مزرعة بوش

الاستسلام للمصلحة هو الضرورة التي تحافظ على بقية الضرورات ، والانتظار حتى عودة المنحنى إلى أعلى ذورته هو العمل الجماعي الذي يطالب به الجميع . هذا ما فهمه الرئيس الراحل أنور السادات بغض النظر عن رأي العرب فيه ، وكان قراره المصيري والذي اعترض عليه وزرائه ، وهو الحل الذي اخرج مصر من مأزق الشعارات القومية التي قادت مصر إلى حروب غير متكافئة الأطراف . ورحمة الله على جمال عبدالناصر الذي كان حلمه اكبر من إمكانياته ولو انتظر قليلا قبل المبادرة بتحقيق حلمه لكان له ما أراد .

معاهدة كامب ديفد هي المعاهدة التي اخرجت مصر من عنق الزجاجة ، فلقد كانت حديثة عهد بالاستقلال وهذا ما جعل الأمور تتسارع بطريقة أنتجت عنها الكثير من الفواجع والكوارث ، وكان الحل الوحيد لها القمع في مرحلة معينة ، والتفاوض في مراحل أقل توترا ..

عندما تقاذفت الأقدار بالراحل رحمة الله عليه ياسر عرفات ، من بلد إلى آخر بحثا له عن جبهة يستطيع من خلالها الحصول على أرضية ينطلق منها نحو المقاومة والتفاوض حول حقوقه بورقة المقاومة ، وعندما أراد أن يكون السلام تبادلي بين طرفين لا مفروض من جانب آحادي ، اضطر للذهاب وحيدا إلى أوسلو . ورغم محبتي واعجابي بالراحل ادوارد سعيد والذي كان من المعارضين لاتفاقية أوسلو ، إلا أنني وجدته مخطيء في هذا الاعتراض ، والحق يقال ، استطاع ياسر عرفات رحمه الله ، أن يكون أرضية صلبة للمقاومة أقلقت الدولة الإسرائيلية ، واستطاع الحصول على الكثير فيما لو قارنا ذلك فيما قبل أوسلو . .

إذن السلام هو استراتيجي ، يضمن الحصول على قاعدة صلبة وأرضية ثابتة للنمو نحو تحقيق الهدف ، وإنكار الازدهار الذي حصلت عليه مصر بعد معاهدة كامب ديفيد يعتبر انكارا مجحفا في حق الواقع والمنطق السليم . ونمت مصر بهدوء ومازلت تنمو اقتصاديا .

والسلام هو الذي جعل الدولة الفلسطينية أكثر ملامسة على أرض الواقع منها على الورق ، وخروج جميع الأطياف السياسية الفلسطينية إلى سطح الساحة ، وأصبح بالإمكان رؤية الشعب الفلسطيني تحت قناعات متحدة ورأي ثابت وإن اختلفت توجهاته الفكرية ، وقبل ذلك كان فقط هناك منظمة التحرير الفلسطينية ، والآن فلسطين والشعب الفلسطيني .

ورغم كل ما يبدو لنا ظاهريا كشعوب عربية انتقادية بطبعها ، إلا ان ما نحن عليه هو أفضل مما كان مخبأ في القدر . ولو اطلع الناس على القدر لاختارو ما هم فيه ، هذه حقيقة يجب التاكد منها في خضم التدرج ضمن خطوط المواجهة والتصدر الاسلامي عبر قوانين التداول والتغير والدفع .

وأصبحت إسرائيل واقع معترف فيه منذ أن تم الجلوس معها في مفاوضات في مدريد ، وقبلها في كامب ديفيد ، فالمفاوضة تعتبر اعتراف ضمني بمن أمامك وأن لديه اوراقه التي يمكن له كشفها متى احتاج إلى ذلك .

فكرة التطبيع مع إسرائيل فكرة يعترض عليها الجميع ، ولكن يجب ان نضع حدودا واضحة بين التطبيع وحالة السلام . وكلمات مثل سلام الشجعان لن تغير من واقع السلام شيئا ، فهو هدنة تساعد على الاستقرار وفي خلاله يمكن البحث عن مخارج أخرى واكتساب اوراق يمكن النزول بها مرة أخرى متى دعت الحاجة إلى ساحة المفاوضات والمساومة .

ونلاحظ ان الجميع من حولنا قد رضخ لواقع نرفضه ونعيش فيه منذ اكثر من خمسين سنة . وظلت جميع الشعارات وجميع العبارات تتردد على مدى ثلاثة أجيال في أقل تقدير ، دون الخروج بأي فائدة حقيقية ، فيما استطاع الطرف المقابل تعزيز موقفه على مر السنين .

وكانت المواقف الفردية التي خرج بها أشخاص اعتبروا الجهاد عمل خاص يمكن لأي شخص القيام به دون المجموعة كاملة ، فزاد ذلك من سوء الموقف ، وشتت القوى التي كان يمكن لنا تجميعها وتركيزها في عمل جماعي قادم وعدنا الله به ، وبذلك نجد ان معاهدة السلام هي عملية اكتساب مصالح ذات فوائد مستقبلية.

والتغير امر وارد في جميع الأحوال ، ولن يستطيع احد أن يؤخر علامات الساعة وأشراطها ، وكل ما لدينا هو النصح واستمرار التوجيه إلى خطورة الوقوع في الخطأ خلال هذا الوقت ، إذن كل ما علينا هو محاولة الحصول على اكبر قدر من المصالح ، مع الاستمرار في مسيرة التنبؤات والتوقعات ، والعمل على تحييد كل العناصر المماطلة والمؤججة لمخاوف لا يمكن لأي أحد فرض القيد عليها ومنعها إطلاقا ، فيكون اهون الضرر باختيارنا اهون من الضرر كله غصبا علينا .

السعي وراء اتفاقية دخول المملكة العربية السعودية ضمن منظمة التجارة العالمية ، ليس استسلاما كما يراه الكثير او يحب أن يسميه المعارضين في كل حكومات العرب . بل هو إرادة كبيرة وتوجه نحو المصلحة التي يمكن لها أن توفر قدرا كبيرا من الإمكانيات ، فالانفتاح على الطرف الآخر وإحتوائه هو الحل المتبقي الآن بعد أن ادرك الجميع أن التحصن وإغلاق الأبواب سوف يؤدي في النهاية إلى نفاذ كل المخزون الاستراتيجي والسقوط دون ادنى قدرة على المقاومة ..

العالم الآن لم يعد يتعامل في ظاهره ضمن سياسات التوجه الديني والعرقي ، وإن كان الامر يسري في الخفاء وفي باطن النيات السياسية للكثير من الدول ، إلا أن التعامل بظاهر الأمور يضمن لنا أيضا المحافظة على نياتنا والعمل عليها بتكتم . ولم نعد كما يشاع بين الجميع أمة واحدة تتحد مصالحها ، لأن المصلحة الدينية ضمنها الله سبحانه وتعالى بأن وعد بنصر هذا الدين ، وان يبدل اقوام بأقوام عندما يتم خذلانه . إذا المصلحة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية متفاوتة إقليميا بحسب القرب من خطوط المواجهة . وهذا الذي يستعر بمارج النار ليس كمن يتدفيء هناك بعيدا عنها . لذلك توجب السعي الفردي ضمن قوالب المصلحة الوطنية ، كممثلين لأنفسنا لا لغيرنا ، ومحافظين لواجباتنا تجاه الآخرين ، وتكون المصلحة العامة خارج التفاوض ، وهي التي سوف يتم رفض أي تنازلات تجاهها .

والفوائد المجتباه من هكذا اتفاقية كثيرة جدا ، وذات مردود ذا قيمة مادية لها تأثيرها على توازن القوى الاقتصادية والتي اصبحت قوى استراتيجية محركة . ويكفي أن نرى الصين كيف هددت أمريكا اقتصاديا وهي في منعزلها الشيوعي المستقر حتى بعد انهيار المعسكر الشرقي كاملا . وقبل ان نهوي بامة كاملة يجب ان ناخذ امثلة من مجموعات التيارات الفكرية الدولية ، وكيف ان الواحد حين يربط نفسه بمصير الآخر يشكل سلسلة من الأهداف السهلة الإصابة والتشتيت .

والمصلحة الناتجة وإن كانت ذات تبعات مفسدة وشوائب تشجع من قيمة البناء على ذريعة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح . ولكن التجربة أثبتت أن المفاسد لا يمكن اختبارها فرضيا ونظريا دون المرور بمراحلها ، ولعل في ذلك تصفية عامة وغربلة لكل نقاط الضعف المعنوي المختفية داخل مجتمعاتنا ، وكما نرى فلقد تهاوى الكثير وبقي الكثير صامدين ، وهذا هو المراد بأن البقاء للأصلح .

ويمكن لنا تحقيق أكثر مما نتوقع بتوفر إمكانيات أكبر ، مع كشف مراكز القوة داخل مجتمعاتنا ومن يمكننا الاعتماد عليهم لاستخدام تلك الإمكانيات . وتلك هي الخطوة المتحولة في كل الحضارات نحو العودة إلى ذروتها وقمتها . والتاريخ لا يعيد نفسه ذاتيا كما يعتقد البعض في هذا الوصف ، بل يتفاوت ذلك في تشابه التجارب الإنسانية واتفاقها في عناوين عامة ، كالصراع بين الحضارات ، ويظل الإنسان ذو ردات فعل طبيعية وغريزية تجعل من نفس المشاهد مكررة , وكأن التاريخ يعيد نفسه .

والحضارات التي سبقتنا عادت وسنعود يوما ما ، والسلام هو كما قال صديقي سهيل هو الحرب حين تستريح . وهذا هو ما يدور الآن في مزرعة بوش . استراحة مراكز القوة ، قوة اقتصادية ومؤثرة وقوة عسكرية وسياسية تحتاج إلى ذلك الاقتصاد .

وإني أؤيد كل ما يحدث هناك واعتبره خطوة كبيرة نحو الأمام ، وسوف تجعلنا نلحق بقوافل التطور العالمي وغرز اسافين جديدة داخل كل التكتلات الدولية ، فتصدير الثقافة يحتاج إلى سهولة في التحرك وذلك ما سيوفره غطاء عالمي كمنظمة التجارة العالمية . وبدلا من ان نخاف من مظاهر العولمة علينا ، يجب اتخاذ إجراءات الثقة في المعتقد والطبيعة الإنسانية لشعبنا ، ومن ثم محاولة عولمة الآخر لا الذوبان داخله ، وتلك الاتفاقية وإن بدت للكثير خطوة نحو الهاوية . فلعل الواقع اخلف جيمع مفاهيم الماضي وأصبحت الهاويات هي قمم متى انقلب الحال مرة أخرى بعد حين .
كساعة الرمل ..!
ترى الرمل يهوي إلى القاع ..
فما تكاد الدورة تعيد نفسها وحتى يصبح الأدنون هم الأعلون ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *