وما من سفينة أخرى يا نوح

اعتاد الجميع على اعتبار كل مرحلة شابة في كل مجتمع على انها جيل ذو نمط متكرر ،وكل نماذجه من الشباب يملكون صفات مشتركة تترواح وتتفاوت وتتمازج بسيئاتها وحسناتها ، والعجيب في الأمر ان السيئات حتى وإن كانت قليلة قياسا مع الحسنات فهي تشكل العنوان الرئيسي لذلك الجيل حين نقوم بمقارنته بجيل سابق له او متقدم في الطموح والخيال الذي نتصوره .

والانحلال الذي يشار إليه كثيرا في هذا الجيل ؛ وكيف أنه بدأ يتصاعد نحو الأعلى مع اقتراب أجيال أخرى قادمة في الطريق ؛ عنوان يركز عليه الجميع ويجعلون منه حديث كل نقاش في تجمعاتهم الكبيرة والصغيرة . وكل ما في الأمر أن ظاهرة الانتقاد توسع انتشارها وبدلا من ان تكون داخل المجالس في هذا العصر الالكتروني والورقي المتزاحم بالمواقع والمجلات والجرايد ؛ اصبح الانتقاد حالة رفض علنية وانكار لامنيات صادرة عن ضمير يريد تجربة بعض مظاهر هذا العصر ، او رفض مطلق لظواهر هي اقرب لاقتراب النهايات الكبيرة .

وهل ستبتعد النهاية اذا حاربنا الظاهرة المؤكدة واخفيناها عن الأنظار ..؟

الكل يعلم أن هذا لن يحدث وان ما يجعلونه صفة جيل ليس سوى نبوءات سابقة لا يملكون تجاهها الا متابعة انفسهم فرديا بعيدا عن الدخول في عنوان الجيل العام ..!

تلك هي الجمرة التي لن تحرق الا الكف الحاملة لها

لا نملك المثالية والكمال الذي يجعلنا اسيادا للحق او للفضيلة . والفضيلة دائما اردد واقول انها طبيعة الفقراء عندما لا يملكون ثمن متع الحياة . وهذا الجيل الذي يرى كل الدنيا امامه اوسع واكبر مما كانت تراه الأجيال الماضية يعتقد أنه سوف يحقق طموحه لو ادرك بعضا من مظاهر هذه الحياة والتي ننفيها دوما بالتطلع الى حياة الآخرة كانها الجائزة الحقيقية .

وهذا التطلع البعيد الى حتمية ما بعد الموت يجعل الاحباط يتراكم في النفوس ويكبت الامنيات الصغيرة والكبيرة حتى تكاد تتلاشى بسرعة دون ان تطل من عنق الزجاجة . من يريد الجنة أيضا يريد وظيفة ومنزل وحياة رغيدة على أقل تقدير .

نخاف المجتمع ولا نبني خوفنا هذا على الدين او العادة . وكل مافي الأمر أن نكون مشابهين لواقعنا وعناوينه الرئيسية وذلك ما يجعلنا نتقيد بقوالب اجتماعية ليس لها اساس الا العادة في الممارسة والرتابة في التكرار .

ذاك الجيل حين انتفض من مرحلة اللانتماء وجد نفسه ينتمي الى وطن اكبر منه امتلأ بالتناقضات بين شرائحه الاجتماعية . رفض الاندماج بسرعة وقرر ان يحافظ في داخله على اقل قدر ممكن من العادات والتقاليد . ولكن الحياة لا تعطينا ما نريد وتفرض علينا احيانا الوقوف على مفارق الطرق للاختيار بين انتماءات حقيقية وراسخة ،ااو انتماءات متناظرة ومتفرقة تجعلنا اكثر اختلافا كلما اتجهنا الى عمقها واصولها .

ويقال الجيل هو مرحلة 33 سنة اي ان من يولد ويصل الى هذا العمر يكون قد اكمل جيلا ، او ان من تداخلت فترة نضوجه الفكري والعملي مع هذا الجيل فهو يتأثر به . ولأن السنين لا يمكن لها ان تنفصل الا بكوارث نادرة الحدوث كطوفان يغمر الأرض ويغرق الفاسدين والمنكرين . ولن تكون هناك سفينة نوح عليه السلام لتختار الاجناس وتتنقي الافضل للبقاء والتطور . بل نحن في حلقات متشابكة من النمو فأطفالنا وشبابنا وشيوخنا ينسجمون معنا في كل جيل متعاقب .

لا أؤمن بفكرة الأجيال لأنها تصنيف زمني آخر لا نحتاجه حاليا . وذلك الانحلال او التدهور في قضية كل جيل لم تعد مهمة بقدر ما ان نركز على اقل الايجابيات ونجعلها العناوين الرئيسية لأن التاريخ سوف يتكفل ببقية الوثائق السرية والحقائق المغطاة والمغيبة في داخل البيوت ووراء الجدران . وهذا الإعلام الذي نتصوره سببا ليس إلا عرضا للطلب المتزايد . ولو انتهى الطلب فلن يكون لذلك العرض اي طلب .

لن أؤيد فكرة تعاقب الأجيال . لأنني أملك في داخلي جيل من الفكر والمورورث حملته معي مع مرور الوقت خلال طموحات أبي واخواني الأكبر سنا . رأيته في أعين أخواتي وامي وكل أقرابي . ولن أكون مختلفا عن جيراني وأصدقائي لانني اكبرهم سنا أو قاربت الثلاثين وهم مازالوا في مراهقة الطعشات . نحن افراد متصلين مترابطين جدا بسبب واحد اننا أبناء وطن واحد . وكلمة جيل تجعلنا نبدو كاننا مراحل كثيرة متتالية في عمر وطن شاب مقارنة مع دول اخرى مجاورة .

لن نكون جيل نكبة او نكسة او جيل انهيار او صعود . سنكون كما نحن . انسانية تعبر عن نفسها وتبحث عن الاصلح لأبنائها في مراحل قادمة من المستقبل . سنكون جيلا واحدا متصلا بأول رجل نزل من سفينة نوح على جبل الجودي . لانه لن يكون هناك سفينة نوح ثانية .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *