الأدب الحلال و الحرام المؤدب

الأدب المعني به كمصطلح شائع الاستخدام هو عملية الممارسة اللغوية والإبداعية وما يقترن بها من فنون أخرى كالمسرح والرقص والغناء . وعلى المستوى الحضاري الإنساني المنشيء لكل أنماط التوثيق لسلوكيات وتفاعلات الإنسان العاطفية والعقلية ، هو مصطلح تكاملي وشامل لعملية الاسترجاع والاستعادة للماضي وجعله مادة قابلة للمراجعة والتحكيم واستخلاص ما يمكن الاستفاده منه في الحاضر والواقع بطريقة ترجح المفيد حسب قياسات المجتمع الظرفية زمانيا ومكانيا وما إذا كانت قد شهدت مرحلة سماوية التشريع أم أنها انتقلت إلى مراحل الوضع والتقنين العقلي الإنساني . كما أنها طريقة لتوثيق الحاضر بكل إيجابياته وسلبياته وتركه مفتوحا على مصراعيه لكل محاولة استشراف يمكنها خلق تطور حضاري يقصد في أهدافه الأعم والأشمل الحياة والبناء .

نحن لا نعتبر الأدب مقصورا على المقبول ، وتركه في محل الحكم والقياس حسب الجزئيات الخاصة لكل مجتمع متفاوت في فروقاته وتفاصيله ، بل هو عملية تكاملية تقترن باتساع أرجاء الخلاف لفتح كافة الإمكانيات وتوسيع قاعدة الاحتمالات التي يمكن للإنسان استخدامها في بناء عالم افتراضي ورسم قيم خيالية مثالية تعني بفصل الواقع عن المستقبل وإبقائه قادرا على خلق المفاجأة .

ولو دققنا النظر في الأدب من حيث الاستساغة والقبول ، سنجد أن أهم أركان الأدب عالميا هي كونه شاذا في عملية التقاطه للصور والتفاعلات الإنسانية ، والتركيز عليها بطريقة تثير الفوضى وتجذب الانتباه ، بمعنى أن لولا الاختراق لكل القوانين الإنسانية في معظم الأحوال ، لما كان للأدب مكانة سوى في الكتب التشريعية ، ولكان مغلقا على حدود التعامل السلوكي المسموح به بعيدا عن أي محاولات لاختراق العادة وكسر الأنماط الاجتماعية التي يعتادها المجتمع ويسلم بها .
وحالة الرفض دائمة ومتتالية في كل مراحل الأدب تاريخيا ، ولم يكن الآدب يوما محل قبول عام وشائع باعتباره طريق خلاقة وقادرة على المساعدة في التطور والتحضر الإنساني ، لذلك فهو عملية تكاملية تنشأ رغم الرفض ، بل إن الرفض يجعلها أكثر إثباتا للدلالات التي تحاول تجسيدها من خلال محاولات التغيير والتحدي التي قد تنشأ في عقل الأديب والمفكر . وهذا ما يجعله تكامليا وشموليا في احتوائه لنفسه ، فنجد الأدب سرعان ما ينغلق على مراحله المتوالية ليواد شعورا بأن ما سبق اكتشافه لم يعد محلا للنزاع ويشرع الأبواب لطرق جديدة بحسب الظرفية الخاصة لكل مجتمع وكل حاضر وواقع في حينه .

ولا أجد مبررا يجعلني أستثني أدبا وأعتبره أجمل من غيره لمجرد المنهجية المتخذة فيه ، ورغم الأحكام والقياسات إلا أن الأدب لم يعنى يوما بقبول المسلمات القانونية التي وضعها المجتمع أو نزلت بها الرسائل ، ولو اعتبرنا هذا العنصر في حياة الإنسان لأمكننا أختزال كل الحضارة الإنسانية وثقافتها بالكتب السماوية فلا يصبح هناك أدب غيرها ولا يمكن خلق أدب مثلها .

إن السيء والجيد والرديء والمفيد والحسن والقبيح ، كلها مسميات لا تمنع الاستمرار في الإضافة إلى شمولية الأدب الإنساني ، ولكنها تحتوي عناصر أخرى يمكن البناء عليها من خلال القراءة داخل هذا الأدب وجعله مثالا تتجلى فيه إمكانية اعتبار سلامة الاحكام وصحتها على المجتمع ، ولهذا فالأدب حتى في أسوأ أهدافه ينقلب ضد صاحبه فيما لو كان يقصد به الإساءة ، والسبب في ذلك أنه يطبق نظرية انتاج الطاقة بطريقة التصادم للجزيئات ، وهذا يجعل كل إنسان يفكر بأن الكلمة هي جزء صغير والذهن مفاعل يحركها نحو الاصصدام بكلمات تمثل أفكار أخرى لتنتج طاقة ، ومن بعد ذلك فتلك الطاقة الفكرية والذهنية تصبح خارج عملية التحكم االذاتية ويترك أمرها للمسبب الرئيسي للتفاعلات وهو الإنسان بمجمل تفاعلاته العقلية والعاطفية .

الأدب الإسلامي :

فيما لو اعتبرنا هذا المصطلح مقترنا بضرورة المرحلة الظرفية الخاصة ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، سنجد أن هذا ينفي الامتداد التاريخي المبني للأدب الإسلامي على عنصر اللغة المشتركة مع مرحلة الجاهلية ، ولو جعلنا مصطلح ( الإسلامي ) يتوسع في مفهومه على القياس الخاص بهذه الشريعة وتقييمه لما تطرحه القرائح العقلية الأدبية . سنجد أن المرحلة التاريخية الجاهلية تدخل كامتداد اصلي لفترة الأدب الإسلامي فيما لو تذكرنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .

ولو نفينا حقيقة أن المرحلة الإسلامية كانت مشرعة الأبواب من كل الاتجاهات قادرة على احتواء كل العناصر الظرفية المكانية والزمانية ، سنجد أننا نلغي فترات كبيرة من هذا التاريخ الأدبي لمجرد كونه ثقافة أتت من الشرق أو الغرب الذي شكل توسعا إسلاميا في احتواء المنطقة المعنية به . ولو افترضنا أن الأدب الإسلامي يمنع بالضرورة وجود أي انتاج أدبي مخل بالأحكام الشرعية ، سوف نعتبر كل ما أنتجه ابو نواس قبل زهده غير خاضع للتصنيف ، وما بعده يعتبر أدب إسلامي .

ولكن الأدب كما قلنا لا يمثل في مراحله أي عناصر قياس وتقييم تعتمد على الأحكام الاجتماعية والعرفية والفطرية ، ولا يعتمد على أن يكون مفيدا وصالحا في حد ذاته ، هو عملية تعبير من المفروض أن ينطلق بها صاحبها عن مصارعة الواقع لمجرد الاختلاف عليه ، وإنما لإيجاد استمرارية التساؤل والإنابة عن الكثير ممن يعجزون عن التعبير بنفس المستوى اللغوي الذي يخلص حالات صادقة رغم وقوعها في كثير من الأحيان في مساحات الخيال والتصور المبني على أجزاء مقتطعة من الواقع ومرتبة بطريقة تنافي المنطق المتعارف عليه والسائد .

العرض والطلب :

العرض للأدب هو ما يوقع أشد أنواع الخلاف من ناحية القبول والرفض ، وفي مجتمعات جزئية وصغيرة وذات نمط خاص نجد أن العرض يجد مقاومة شديدة عندما يحاول اختراق ذلك المجتمع ، رغم أنه مباح في مجتمعٍ موازٍ ومقابل ويتكامل مع هذا المجتمع الرافض ، لكن الأدباء في أغلب الأحيان يجنحون للتحدي كمادة مولدة للإبداع ، ويرون أن الرفض زاد يبقيهم في ميزان الندرة الإبداعية ، ولذلك من الطبيعي جدا ان يتكون لدنيا سلوك أدبي وإبداعي نتج عن مثل هذا التطور في الأدب الإنساني .

لكن المشكلة التي يخلقها المفكر والأديب هي عملية تسويغ ما يقوله باعتباره جائزا ومبررا ، وأن الصواب الذي بنى عليه إبداعه مقترن بذاتيته الفوقية وقدرته على اكتشاف جوانب عجز كامنة لدى القدرة الكلية للمجتمع ، وفي هذا تجني من المبدع والمفكر ، لأنه يفترض أن خروجه صدفة ولم يكن في أساسه مبنياً على ما حوله من محيط اجتماعي اقترن به اعتباره شاذا .

ولو أردنا تتبع كل إمكانيات التبرير المحتملة والتي يمكن للأديب والمبدع استخدامها سنجدها تنافي الفكرة الأساسية من وجود التشريعات ، لأن المنطق أداة عقلية تنافي في كثير من الأحيان التصرف الفطري النفسي الذي دأبت الأمم المختلفة على احتواء نتائجه السئية من خلال وضع الضوابط والقوانين .

الحلال والحرام :

إن إكثر الجدليات التي نشأت على أساس هذين الاصطلاحين هما في خلال التشريع الإسلامي ، والذي وجدته مقترنا بتصرفات غير منطقية من قبل المبدعين والمفكرين ، وهي عملية الدخول في تبريرات ترفض حكم المجتمع وتحاول جعل الاتهام براءة مبررة من خلال استخدام نفس القدرات العقلية لمراجعة الثوابت وربما الفروع المختلف عليها ، ولو تفكر الأديب والمبدع قليلا لاكتشف أن المنطق أداة منافية لإمكانية إيجاد تشريع حاكم ومقيم لحياة الإنسان ، والتتبع لمظاهر الإثبات التشريعي للأديان السماوية يجعلنا نتوقف عند خاصية المعجزات التي أثبتت صحة التشريع من خلال إحداث المستحيل ، لكي يتعطل العقل الإنساني عن ملاحقة الأسباب المنطقية ويجازف بانحراف مسار شائع من المفيد بقائه لصالح المبدع كقياس لندرته ، ولصالح المجتمع لإبقاءه متسائلا عن الجوانب الخفية في السلوك الإنساني والمقيدة بالتشريعات .

ومن العبث بما كان أن يتجه الأديب والمفكر إلى تبرير ما ينتجه ليجعله سائغا ومباحا لدى المجتمع ، والسبب في ذلك أن الأمر ليس تهمة بقدر ما هو رفض وإنكار يمنع تكرار الأحداث السيئة ويرجح الصلاح العام في سير المجتمع خلال الحياة . ولو فرضنا أن أحدهم يريد تبرير التعري أمام الملأ ، من السهل منطقيا التقاط اجزاء مبررة ويحاج بها الجميع ، وهي أن كل أجزاء جسمه وعورته هي أجزاء حقيقية والجميع يملك مثلها ، ولكن السلوك العام والتحضر يرفض هذا بالفطرة ، والفطرة ليست محل نزاع منطقي ، وتظل خفية في دفع وتحريك مظاهر المجتمع .

العهر الممكن والعهر المستحيل :

يقال أن حتى العهر يمكن القبول به متى تجمل وقدم نفسه بطريقة تجذب الانتباه ولكنها لا توقع التأثير المباشر ، ولو احتكمنا إلى قياسات العهر على مستوى إنساني شامل ، سنجد أنه يختلف في صوره ، لدرجة أن مجتمعا كاملا يعتبر عاهرا بالنسبة لمجتمع آخر ، يوجد داخله قوانين تمنع العهر وتطلق اتهام العهر على أقصى الحالات التي تنشأ داخله ، ومن السخرية أن ينطلق المسلم مثلا في حكمه على مجتمع كامل بالعهر ، ليكتشف أن ذلك المجتمع أيضا لديه قياسات مختلفة لهذا العهر . وهذا ما يجعلني أتسائل هل الأديب مسؤول عن ما يحيط به من قياسات كي يدافع عن نفسه ويرفع من قيمتها وهو يعرف في الحقيقة أنه اخترق أقصى القواعد وتجاوز الخطوط الحمراء ، أم أنه في حالة من النشوة تجعله ينسف بكل القيم المتعارف عليها لمجرد خلق مساحة خاصة به يضم إليها المعجبين به ، مع أن شهرته التي تحققت هي المساحة الكاملة لإبداعه وأدبه الذي انتجه ، سواء كانت شهرة سيئة أو حسنة .

وما استغربه أن العقل والفكر يمكن له أن يخلق عهرا فوضويا بعيدا عن خصائص وتفاصيل الجسد وما يرتبط بها من مظاهر جنسية ، والكثير من الأفكار قد تسبب عهرا في الفكر الإنساني يجعله يشطح نحو جوانب هدامة ومضرة بالتطور والتحضر الإنساني ، لكن العهر ارتبط فقط بهذا المفهوم ولم يتجاوزه نحو شأن ذي قيمة عقلية لا جسدية . ولو راجعنا بداية الخلق والتكوين سنجد أن الإنسان أغفل المفهوم العقلي في قصة نزول آدم عليه السلام إلى الأرض وارتكز على التأويل حول المؤثر الذي أنتج الحدث ، وهو أن أكل الشجرة أدى إلى انكشاف العورة ، لكن الفكرة العقلية هنا أن التجاوز هو الذي انتج العورة رغم أنها لم تكن ذات مفهوم واضح وصريح ، والشعور بالذنب الناتج عن هذا لم يكن سببه معرفة حدود العورة وتفاصيلها ، ولكن بسبب الخيانة الناتجة عن عدم الالتزام بالأمر وتجاوزه عن طريق الاستجابة للمثيرات والإغراءات .

يجعلني هذا الأمر أتوقف عند خلق تعاريف العهر ، لأجدها تنساق في سطحية الفهم الإنساني مما يجعلني أبرر توافد الشرائع السماوية في محاولة لتقنين هذا المفهوم وتجاوزه نحو أمور عقلية ذات إنتاجية أهم لحياة الإنسان ، وبعكس ما يعتقده بعض الأدباء من أن تسليط الضوء على هذا الجانب هو ما يخلق التفاعل ويحرك العاطفة والتفكير ويطلق لها العنان في حين أنه يعيد تقييدها في سطحية هذا المفهوم الذي لم يكن سوى مؤثر لحدث أعم وأشمل في مفهومه من مجرد كشف العورات والانسياق وراء الأوصاف التي تزيد في التفاصيل نحو النواة حتى يكاد يختفي الكيان كاملا ، في حين أن ما يقوم به الإنسان من اتباع للغرائز يقترن بالمحافظة على النوع كعامل ثانوي وليس رئيسي .

الأدب الحلال :

الحدود متفاوتة بحجم الخلافات التي نشأت خلال تطور الدولة الإسلامية وما فيها من تفرعات كان للبعض من الفقهاء فيها مراجعات كبيرة وواسعة على الأدب وأصنافه ، ولا اعتقد أن هناك أمرا جديدا لم يتطرق له الأدب القديم سواء بالكيفية أو الكمية التي تحد جوانب التجاوز من عدمه ، لذلك كان الأدب الحلال مفهوما بسيطا في اعتباره الأصلح لتقبل واستساغة العامة من الناس دون المزايدة على ضرورة الخروج عن المألوف لخلق أدبٍ مغايرٍ يمكن إنتاجه بطرق أقل إثارة وفوضوية مما يمكن للتجاوزات خلقه ، ولو لاحظنا أن الأديب الذي يبالغ في المؤثرات السطحية والهامشية والتي تحاكي العاطفة والغريزة ، يشل انتباه القاريء والذي الهدف المستفيد من الأدب ، ويجعله مقيدا باتجاه بؤرة بسيطة حتى الطبيعة تثقف الإنسان بخصوصها كما تفعل للحيوان . في حين أن العقل أكبر أداة يمكن التركيز على إثارتها نحو العمق الحقيقي والذي يحتوي على كل الإمكانيات الخلاقة بعيدا عن مسائل التزاوج والجنس التي هي مرتبطة بكونها آلية محافظة على النوع ، وليس العكس وهي المحافظة على النوع من اجل الجنس ، واقصد بالنوع هنا الإنسان . لذلك يمكن للطفل الصغير خلق مفهوم واضح وصريح عن الأدب الحلال ، وهو ذلك الذي لا يقترن بكشف السوءات وإثارة الممنوع ، حتى أن الكثير من الأشخاص الذين يهتمون بذلك النوع من الأدب لا يختلفون على كون ممنوعا ، كما يتفق الجميع على أن المخدرات مخربة للعقل ، ومع ذلك قد تجد من يتعاطاها رغم معرفته بنتائجها ، ولا يحاول تبرير فعلته ولا يحاول رفع قيمتها لتصبح من القيم الثابتة والمباحة داخل المنظومة الاجتماعية ، وقد تجد رجلا يدخن ولكنه يحذّر أبناءه من التدخين ، هذا الأدب الحلال لم يكن يوما مقترنا بالكثير من الفقهيات لدى العامة ، بل منتشر بالضرورة الفطرية الناشئة داخل كل كائن إنساني ، يستطيع فهم ماهو مباح وغير مباح .

الحرام المؤدب :

يقال أن الحرام يمكن شرحه والإسهاب فيه بهدف التعليم ، وهذا مبرر يؤخذ له في عدة اوجه مثل لا حياء في الدين ولا حياء في العلم ، فهل يمكن القول ولا حياء في الأدب . ؟

إننا هنا نركز على الجانب الآخر من التساؤل ؟
الدين
العلم
الأدب

ونعترف بصحة الجزء الآخر دون تدقيق والذي يصبح رسالة ذهنية مستقرة وصالحة للاستخدام في أكثر من مناسبة وهو ( لا حياء ) .

فهل يمكن خلق حالة من اللاحياء ، هنا التساؤل الحقيقي ، هل يمكن لأي إنسان مهما كان المبرر أن يعتبر هذه الجملة قابلة للاستخدام حرفيا بحيث تطابق حقيقة الوصف اللغوي لها داخل الطبع الإنساني ، هل يمكن للإنسان أن ينتزع الحياء لمجرد أنه يشرح او يكتب او يمارس أمرا في الدين أو العلم أو الأدب . هذا الأمر مشكوك في صحته ، وإنما تم إطلاق هذا النداء كعامل جذب يقلل من حجم المشكلة التي قد تحدث في حال أن الجميع لم يستطيعوا تجاوز الحياء للحظات من أجل تحقيق مصلحة وفائدة اهم واعم ، وهذا ما يجعله نداء خاضع للضرورة ولا تخضع الضرورة له ، بحيث أنه لم يعد يعتبر قياسا حاكما لأن الدين والعلم والأدب أصبح شائعا والإقدام عليه لم يعد مقترن بالخطوط الحمراء الكثيرة التي كانت ولم تعد الآن ، وهذا ما يؤهل رؤيتنا لهذا المصطلح على أنه وقتي وظرفي حين كان الناس يركزون على الحياء لدرجة تعطيل جوانب دينية وعلمية وأدبية ضرورية .

ولا اعتقد أن حتى أولئك الذين يمارسون الأدب أو العلم ، يستجيبون بشكل كلي لهذا المفهوم ، إنما يرسلونه بطريقة عرض مؤدب يجعل المجتمع يتقبل عملهم وأدائهم باعتبار أنه ضرورة لا يمكن للجميع ممارستها . ولكن ما يحدث الآن أن الناس تأخذ بهذا كمبرر وتقيمه حدا لصلاح كل الأفعال المتجاوزة لقياس الفطرة الطبيعي لدى الإنسان المتحضر والمدني بطبعه .

الحب
أهو الوسيلة أم الغاية :

الحب مفهوم كبير وربما يصعد ليصل مرحلة اعتقادية ، ولكن علينا أولا النظر فيه بشكل أعم واشمل من المتعارف عليه في التناول المطروح أدبيا والشائع في معضمه كعلاقة بين رجل وإمرأة أو ما يعرف بالعشق .

ورغم أن الحب أخذ مكانته في الأدب الإسلامي ليصل لمراحل اعتماده عنصر تبنى عليه العقائد تحت المظلة الإسلامية ، كالعقيدة ( الصوفية ) وربما تم شرحه في مستويات ودرجات ترفع من القيمة المعتبرة له كعنصر محرك للمجتمعات تجاه الحياة وما فيها من علاقات إنسانية متداخلة ومتشعبة دون تخصيص ضيق النطاق على مسألة الحب الوارد في أدب الغراميات .

والشمولية في الحب أنه شعور تم تجاهل مكانته واختزالها في جوانب صغيرة ، رغم توسعه إلى نطاقات أرحب وأوسع في تأطير العلاقات الإنسانية ، والتي منها حب الأم وحب الأب والأخوان والأصدقاء والجيران وحب الوطن وحب الانتماء وحب الأرض وحب حتى الأشياء المادية والطبيعية اوالتي لا تعتبر عنصر إنساني متفاعل بطريقة مساوية لما يكنه الإنسان من شعور ( الحب ) كحب البحر والصحراء والزهور والعصافير .

ولو اعتبرنا الحب عقيدة بحد ذاته .
لوجدنا أن كل القيم والممارسات المقننة شرعيا أو اجتماعيا تتجه لبناء الحب داخل المجتمع واعتباره قيمة سامية تؤهل الفرد كعنصر فعال ومنتج للخير ، وفي هذا يتوازى الحب مع الخير في أليات الطرح الأدبي والثقافي والتي يمكنها اتخاذه كهدف وغاية تتجه نحو الانتشار بين بني الإنسان .

الخير في تناقض مع الشر ، والحب في تناقض مع الكره ، والكمال هنا يتحقق في توازن هذه المتناقضات بما يجعل الأداء النفسي والعاطفي للإنسان يسير في خط مستقيم لتحقيق قيم أخرى مثل السلام والتآلف لخلق بيئة بناء وإعمار تبدأ من أصغر الوحادت وهي الفرد مرورا بالأسرة حتى المجتمع الإنساني العالمي .

لكن الاهتمام بمفهوم ( الحب ) اقتصر على أساس الرابط الأسمى والأقوى بين الرجل والمرأة لخلق كيان مترابط ومتقارب يؤسس لوجود فرص أكبر في تكوين وحدات البناء الإجتماعية وهي الأسرة . وفيما عدا هذا فإن الحب بعد ذلك يصبح عبثا بلا نتيجة سوى التعاطي كنوع من المشاعر المؤقتة والظرفية التي يعبر بها الإنسان خلال مراحل حياته دون هدف ذو قيمة أشمل تسعى لتحقيق غايات لا تعتمد على عنصر النظرة البسيطة المتعقلة بتعايش رجل وإمرأة فقط .

ومع الوقت أصبح التدقيق في هذا المفهوم عملية مؤججة للعقل الإنساني في محاولة منه لفهم طبيعة هذا ( الحب ) وانطلق يعبر عنه مستخدما اللغة ، وهذا ما جعل أغلب الأدب تطور على تصوير الغراميات التي يبثها الادباء والمفكرين ، ووالتدقيق والمثابرة في خلق تفاصيل مؤثرة وأقرب للنفس تشرح المعاني الغائبة عن الإدراك الإنساني المحدود والذي يتأرجح في معظمه على العامل الفردي كنوع من الأنانية المنطلقة في خلق الذات المتفردة في التعاطي لهذا ( الحب ) وخلق التجارب المستحيلة وربطها بالتطورات التراجيدية والمأساوية لتوضيح الجانب المظلم المرافق لهذا المفهوم ، ولو فرضنا أن كل قصص وأساطير العشاق التي سمعنا فيها في الإلياذات والمعلقات والقصائد والقصص والروايات ، انتهت بالزواج والاستقرار وانتفاء عامل المغامرة والصراع مع ظروف المجتمع وقيمه ، لوجدنا أننا نخسر كمية كبيرة من المخزون التاريخي الأدبي ، والسبب في ذلك ، أن الأدب يعتبر يتجاوز التفاعلات الإنسانية الممكنة والتي يمر بها الإنسان دون مقاومة له من قبل الظروف الزمانية والمكانية المحيطة به ، لنجد الأدب تصوير لأقصى حدود المستحيل وأقصى حدود التطرف في هذه العلاقة بين الرجل والمرأة كعامل جذب للانتباه ، ولكي يكون أساسا وهيكلا يتم من خلاله تناول مفردات الحياة الأخرى التي تتراكم مع هذا المفهوم في فترة الصراع المتجه بكل إمكانيات الإنسان العقلية والعاطفية للحصول على الجائزة النهائية وهي الاقتران والاستقرار .

لذلك أصبح الأدباء والمبدعين يميلون للصور المتطرفة في العلاقات الإنسانية لكسر حاجز الركود العاطفي والعقلي لدى المتلقي ، وإنارة الزوايا المظلمة في ذهنه عن طريق شحنه واشعال عاطفته وتفكيره بإضاءات قوية ومتطرفة لأقصى المشاعر الإنسانية ، وهذا الأمر أصبح مجالا أكبر في خلق حياة منفصلة عن الواقع والابتعاد بالإنسان عن رتابة الحياة التي يؤخذ بها بني الإنسان في محاولة منهم لكسب أفضل الظروف المعيشية ، فيكون الأدب هو العالم الخيالي الذي يرون أنفسهم فيه كشخصيات بطلة وقادرة على رؤية إمكانيات أخرى أكثر إحباطا أو أشد تفاؤلا مما هم عليه .

في إحدى محاضرات الخاصة بأدب القصة والرواية ، كانت الأستاذة التي تلقي المحاضرة محجبة وعليها مظاهر الالتزام التي جعلتني أتسائل كيف سيكون تعاطيها مع هذه المادة وهي مليئة بالصور الفنية المتجاوزة من خلال ما تعرضه من أمثلة للقصص والروايات العربية . لقد كان المنهج أشبه بسلسلة من القراءات البشعة التي كنت أتحرج من سماعها على لسان تلك الأستاذة ، ورغم ذلك كانت تقف أمامنا بطريقة الإنسانة المتجردة عن رأيها الخاص منطلقة نحو تلقين معرفة عامة خاصة بالجميع على تفاوت أنماطهم الفكرية . لم تكن تقدم دلائل تشير إلى الخطأ ، وفي المقابل لم تكن تقدم ما يشير إلى صحة ما يكتبه الأدباء ، تقدم المادة بطريقة حيادية تجعلنا نحن المقررين لصلاح الأفكار أو عدم صلاحها .
وفي إحدى المرات عندما توسع النقاش مع الطلبة بخصوص قصص الغرام والعشق المتراكمة في الأدب ، ارتسمت على شفتيها ابتسامة وهي تستمع لـمجموعة من الطالبات اللواتي عبرن عن رأي يجنح للعاطفة واعتبار الحب مفهوم يجب أن لا تنكره المجتمعات مهما اختلفت عقائدها وقيمها . تلك المجموعة تميزت بالتحرر الواضح في مظاهرهم ، اللبس والكلام والسلوك ، لم يكن يبدين سوءا يستحق منا الإنكار المطلق ، ولكنهن يعتبرن غريبات على مجتمع عربي ومسلم رغم حرصهن على إبداء ذلك الإنتماء وعدم تقبل النبذ والإقصاء من أي مشكك .
في الجهة الأخرى من القاعة وعلى سلسلة بعيدة من الكراسي تواجدت فئة أخرى من طالبات محجبات ومنقبات ، لم يكن يشاركن كثيرا ، ويكتفين بالكتابة المستمرة لكل كلمة تتفوه بها الإستاذة . لكنهن ناقشن بكل قوة في تلك المرة وأبدين رأيهن بكل صراحة جارحة للآخريات ، تطرقن عن الحجاب والنقاب في المجتمع الإسلامي .

وبالطبع كنا نحن الرجال نتفرق صامتين وكأننا نحضر محاكمة خاصة يديرها النساء ، بعض الفتية مارس الإثارة ، وآخرين التشجيع لمجموعة على حساب الأخرى .

السؤال الذي أثار كل هذا هو : أيهن أجمل قصص الغرام التي تنتهي بالزواج أم تلك التي لا تنتهي به ؟

ما لاحظته أن الحديث خرج من دائرة الأدب المطروح كمادة للنقاش والدراسة ليصبح تعبيرا عن الواقع ، ولم يعد الكلام مجردا من مواقف ذاتية وخاصة بكل شريحة ، بل تجاوز الأعمال الأدبية ليصبح شأنا اجتماعيا يحاكي الكثير من الأسئلة الكامنة في أنفس جميع المتواجدين .
كان لي مشاركة ألحت عليها الأستاذة الكريمة ، رأت فيني عنصرا محايدا بطريقة عدم انتماءه لأغلبية الحضور ، شعرت بتحفيز مبطن لسؤالها الذي كررته تجاهي بطريقة تريد منها إجباري على الحديث والمشاركة .
لم أرد التدخل في شؤون اجتماعية ربما تضعني في موقف الرجل الناقد لمجتمع لم أنشأ داخله ، واتخذت سياسة : يا غريب كن أديب . اتجهت حينها إلى المادة المطروحة في الكتاب والتي كانت تعرض مسرحيات شكسبير كمثال أجنبي وكذلك بعضا من قصص الغرام العربية والعذرية _ كما وصفها الطلاب _ مثل قيس وليلى .
وللخروج من مأزق فرض رأيي ، اخترت أن أجيب على السؤال بسؤال :
لو تزوج روميو جولييت ، وقيس تزوج ليلى ، بعد أول لحظة اشتعل فيها الحب بينهم ؟ هل كنا سنقرأ هذه القصص وما فيها من مغامرات ومآسي لخصت مراحل العذاب والشوق ونتائج الفراق والصراع ؟

وجدت أن عزل الأدب حين يتطور ليكون أسئلة تعكس جوانب متشابكة في واقع القراء ، فإنه يصبح مثيرا للجدليات التي ينسى الإنسان حتى مع نفسه أن ظروف ما يقرأه ربما تكون خيالية ، لذلك من الصعب خلق أفكار متجردة وحيادية تعزل الإبداع الأدبي وتجعله محاصرا في الصفحات ، نحن حين نقرأ ، نحرر تلك الكلمات ونجعلها صورا تكتمل بكل ملامح الواقع الذي نعايشه ، ونصبح مأسورين بها لدرجة التقمص .

عقيدة الحياد :

إن البقاء على خط فاصل بين التهمة ونقيضها يجبرنا على إعادة التفكير بعناصر المحاكمة الادبية المطروحة للنقاش ، هل من السهولة بما يتضح لنا من ممارسات أن نكون حكم مطلق يتوج بنتيجة نهائية تعبر عن رأي عام يحتويه القراء بشكل عام ، أم يجب علينا مراعاة عوامل أخرى تشرح خصائص كل مجتمع بما توفر لدينا من معلومات تاريخية عن طبيعة تكوينه كمحيط منعزل بحد ذاته عن ما يحيط به من عناصر مشتركة توقعنا في مازق التحكيم تجاه المقبول وغير المقبول .

إن الكاتب كأديب او مفكر ؛ يعتبر حالة خاصة تعبر عن مجموع أقصى العناصر المكونة لادبه وفكره في مجتمع يخضع إلى حقيقة التراكم الاجتماعي الذي خلقته عوامل لا يمكن لنا عزلها كعناصر خاصة تبقي الأحكام بعيد عن عناصر مشتركة تعتمد على أصول عامة من الالتزام بالمنظومة الدينية أو الاجتماعية التي ترفض الخروج عن أطرها وتدين كل من قام بذلك بالنبذ والإقصاء .

( المشتهون المستحون ) :

أقطن في مبنى سكني وتجاري في نفس الوقت ، ومن محاسن هذا الشيء _ رغم كثرة المساويء الأخرى _ أنني اكون في موضع ملاحظة دائمة لزوار هذا المبنى ، وعند متابعة التصرفات الإنسانية نجد أنفسنا أمام خليط معقد من التنوع الفكري والثقافي ، ونرى من قرب كيف يتصرف الناس بظاهرية مبتورة الأصول لمجرد المحافظة على عناوين رئيسية مثل ( عربي ) و ( مسلم ) .
في الدور الأول من هذا المبنى ـ يوجد محل ( كوفي شوب ) غريب ، له صفة التحول الليلي التي تمارسها كائنات الدراكولا الليلية ، في النهار هو مقهى عادي يقدم الوجبات السريعة واقهوة والشي والأرجيلة ، ولكنه في الليل وبعد الساعة العاشرة أو في نهايات الإسبوع يتحول بقدرة قادر إلى المرقص ( الخجول ) ، مطرب وبعض الراقصات غير الموظفات بشكل رسمي ، ولكنهن يحضرن كزبائن بنسب ما يجرونه ورائهم من لاهثين وراء المتعة .
أحد الأصدقاء فرح كثيرا لسكناي في هذا المبنى ، وفي فترة التنقل الموسمي للطلبة والسياح ، وجد لنفسه فرصة مبرر كافي ليكون ضيفا علي ، وفي تلك الفترة لم أكن بحاجة إلى عقل آخر قريب مني ، بالكاد يستطيع الإنسان التعامل مع عقله ويحاول تهدئته بإجابات وهمية أو منطقية وعقلية ، وأسئلة كثيرة تظل عالقة في الذهن تنتظر على هامش المحذور خوفا من الزلل إلى طريق شائك ومظلم من الوساوس .
مارست مع صديقي جدولا سياحيا لمدة إسبوع ، الخروج صباحا والنزول إلى ذلك المقهى وطلب الأرجيلة بالنعناع والليمون والشاي أو القهوة ، ومن ثم رحلة على القدمين نحو الجامعة أو السوق المجاور ، نحسب أنفسنا نتفرج على الناس ، ولا نعلم أننا ( فرجة ) و ( ببلاش ) لآخرين يرون في سمرتنا الغريبة إطارا يختصر عليهم مشقة الذهاب إلى أوطاننا .
نحن نشكل كل تلك التناقضات التي نتركها وراءنا ناقدين لها ومنتقدين ، نمارسها بإسلوب جديد ونعتقد أنها رحلت ، ومن ذلك الانتقاد لكل مظاهر سيئة ، صديقي مازل كل صبح يذهب معي يخبرني عن تلك التي تجلس هناك على الطاولة ، وكيف انه شاهدها ليلة البارحة بلباس غير محتشم ، ويخبرني عن آخر يجلس على زاوية متوحدا بمحموله المزود بخدمة البلوتوث ليراسل أقرب اشهى الأسماء التي تظهر على شاشته .
يمارس ذلك بنوع من الامتعاض ، وكأنه ويتبع كل ما يشرحه بطريقة المنكر لما يحدث ، ولكنه مازال يحضر ويتابع ، وكأنه ادمن الانكار في قلبه كأضعف إيمانه الذي بدأت أشك فيه لولا محافظته على صلاته .
يطلق ألقابا سيئة ، ينظر باحتقار ، يهز رأسه امتعاضا ، ونظل في كل يوم نسير في رحلة متقلبة بين ما يراه ليلا في نفس المقهى وما يراه صباحا .
ومازال يذهب إليه كل ليلة في نفس الوقت ، وتطور الأمر أنه أصبح يجمع بعض الأصدقاء ليريهم تلك المظاهر السيئة ، ويحدثهم عن إشاعات التقطها من عمال المقهى ، وأخبار عن بعض الزبائن ، ويهز رأسه ويلوي فمه وينظر شزرا ، ويعود مرة أخرى .
تعودت رؤيته كيف يناقش العاملين في المقهى عن تلك الأمور الخبيثة ، كيف لهم أن يقدموا القهوة صباحا وبعض من المسكرات الخفيفة ليلا ، كيف لهم أن يفتحوا أبوابهم لطلبة الجامعة في النهار ، وفي الليل يفتحون اذرعتهم لاستقبال طالبي المتعة والشهوات .
اوشكت الفترة على الانتهاء وذلك الصديق مازال يداوم في عمله وملاحظاته ، حتى اتى يومانهمرت عليه بسيل من الأسئلة : لماذا تأتي إليه ليلا ، ولماذا تختل في الحدث المنكر لكي تنتقده ، هل تحتاج إلى مشاهدته عن قرب حتى تؤمن بسوءه ، أليس بالإمكان أن يدفعك أول انطباع للابتعاد ، هل تعتقد أنك تؤدي عملا مهما أو وظيفة مهمة للمجتمع بدوامك اليومي ومراقبة هؤلاء . ربما خسرت من الوقت ما امكنك استخدامه في شيء أهم وافضل واصلح ، ما دورك في كل هذه اللعبة ، لم يجاوبني كثيرا ، وبدت لي عينيه كأنهما تصارعان من أجل البحث عن إجابة في ظلمات عقله ، يقلبها للأعلى تارة وللجوانب تارة أخرى ، يتجنب النظر إلي . ثم انطلق في تبريرات كنت استمع لها واتركها تعبر إذنا نحو الأخرى ، حدثني عن وقت الفراغ وعن الملل وعن ان هذا المكان هو أهون من أماكن كثيرة ، يحاول إشعاري بالامتنان تجاه تصرفاته لأنه لو لم يفعل ذلك _ بزعمه _ لذهب إلى أماكن أشد سوءا ن وربما وقع في المنكر بنفسه .
وبعد أن وجد نفسه يبرر بطريقة تشير إلى أنه شريك في هذا الذنب الذي يحوك في نفسه ويحاول اشباعه بالانتقاد ، وكأن في قلبه طفل صغير يحاول النفلات وهو يمارس له عرض سيئات ما يمكن أن يحدث فيما لو خرج ومارس شيئا منها . انتهى حديثه ومازال ضميره يتآكل ، يشعر بأنني أحاول اتهامه بالسوء ، يتهرب من شيء هو يهرب إليه ويعنون له بطريقة معاسكة لما يمكن أن نفهم .
وفي لحظة ، انطفأ وهج ذهنه المحارب والمدافع ، ليعترف بشيء بسيط ، ويقول : أنا يا صديقي مشتهي مستحي . يضحك على هذا التعبير ولكنه حقيقي ، عيناه التي تنتقد إنما تتعاطى المهدئات لتملأ خياله بالنشوة ، يمارس بعضا من الذنب مع نفسه ويحفز ذلك بمتابعة صوره المنتثرة حوله .
يذكرني بأنه لا يفعل ذلك وحده ، كيف يجتمع الرجال على جهاز التلفاز ينتقدون تصرفات المغنيات ، وبينهم ريموت الكنترول ولا أحد منهم يمسك به ليغير القناة ، يحدثني عن السيدات اللواتي يجتمعن في جلسات غيبة مركزة لتصرفات نساء أخريات ويعدن يطالبن بشيء من ذلك لأنفسهن بقول : ( أنا أهون من غيري ) . كم تخبر عن حجم الباطل الضخم الذي كان بإمكانها أن تمارسه ، لكنها تريد باطلا من نوع ( العينة ) لتعتبره حقا صغيرا في المقابل .
المشتهون والمستحون
هم أشخاص في كل مكان ، تجدهم بين طيات الكتب وعلى صفحات الانترنت ، يمارسون التتبع والانتقاد وييتجمهرون حول الأمور السيئة ليجعلوها ظاهرة مهرجانية ، تجذب انتباه أولئك الذين لم يشاركوا بعد ولم يطلعوا .
في كتب الأدب يمكن لأي إنسان أن ينزوي في ركنه ويقرأ ما يريد ، ولكنه حين يخشى على نفسه يصرخ بصوت عالي جدا ليخبر الجميع عن مدى اقترابهم من نفس النية السيئة التي خالطت ضمائهم .
وربما البعض الآخر ، يقول لنا أنه يستحي مما يحدث ، ولكنه يشتهي بعضا منه ، لذلك يجد لنفسه طرقا أقل سوءا في ظاهرها وبنفس فداحة النية في باطنها ، كمن يكره حديثا جنسيا فاضحا بين رجل وإمرأة ، ليعود ويصف حديثا حميميا بين قمر وشمس .
وفي كل ذلك أدب
وفي كل ذلك إنسانية
ولكن الحياء الزائف يجعلني أفكر قليلا في صديقي فيما لو أنه حصل على طاقية الإخفاء ، ماذا كان سيفعل . ربما ذهب إلى نفس المقهى ليلا ومارس ما ينتقده دون أن يشعر بأنه بحاجة للحضور ومن ثم العودة غدا ليقول أنه ذهب ليرى المشكلة ويصفها لنا .

المشتهون المستحون .
أشخاص يرفضون الشهوة الخالية من الحياء .
ويمارسونها برداء شفاف قابل للتأويل حسب النوايا .
هم الأصلح في نظرنا ، ولكنهم قد يكونون كدبيب النمل الأسود على صفاة سوداء في ليلة حالكة السواد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *