لصوص الثقة

يسرق في مجتمعنا كل يوم ما هو أهم من المال، يسرق ما تعتمد عليه أحلامه وطموحاته بمستقبل أفضل. يسرق من مجتمعنا ما يحافظ على تماسك واستقرار بنيته، وتلك السرقة ليست كأن يمد أحدهم يديه في جيب الآخر، أو أن يقتحم بنكا أو يسطو على محل تجاري، تأتي تلك السرقة هادئة تتسلل من بين أيدينا، تقتحم قلوبنا وعقولنا وتنفذ مهمتها وتتركنا بدون أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته يوميا «الثقة».
نفاجأ كل يوم في مجتمعنا بخبر ينتزع منا الثقة تجاه الكثير من القيم والمبادئ، نراها تختفي من أنفسنا يوما بعد يوم. نسمع عن أب يقتل ابنته أو زوجة تقتل زوجها فنفقد الثقة في الحب والمودة والرحمة، نسمع عن قضايا فساد تحطم المكان من حولنا وتحبطنا تجاه واقعنا ونفقد الثقة في النزاهة والشرف، نسمع عن أخبار الاغتصاب والتحرش والخطف والابتزاز ونفقد الثقة في النبل والفضيلة. نسمع عن شهادات مزورة ودكاترة من الكرتون فنفقد الثقة في العلم والتعليم، نسمع عن رجال مؤتمنين يخطئون في حق الدين من أجل الشهرة والظهور فنفقد الثقة في هؤلاء الرجال.
لم يعد لدينا الثقة تجاه الكثير من القيم الأساسية في حياة أي إنسان، وليست الماديات ما تقيم صلب المجتمعات وتحافظ على استقرارها وتدفعها للتطور. ليست الميزانيات الضخمة ولا الأرقام الفلكية للمشاريع، بل هي ثقتنا بما لدينا من قيم، ثقتنا بأنفسنا والواقع من حولنا، ثقة الإنسان بالإنسان، تلك هي ثروتنا التي ستحافظ علينا خلال كل التغيرات والظروف الصعبة. ولكن تسرق تلك الثقة، ثقتنا بالفضيلة والشرف والنزاهة، ثقتنا بالدين والعلم، ثقتنا بالحب والمودة والرحمة. ثقتنا بأبسط مقومات الإنسانية. ثقتنا بأنفسنا وقيمنا ومجتمعنا.. لصوص الثقة هم الأخطر علينا من لصوص المال العام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *