خمس دقائق آثمة .. القصة

الله أكبر … الله أكبر
هذا ما سمعته ظهراً والشيطان كما يزعمون يسابق العقل إلى التقلي والإنصات ،وكل ذنب يجتنيه من الشيطان ، حتى جعلناه يشاركنا في الاعترافات ، قال المجتهد :
_ فإن أخطات فمن نفسي والشيطان
وادركته قبل ان يقول : ( وإن أصبت فمن الله ) ، اشترطنا الجهل حتى غدونا نتمناه هروبا من المواجهة .
الشمس في كبد السماء تميل إلى برجها الفلكي وتجعل ظلي دائرة انا بالقرب من مركزها ، المسجد ورائي والمنزل من أمامي وكل مراكب الهداية أغرقتها لكي لا اعود إلى يابسة الالتزام التبعي ، بدأت انكر كل ما حولي حين توقفت الساعة على معصمي وانا انتظر موعد القبول لمقابلة فضيلة الشيخ ، سؤال كنت اعتقد انه سينقذني من عذابه بإجابة يجتهد بها حتى وإن شاركه الشيطان في صنعها ، فمادام الأجر حاصل له في كلا الحالتين فلماذا يحرم نفسه ليحرمني الخلاص ..!


دخلت وعيني تنتظر الشخوص في هالاته ، كم اسمع عن حضرته الملائكية ، تطبع المكان بروحانية مضيئة ، ولكن الغشاوة كانت أسبق إلى خنقي ، ضباب من الدخون المعطر وإن خلا من النيكوتين ملأ رئيتي باول أكسيد الكربون ، مسببات السرطان لا تختلف في نكهاتها وعبائرها .
أخذت اتلمس بأقدامي الطريق إلى قربه المبجل ، اترنح بنشوة الأعبقة التاريخية ، هل كنت امشي في كتاب عباسي أو أموي ، لا أعلم فكل شيء يشير إلى ذاك العصر حيث توقف الاجتهاد . التقطت أذني صوت النقر على الكي بورد ، اقتربت لتضيء ملامحي بركات السيد بيل جيتس بخلفية الويندوز الزرقاء ، تلك السماء الالكترونية تبقينا هادئين امامها مأسورين بسحرها ، وتجتهد لي وللشيخ حتى غدا من عبادها المخلصين .

اشهد أن لا إله إلأ الله … اشهد أن لا إله إلا الله

سراب الإزفلت يتلألأ يناديني للحاق به ، لا أراه إلا أمام باب منزلي ..
لا التفت للوراء ، فذلك المسجد لن يقترب مني إن التفت إليه ، والسراب من حوله لن يختفي أبدأ وسيظل يبتلع كل المقتربين ..

كررتها هلعاً وانا انظر إليه مستجيبا إلى شذرات لحيته الكثة ، تعنفني وكأنها أيادي تخرج من حول فمه المتجعد غضبا . هل جننت : استغفر الله .. استغفر الله …!
إنه يستغفر ذنبي لي …!
ما أطيب فضيلته ..!
ارتميت في وتيرة اليقظة أصارع الرجوع إلى مرحلة الصدع في نفسي ، هاهو الشيخ يكرر نفس الكلمات لشيخ غابر يحمل دفتر علاماته وعصاه ، والفصل يضحك من جنوني . كيف لذي الأربعة عشر عاما أن يفكر في مثل هذا ،
إن كان لكل مخلوق خالق ؛فمن خلق الله …؟

مصطفى محمود قابلني بعد ذلك العمر بست سنين ولكن بعد ان أصبحت الإجابات تنسرق إلى ذهني خوفا ، فتظل حبيسة لا تستطيع المراجعة حتى في تقلبها ليلاً .و مازال الإيمان يبقيني على يقين أن تقلبي على جنبي تفكرا في الله ، ومادام الله في ذهني لا يفارقني فلا بد أنني مؤمن ، ولكن الطريق أصبح متعرجا بقدر ما كتب الأئمة والفقهاء حتى هذا العصر ، وبقدر ما اختلفوا .
نصر الله الدولة ؛ حينها فقط فهمت لماذا تمنع تلك الكتب من الدخول ، وهممت أحرق الورقة تلو الأخرى اقلبها في المجمر ، واستغفر الله .

_ استغفر الله … استغفر الله
لعلي استغفر من ذنوبهم لهم ، ليتهم لم يكتبوا ، ولم يجتهدوا ، مازال المكان هو المكان . ومازال الزمان هو الزمان . وتلك الوجوه ارتسم على خطوط جباهها سطور من تاريخ الأجداد والأباء .
مازال النص قطعي الدلالة وظني الدلالة والتواتر فيه حسن وفيه صحيح وفيه ضعيف ، والثقات يتساقطون مع تقدم العصر ، وسيأتي يوم لا يبقى منهم أحداً ..

_ أشهد أن محمدا رسول الله … أشهد أن محمدا رسول الله ..

أربعين عاما كان عمرها عليه الصلاة والسلام حين بعث إلى البشر كافة ، وأنا على مشارف الثلاثين انتظر الموت لينقذني من مشقة البحث . هل سيكفيني يوما واحد أجد فيه إجابة شافية تريحيني من كل هذا العناء .
المسجد يبتعد مع كل خطوة والجار يمر مسرعا وقطرات الماء تتقافز من ذراعيه ، كل خطوة له فيها أجر ، فهو يسير في الاتجاه الصحيح . وكل خطوة لي تفقدني حسنة لانها في عكسه .
هكذا قال مدرس الرياضيات : وقف على الصفر واتجه إلى اليسار تزداد القيمة واتجه إلى اليمين تتناقص القيمة .
أنا : وأذا تحركت إلى الأعلى أو الأسفل
المدرس : افتح يدك..!
كانت العظام تظهر في كل كرشة أبقرها ، حظ لو ابتسم في وجهي لعلمت انه يعني وفاتي ، لله دري ما اسعدني من إنسان لم يبق علي من ذنب إلا وخلصه الله مني في هذه الدنيا ، ألم تقل أمي لي ذلك : احمد الله يا ولدي انه اشقاك في الدنيا ، تراه تكفير ذنوب ..
أنا : أجل أكثر الناس ذنوبا أسعدهم يا يمه..
أمي : وليه منت سعيد ايش قصرنا عليك فيه ..
لقد اجتهدت في أول الأمر ، واجتهدت في ثانيه ، ومازالت تجتهد في كل مرة أحتاج فيها للمواساة . فإن أخطات فمن نفسها والشيطان ،وإن أصابت فمن الله …؟
هذا الشيطان الذي شارك الأمهات حنانهم وحزنهم واجتهادهم لإسعاد أبنائهم . لعله ليس كما نتوقع ، لعله كائن يحب البشر لأنه يعلم تماما كيف كان حال الدنيا قبل أن ينزل لها آدم ..

_حي على الصلاة .. حي على الصلاة ..

أبي على عكازته الشقراء يقترب مني بهدوء وكأنه يتهادى على نغمات المؤذن ، يمسح على رقبتي ووجهي يعبث بأذني : قم صل الفجر ، واذكر ربك واطلبه يشرح صدرك .
اتقلب على جنبي وأنا افكر : لو كان عمر الإنسان ثلثه يكون نوما . فلا بد انني لست إنسانا ، اكملت الخمس وعشرين عاما ومازال النوم يراودني عن نفسي وأنا ادفعه كأثم سيفقدني بهجة التعذب بكل تلك الأسئلة ، السادية اللذيذة في تمزيق ذهني واعتصاره تجعلني أظل متنبها لكل شيء حتى أطراف الورقة الساقطة عشوائيا على فتحات المكيف .
( لا يوجد شيء صدفة وكل شيء مقدر ، لماذا كانت هناك ..؟)
أنا: طيب يا ابوي بقوم أصلي
كان واقفا على الباب ينظر إلي بشفقة ، أي حال وصل إليه هذا العقل الجميل بعد ان كان متألقا بين الكتب ، هل يحس بأنه أذنب عندما قدم إلى أول كتاب أقرأه ( مقدمة بن خلدون ) في عمر التسع سنين ،وذلك يعني ان ترا العالم كله وينطبع في عقلك بمفاهيم الماضي ، ويدوم الماضي في كل شيء مني حتى يكاد أصبح أقدم إنسان ولدته نساء الأرض .

المسجد يختفي في زاوية المبنى الحجري المجاور ،وتلك الفتاة تفتح نافذتها تنظر إلي ، تداعب شعرها ، عفوية تشابه كل براءة أخرى ، إلا في تلك اللحظة ، فشعور الذنب الثقيل بالتأخر عن تلبية النداء ، تجعل كل شيء يتحرك يعني نية سيئة …
ادخل إلى منزلي ويستقبلني الظل خجلا من وجودي في رحابه ، وكل النسائم الباردة هناك تتثاقل في الدخول إلى رئتي . جسم منهك لم يعد يقوى حتى على القشعريرة وأصبحت علامة من علامات ذهني ، فهو الذي يتشنج وهو الذي يقشعر ، حتى أصبحت آخاله يرى دون عيني ويسمع دون أذني ويذوق دون لساني . .

فضيلته يطلب مني الخروج والذهاب إلى المسجد والأستغفار ، فما أصابني ليس إلا هلاوس . ارفع نفسي وهالات السواد تملأ محيطه ، وكل تلك الأريحية التي تحدث عنها الناس كانت وهما آخر يشابه كل ذاك الدين في أفواههم وكتبهم . اخرج ومازالت تلك الأبخرة تملأ ثوبي تزيد من حرارة الشمس ، امشي متجها إلى المنزل وكأنني بقايا الحطب المشتعل تحت الأتربة . رائحته تملأ المكان ولا وجود لضوءه ولا حرارته .
سيطأني أحدهم وأحرقه ..
إن أخطأت فمن نفسي ومالي غيرها .
واني ابيح الشيطان من كل ذنوبي
وإن أصبت فمن نفسي ولله أمرها ..
وإن لم يزد الله في صلاحي فلن يزيد في فسوقي

حي على الفلاح … حي على الفلاح …

الهاتف المحمول يرسل صوتا شجيا من مكان ما أقرب من قلبي لي ، أمي تتابع خطواتي التي تتناقص قيمتها مبتعدة عن المسجد في مثل هذه اللحظة منذ زمن ، نفس الزمان ونفس المكان الذي استقر بي ولم يعد متصلا بما حوله ، فأنا زمان ومكان وكل شخص آخر كذلك .. تسألني بعذوبة وإشفاق ولهفة : بشر، ايش قال لك الشيخ ، قرا عليك ..؟
السخرية لا تفارقني دائما في مواقف حياتي وتأتي أسرع من الإجابات فهي أبسط تعبير نهرب به من الواقع : ايوه يمه تفل في وجهي ..!
تبتهج الأسارير لسماع خبر البصقة : عسى الله ينفعك فيها يا ولدي ويهدي سرك ويوفقك ..!
ينقطع الخط بمزيد من الدعاء بوافر البصاق ، وينقطع الصوت قبل نهاية الآذان ، ارتمي على السرير فلقد شارفت الثلاثين مرت منها خمس عشرة عاما في خمس دقايق ..!
في المرة القادمة ساكمل الاستماع إليه ..
لعل في نهايته تلبي الروح لتفني ما تبقى لها في هذه الدنيا ..
دقيقتان اخريتان
كانت كفيلة بالأمر ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *