نحن ) : 4
  1. shakir قال:

    سلام عليكم استاذ ابراهيم شهادتي بك مجروحه لاني مومن بعقليتك فكيف بقلمك وافكارك لقد اثرت في تفكيري حتى كزه الكثير نقاشاتي لهم بعد ان تقمصت شخصك الا بالضخامه الجسميه وضعف المساحه الفكريه لعقولهم دمت لي عرابا ومفكرا

  2. إبراهيم العجلان قال:

    إبراهيم سنان …

    أخيراً تكرمت علينا … تعرف يا إبراهيم أنني أحد معجبيك (لا أستحي من ذكر هذا علانيةً خصوصاً أن نهايات هذا الإعجاب معروفة) ههههه

    زدني … زدني
    جميل جداً جداً … أطربتني .

    إبراهيم … تعبنا من صراخ الإسلاميين … ومن غثاء الليبراليين … ومن مبزرة و فلسفة الإصلاحيين … سقى الله أيامك يا رجل.

    ما يعجبني فيك أنك عصي على التصنيف .
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الأفكار أو العبارات التي تروقني … و يسبقني إليها أحدهم … هي أكبر مسبب للحسد بالنسبة لي (ماشاء الله عليك)

    تبدأ : هذا (أنا) ، وبعض مني كـ (نحن)
    و تنتهي بها : ولا يبقى بعد كل هذا إلا (أنا) أجمع فيها كل (نحن). >>>>> رحلة رائعة وقيادة موفقة للنص … بدأت بعقدة ثم ثراء نص وختمت بحل في غاية البساطة و العمق .

    ثنائية ، الإنتماء و الولاء … رائعة .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ابراهيم … من فترة طويلة لم أقرأ في النت شيئاً يروقني … كل ما هنالك يدعوا للضجر … يا أخي مدري له الناس معصبة … و كأن الكتابة النزقة أصبحت موضة هذه الأيام .
    إللي يكتبون مبزرة و بلا أي رصيد في القراءة … يا أخي أزعجونا … نحن بحاجة لـ بعضك .

    تحياتي … أتمنى يكون لنا لقاء مجدداً في الرياض

  3. ” الكل أناني بطريقة أو أخرى
    لا أحد يقف في صف أحد
    لا أحد ينحاز لأحد
    الكل ينحاز لنفسه ”
    تماماً , فالمرء لا يعرف نفسه بإختصار !

  4. البدر قال:

    أستاذ إبراهيم ؛ بكل أمانة انا لا أمل من قراءة ما يخطه قلمك من فكر ؛ وكأني أشعر بأن الفكرة تلد على يديك ؛ تحضر دائماً بصفة (نحن) التي تليق بفكرك ؛ سبق لي أن قرأت هذا المقال مرات كثيرة ؛ وكل مرة أقرءه أشعر وكأنها المرة الأولى ؛ سنبقى نتتبع كل ما ينبع من الـ (نحن) الرائعة وبلا شك المستحقة.

أضف تعليقك

إذا أعجبتك هذه المقالة أخبرنا بآرائك