حزن السدر والكافور

أبي، هذه الزاوية صغيرة على ما أريد كتابته عن رحيلك، وأظن لو منحت كل صفحات الجرائد ما اكتفيت، ويظل كل الكلام لو اتسعت له كل مساحات الورق أقل من أن توفيك حقك، ويظل كل سواد الحبر في صحف العالم أقل من أن يلغي بياض ذكراك في قلبي، بل أكاد أجزم بأنه ينقصني كثير مما يحتاجه الحزن على فقدك، أريد دموعا كماء المطر كي أبكيك، وقلبا غسلته الملائكة يشتاق إليك، أريد أن أولد من جديد وبين يديك بذاكرة تحفظ كل ما سأحظى به في كنفك، أن أعيشك مرارا وتكرارا ولا أكبر أبدا فأعرف قيمة كل لحظة كنت فيها بجوارك، أريد ذاكرة كل الناس كي أجمع فيها تفاصيل الأماكن التي مررنا بها، أريد حزنا يليق بك، حزنا يشبهك ولو بعضك كي تصبح له قيمة بين أحزان الناس، حزنا يحمل سمات الهدوء في ملامحك، وابتسامة الرضا التي تضمني بها كلما مسحت على رأسك. أريد حزنا كريما ككرمك؛ يجود بما يفوق قدرته ليهون كل حاجة للفقد لدى الآخرين. أريد حزنا يستيقظ من نومه ليبحث في كل مكان عن بعض تفاهات الطفولة كي يرى ابتسامتها. أريد حزنا يبعدني عن هذا العالم في ليلة قمراء ليرسم لي في الرمل آثار الطيور ويسمي لي النجوم، أريد حزنا ينتظرني عند خروجي من المدرسة ولا يتأخر أبدا، حزنا يغذيني بأحلام النجاح وطموحات الرجال، حزنا لم يعتبرني يوما طفلا وظل يحدثني عن فلسطين والعرب وإسرائيل. حزنا يخبر التراب عن حظه باحتضان رجل مثلك. وما من حزن مثل ذلك، إلا حزن له رائحة تخنقني كعبرة تخشى الخروج إلى عالم لست فيه كي تستقبلها وتريحني منها. حزن ما زلت أشمه في يدي وملابسي بعد أن غسلتك حتى اليوم… رحمك الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *