البليهي وفوبيا الخروج عن المألوف / سالم الصقور/ رقمات 1

هذه التدوينة هي أحد المقالات التي نشرت في مجلة رقمات العدد الأول والصادرة عن نادي نجران الأدبي وكنت حينها رئيسا للتحرير ..

البليهي وفوبيا الخروج عن المألوف بقلم الكاتب / سالم الصقور

يتعين عليك مبدئياً الزهد في عروبتك حد التقشف فيما أنت تقرأ للمفكر إبراهيم البليهي حواراته ومكاشفاته حول بنية التخلف وموانع النهوض. وهو يصف الفرد العربي أنه يمر بأسوأ حالاته على الإطلاق، ويخضع لإلغاء كامل وطمس لهويته الفردية من قبل سلطات مطلقة  تقوم ببرمجته منذ طفولته حتى يصبح كائناً دائرياً اجترارياً  لا يسعه التفكير باستقلالية وإنما يعوض ذلك بالزهو ومشاعر الاغتباط بثقافته المليئة بأوهام التميز . وفي حديثه عن العرب يحاول المفكر البليهي جاهداً أن يسحب أي صفات أو مميزات أو تفوق على امتداد التاريخ ويحيلها إلى نقائص ومثالب. ويشدد أن كل ثقافة محكومة بنقطة البدء، والثقافة العربية انطلقت من بيئة صحراوية قاسية ومواردها شحيحة و طاردة ومعادية للحياة. لذلك انشغل الإنسان فيها بمهمة البقاء عن قيم الحرية والعدل والخير والجمال، وظل يشعر بتفوقه وسيادته الموهومة إلى عصر النفط، ولم يحاول مطلقاً التغيير بالإقناع ما لم يكن بالإخضاع، كدخول العرب للإسلام بشكل قطعان تتبع زعماء القبائل وحُب المال، ومن ثم نكوصهم وارتدادهم بعد وفاة الرسول مباشرة. ويغفل في استدلاله عن أسباب الردة وحيثياتها، مقتصراً على ما يدعم حجته ويبرهن قوله عن فساد العرب. وفي اعتقادي أن في ذلك عسف لحدث تاريخي كثير التعقيد  .

ومن طائفة القضايا التي يتحدث عنها خلال حواراته، يؤكد أن مساغب الصحراء لا زالت تتفاعل في أعماق المجتمع وتصوغ أخلاقه رغم كل مظاهر الحضارة والرفاه. وتناول وضع المرأة من هذا الجانب وما تمثله من حساسية مفرطة في واقعنا، من حيث  أنه هوس واختلال توازن نتج عن كون المرأة بعذوبتها ودفء مشاعرها  نشاز على البيئة القاحلة، مما شكل مفارقة شديدة عند الرجل أدت إلى حرص مفرط انعكس سلبياً على المرأة . بينما تحقير المرأة والهيمنة الذكورية تعد من خصائص المجتمعات المتخلفة، وتتمظهر بأشكال عدة، من “حزام العفة ” في أوروبا إلى “الختان الافريقي ” في غابات السافانا . ولست بصدد تقصي الأسباب هنا بقدر ما أستعرض آلية تناول البليهي للقضايا في اطار أحادي معزول عن السياقات الكلية . وما يجعلك تتوقف ملياً  هو انه يحيل كثير من القضايا المتداخلة لأسباب ثانوية ويفرض على القارئ التسليم بها , وفي المقابل يكرر الدعوة للموضوعية الصارمة ومنهجية الشك الدائم ونبذ المسلمات .

 ويدلل على أن كلا من السلطة والجاه والمال في الحس العربي تعلو على كل قيمة بما حدث بدءا من مقتل الخلفاء الراشدين إلى مقتل عبدالله بن الزبير وصلبه كقاطع طريق إلى مقتل الحسين وأهل البيت والتنكيل بهم والتمثيل بجثثهم. ويدين موقف العرب السلبي من الأحداث الشنيعة في التاريخ  مما أوهم الأجيال بمشروعيتها  وأفسد تقييمهم للأمور . ولا أظن العرب وحدهم من يميل إلى المنتصر , لقد كان جورج واشنطن مجرما مطلوبا للعرش البريطاني في جرائم عديدة  وأصبح الرمز واشنطن فيما بعد.  لكن البليهي يرى أن العرب غزاة فاتحين لأطماع توسعية ونهب خيرات الأوطان والتفاخر بقهر الآخرين فقط , بينما كان لدى دول الغرب مبررات أخلاقية للاستعمار او على الأقل إعلان لهذا الهدف . وفي الحقيقة ان هذا يدعو للاستغراب , لأن غالبية غزوات العرب على غيرهم من الأمم كانت مُبررة بنشر الديانة الإسلامية وتسمى الفتوحات الإسلامية , دون الخوض في مقاصدها أو مضمونها. اذا كان التبرير الأخلاقي  للغزو وحده يشكل فضيلة ـ عند البليهي ـ منحها للدول الاستعمارية ، أليس الإعلان الزائف عن أهداف نبيلة وممارسة الخراب والتدمير بكافة أشكاله تضاعف الجُرم والانتهاك للمبادئ وللإنسان وأرضه وممتلكاته؟ فحتى الآن ما زالت بعض البلدان تعاني من مشاكل معقدة خلفها لهم المستعمر ومضى , كالتجارب النووية الفرنسية في الجزائر وغيرها , عوضاً عن الخسائر البشرية والمادية والقهر والدمار , في حين يبدو للبليهي مجرد الاعلان عن مبرر اخلاقي هو بحد ذاته قفزة نوعية هائلة .

وتعتبر الحالة العربية في فكر البليهي بأنها استثنائية في قابليتها للتقزم والتناقض بين الأقوال والأفعال ، والتشرذم وباء عربي بامتياز، وليس ثمة ما يلوح في أفق الذهنية العربية يدعو للتفاؤل أو الانعتاق من قوى التخلف والتقهقر والاعتداد بالجهل . لذلك يعتقد البليهي أن التغيير يجيء من خارج هذه الكتلة المتماسكة منطلقاً من قانون  القصور الذاتي , وكأنه يصف  البحث في التراث العربي  للنهوض هدر للفكر، كهدر الصابون في غسيل الزنجي .

 ومن البديهي  أن الخطوط المتوازية للحضارات والأمم  قد تعرضت للتجاذب والصعود والهبوط عبر التاريخ , وتعاقبت أمم شتى على التفوق الحضاري في معايير تلك الأزمان وظروفها , وأن الحضارة الإنسانية هي رصيد تراكمي هائل أسهمت فيه الأمم بنسب متفاوتة . إلا أنك تقف حائراً أمام البليهي وهو يغازل الحضارة الغربية الاستثنائية ، من بزوغ إشعاع الفلسفة في أثينا إلى الاتحاد الأوروبي ، وينفي دورا حقيقيا لما سواها , واصفا الآخرين بالحفظة فقط  لعلوم الغرب , وهي بضاعتهم ردت إليهم بلا إضافات . كما يرى ان تطور الحضارة التراكمي اتجاه قديم تنقضه حقائق التاريخ , ويتبنى قناعة الاتجاه المعاصر الذي يقول أن الكم لا يتحول إلى كيف أبداً  الا بطفرة استثنائية .  وقد يبدو هذا الانبهار مستساغاً مقارنة بالازدهار الحضاري  المتحقق , ولكنه اذ يتحول لدى البليهي إلى حتمية تاريخية حاسمة تنفي أي انسدادات او توقف او إخفاق قد يطرأ على الليبرالية وأنها قادرة على التقدم اللانهائي وتمتلك الأدوات والمرونة والمقومات في اتجاه صاعد فقط , فهنا حكم يظل قطعيا ومسبقا على الأمور المستقبلية مهما بلغت درجة التنبؤ العلمي. ويبدو ان ذهنية البليهي ( السلفية سابقاً ) تميل إلى المذاهب الحتمية واليقينية من تبني رؤية فوكوياما وصلاح الرأسمالية والليبرالية الأبدي ,  إلى الحتمية الميكانيكية في كون نيوتن والتي تجاوزتها العلوم إلى مبدأ الكون غير اليقيني وتعتمد في ذلك على الشك المتفائل . ومن قانون القصور الذاتي ( العطالة ) تحديداً يطلق البليهي أحكامه الوثوقية أن المجتمع قاصر عن تغيير السكون والركود الذي يعيشه ما لم تؤثر عليه قوى خارجية, والمقاومة دون تغيير حالته المألوفة , ويعني بذلك تبني أفكار خارجية تُحقق قطيعة أبستيمولوجية  للأنظمة المعرفية السائدة من الداخل .

 من منطلقات البليهي وقانون القصور الذاتي  يجوز لي التساؤل عن أحوال المجتمعات العربية المتدهورة , و الارتكاس الثقافي , والاسلاموفوبيا . هل يمكن أن تكون استجابة سلبية لمؤثرات خارجية من قوى رأسمالية عظمى تطمح في إحداث توازن كوني يضمن استمرار هيمنتها , خصوصاً انها تمتلك زمام السيطرة في علاقة تحتل فيها المجتمعات النامية موقع الخضوع والتبعية الثقافية والاجتماعية والسياسية ؛ قد تبدو العلاقة ملتبسة جداً ولكن الانغلاق الثقافي والاستبداد السياسي أهم عوامل التخلف في منهج البليهي , وإن كانت سمات العالم العربي وصنيعته لا تخلو من تأثير مباشر أو غير مباشر تقوم به  قوى خارجية لأسباب متنوعة, أقلها  الحفاظ على الأنماط الاستهلاكية التي تحقق مصالح الدول الصناعية .

ثمة مشروع فكري ينوه عنه البليهي وهو لازال يستعصم في سمائه وبين أوراقه الخاصة , ويعزو الإبطاء إلى إتقان العمل وتحري الدقة. يؤسس في مشروعه لعلم الجهل يترافق معه عدة أطروحات ونظريات , من أهمها نظرية ” العقل يحتله الأسبق إليه ” التي يزعم دائماً أسبقيته لها , بينما نجدها في رسائل  اخوان الصفا وخلان الوفا قبل مئات الأعوام  في الجزء الرابع _العلوم الناموسية   ” واعلم ان مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم واعتقاد من الآراء كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء , فإذا كتب فيه شيء حقاً أم باطلاً , فقد شغل
المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر , ويصعب حكه ومحوه . فهكذا حكم أفكار النفوس , إذا سبق إليها علم من العلوم واعتقاد من الآراء , أو عادة من العادات
تمكن فيها , حقاً كان أو باطلاً , ويصعب قلعها أو محوها كما قال القائل :
أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى , فصادف قلبي فارغاً فتمكنا  “

البليهي يدفعه هاجس دائم في تحرير الفرد من أوهام الكمال والجهل المركب التي تورث الكلال والعجز , ويدعو للنزعة الفردية ويذب عن حقوق الفرد ومكتسباته في كل فرصة مؤاتية. إنه فعلاً يعيد صياغة التراتبية لصالح الفرد ومن أجله , لذلك يقرأ المفاهيم بطريقة جديدة صادمة , تخترق فوبيا المألوف وتثير العقل حتى لا يبقى سوى قيود ومقتضيات الحقيقة . إنه يضع القارئ على طريق التفكير الفلسفي ومنهج الشك الخاص به ” وسط بين الوثوقية المغْلقة واللا أدرِيّة المُعلقة ” .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *