نزوح جماعي للاستقلالية الفردية

إن كنت تحاول فهم مجتمعك تجاوز الأشخاص الذين يفترضون في أنفسهم ممثلين لأية شريحة، وتابع الشريحة نفسها، تلك التي يمتطي الإنابة عنها والوصاية عليها كل شخص يعتقد في نفسه الصلاح دون غيره، اقرأ تفاصيل حياة الناس، استمع لهم خلال كل ممارساتك اليومية، في الشارع، في الأسواق والمقاهي، في الدوائر الحكومية، افتح نقاشات، اطرح أسئلة، مع الجميع وبشكل عشوائي، لا تختر أشخاصا تعتقد فيهم الأهمية، حتى الوافد هو جزء من ثقافتنا وعنصر متحول ومحول في بيئتنا، قف معه قليلا اسأله عن رأيه فيك وفي مجتمعك، توجه إلى قراءة تعليقات الجمهور بعد قراءة كل مقال في أحد الصحف الإلكترونية أو الورقية المنشورة على الإنترنت. تابع تويتر على أقل تقدير.
في كل ذلك يكمن الوعي الاجتماعي بكل فروقاته الفردية فكريا ومعرفيا، هناك تجد كل السلوكيات الناتجة عن ثقافتنا، مبادئنا عارية بزلات الكلمات، ثوابتنا التي قد تتوحد في قضية، وتتشتت في قضية أخرى، ستجد عزيزي القارئ نفسك وستقرأها على لسان شخص آخر، ستصبح في مواجهة مع نفسك لتعيد تمحيصها والتدقيق فيها.
لم يعد هناك أي جدوى لفرز الثقافة بين عامة ونخبة، لم يعد هناك أي تراتب معرفي يحقق الأهلية لشخص دون آخر، اليوم تعددت الخيارات أمام الناس، أصبحوا شركاء في الفهم وتحديد مصالحهم الخاصة، فكرة الوصاية الفكرية بدأت تضمحل، فكرة الأبوة الاجتماعية بدأت تتفكك، نحن اليوم أمام انكشاف ثقافي لواقعنا، تفضح فيه كل نتائج ثقافتنا السابقة. نحن اليوم لدينا إمكانية أكبر في قراءة منطقية وموضوعية لمن أراد له تحديد مسار وتوجه المجتمع. القفز باستنتاجات نخبوية وتحليلات لها نكهة الوصاية الفكرية، لم تعد صالحة وليس لها مصداقية، حالات الانقلاب الفكري المتطرفة أوقعت الناس في الشك تجاه خياراتهم القديمة، نحن اليوم أمام حالة نزوح جماعي للاستقلالية الفردية، هذه هي الخطوة الأولى للتحول الثقافي القادم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *