كيف نعيش؟

لا يحتاج الواقع إلى الكثير من التدقيق حتى نفهمه ونستطيع تقييمه بالتقاط التفاصيل الصغيرة في حياتنا اليومية والناتجة عن المتغيرات المتسارعة في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ورغم هذا يتجاوز البعض ذلك، ويقفز بنا إلى نقد كامل التاريخ الإسلامي، ويستدعي فيه تحولاته الكبرى، ويعيد محاكمتها خارج سياق ظروفها الاستثنائية، والمحدودة بثقافة زمانها ومكانها، ليخرج بأحكام لا يمكن إسقاطها على الواقع وتحولاته الثقافية الأكثر انفتاحا وتنوعا.
وفي النت والإعلام مؤخرا يتصاعد جدل وصراع حول شخصيات تاريخية وإسلامية، ورغم ما يعتقد فيه المجادلون من أنه حوار عقلاني بما يقدمونه من أدلة وبراهين، ويراهنون على صحتها وعلى تمام سياقها المنطقي والمطابق لظروف تولدها، إلا أنهم في المقابل يهملون العاطفة العامة، ويحاولون تجاهلها في خطابهم للناس، في محاولة لإفراغ الإنسان من أهم عناصر إنسانيته؛ إنها العاطفة التي تسقط أمامها كل الحجج المنطقية والعقلانية، عاطفة المثبت والمسلم به كموروث ثقافي يتم تداوله في أغلب الأحيان دون الحاجة لإثباته بالمصادر والمراجع، عاطفة الرفض المطلق لأي محاولة تغيير أو إعادة قراءة لتاريخها، وهي عاطفة التحيز لرموزها، هي عاطفة متى استفزت يمكن لها أن تخرج عن كل التوقعات وتفرز تطرفا وتعصبا يعوق أي صيغة تعايش.
وإن افترضت المثالية وكان لا بد لأحدهم اختراق تلك العاطفة، يمكنه المحاولة بأن يستخلص من التاريخ تفاصيل معيشة الناس وتعايشهم، ويعيد إحياءها بمطابقتها مع تفاصيل الواقع، وأن يعزل من التاريخ البعيد ما يستفز عاطفة الناس ويزيد تشنجهم وتوترهم تجاه المستقبل القريب، ليجد عاطفتهم المرتبطة بمعيشتهم أكثر قبولا لأي انتقاد يساهم في التغيير إلى الأفضل، وأن يحاول الانسلاخ عن كل ما يمثله من موروث ثقافي فئوي وطائفي ويحفظ لرموز الآخرين مكانتها، ليخلق انسجاما وهدوءا في نسيج احتياجات المجتمع وتطلعاته المستقبلية، وسيجد نفسه يحتوي عاطفة الناس يتجه معهم وبهم إلى أفضل مظاهر التعايش، كونها عاطفة خائفة مرتبكة متوترة تبحث عن إجابة لسؤال: كيف نعيش؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *