ليبرالية ما فوق السماء وتحت السُّرة

من الجميل أن تؤسس لنفسك تصنيف في أعين من حولك ، حتى لو كان اتهاما .

ويقول أحد الفلاسفة أو الحكماء أو الكتاب _ وكلهم يقولون كلاما لو انتظروا قليلا لاكتشفه الناس بأنفسهم ولكنهم سباقون إلى فضحنا _ :
أن تكون مطلوبا لأي شيء خير لك من أن لا تكون مطلوبا على الإطلاق .

وذلك التصنيف الذي تشبعت به أذناي والكل يوجهه إلى هو أنني ( ليبرالي ) ، ومع مرور الوقت اكتشفت أن التهمة لا تصبح كذلك إلا عندما نرفضالاعتراف بها ونصبح مأسورين فيها . ومن الأفضل أن نتجاوب مع ما يقولونه الناس بطريقة تجعلنا أكثر تسامحا مع أنفسنا ، أو بطريقة حسنا ( ادعوا لي بالهداية ) .

وما وجدته في حالات مراجعة النفس وتصيد أخطائها التي تراكمت بما يجعل الآخرين يوجهون اتهاماتهم ، وجدت أن المصطلح هو الفكرة المجردة والبسيطة التي يستخدمها الناس في تصنيفاتهم ، إذن ( الليبرالية ) كلمة ذات شيوع متعارف عليه وتعني في ألسنة العامة ( ديوث ) كأقصى احتمال وأسوأه ، أو ( غير ملتزم دينيا ) كأبسط معنى لا يريد ممارسة الوقاحة .

وتأصيل أي مصطلح داخل المجتمع ينتج عن طريق العينات التي تتبنى ذلك المصطلح في خطاباتها ، ومن هذا نجد أننا مضطرين لتصديق الناس واعتبار ثقافتهم محل مصداقية نظرا لتلك العينات والأمثلة التي سيرمون بها أمامك في خلال أي حوار تحاول فيه الدفاع عن حقيقة ذلك المصطلح ( ليبرالي ) .

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

الحرية هي المعنى الدقيق والترجمة الحرفية لمصطلح ( ليبرالية ) ، وهي الكلمة التي أصبحت هم من لا هم له ، وقد تجد طفلا في سن العاشرة يفاجئك بمطالبتهم بنوع من الحرية كي يخرج إلى الشارع ويلعب بطريقة تجعله أكثر الأطفال قذارة . وهذا ما يمنعك من اعتبار هذه الحرية جديرة بالثناء أو حقيقة يجب ممارستها ، لأنها تخرج المسئولية من أيدي المعنيين فيها .

وعندما انتشر الإسلام بفكرة الدعوة إليه ، ورغم ما قد يعتبره البعض غزوا ، إلا أنه خرج على مبدأ ( تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ) ، وهنا يكفينا فقط التقاط كلمة ( تحرير ) لنجدها هي الأصل المراد به في كل تلك الدعوة ، ومن ثم ننتقل إلى تفصيل الجزئيات الباقية ، والتي نجدها واضحة للعيان ودلائلها كثيرة في تاريخ النهضة الأوربية الحديثة . وحين اقتبسوها من أقرب الدول الإسلامية الأندلس وظفوها بطريقة تخرجهم من سطوة الكنسية التي تخلت عن مباديء الالتزام بالتعاليم وتحولت إلى سلطة يوقعها رجال الدين يمنعون من خلالها أي محاولة للتفكير والتجديد على جميع المستويات العلمية والأدبية ، ومن ذلك كان لا بد للغرب هناك أن يذهبوا بعيدا في مطالبتهم للتحرر من خلال نسف كل القيم الدينية المتوفر لديهم ، وهذا ما يقال عنه ( طالب بذراع باطل من أجل شبر حق ) ، وهو مثل بسيط ولكنه متقن ومختزل ويشرح معنى النهضة الأوربية التي خرجت بكل ما هم فيه الآن ، وانتقل الأوربيين إلى مرحلة التطوير العلمي والأدبي والاجتماعي ، ومن الضروري طبعا أن ندرك أن أي ثورة فكرية يجب أن يكون لها هوامش لا تخص المفكرين وإنما يلتقطها العامة كأبسط المعاملات التي يمارسون من خلالها المفهوم العام للحرية التي حصلوا عليها من خلال اسقاط التسلط الكنسي ، وبذلك نرى الاستقراطيين في كل الدول الأوربية مازالوا يحتفظون بالكثير من القيم الأخلاقية المرتفعة في مضمونها ولا نستطيع انكارها عليهم ، ونجد العامة من شعوبهم قد خرجت في تطورات هامشية لتؤسس لحرية الغريزة التي هي أسهل انواع الفكر والذي لا يحتاج إلى نظرة معمقة ويكتفي باطلاق العنان للغرائز .

وبذلك انتشرت ( الليبرالية ) أو ( الحرية ) في النطاق الغربي بكل فوائدها ومساوئها ، بعيدا عن إمكانية وجود ما يعتبر بنود معيقة ومؤخرة ومثال ذلك في الإسلام هو (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ، وأيضا أسست ( الليبرالية ) لطريقة تمنع أي محاولة لإعادة عصر اللظلمات والقرون الوسطى ، من خلال اطلاق ( الحق الفردي ) وجعله العملية الوحيدة لمنع أي تشكل سلطوي يعتمد في أصوله على بعض من المورورث القديم ، والسبب في ذلك أن التجمعات والجماعات إنما تجتهد دائما في تأسيس نظم متكاملة تختزل الكثير من المصالح بعيدا عن الحالات الفردية الخاصة ، وبذلك فإن الفكر الفردي الغربي المطبق ( لليبرالية ) لا يهتم ( بمصلحة الجماعة المقدمة على مصلحة الفرد ) ، وبذلك نجد الإنسان هناك قادر على التمدد في كل أشكال الحياة سواء الراقية والفاضلة أو المنحظة والمبتذلة . وهذا ما جعل العالم الغربي حديثا يبدأ بمراجعة هذا الأمر ، فنجد الكونغرس الأمريكي يمرر مشروع منع عرض الافلام الخالعة في الأماكن العامة ، وجد قبل ذلك في الستينات منع للكحول ، وإعادة تقنينه بسن البلوغ ، وهكذا دواليك بدأ العالم الغربي يغربل منتجات ( ليبراليته ) السيئة وإعادة تصفيتها بخلق قوانين وضوابط بعضها مستمد على حياء من ( القيم الدينية ) المتأصلة في نفوس الشعوب الغربية والتي لا يمكن لهم إنكارها مهما حاولوا ، لأن طبيعة الإنسان تطفعه دائما للتشبث بأي حقيقة فوق الطبيعة تجعله يتلمس الأمل فيها ويعتبرها طريق النجاة في حال امتناع ظروف الدنيا عن مساعدته . لذلك نجدهم خلقوا شخصيات المنقذين والأبطال ونشروها بطريقة تتناسب مع عقلية الفكر ( العلماني ) كي لا يتهمون أنفسهم بإعادة موروثهم الكنسي العقدي .

ومع تكون المجتمع الدولي الحديث وترابط المقدرات العالمية بتفاصيل المجتمعات الدقيقة ، وتداخل كل المؤثرات الخاصة بكل شعب لتؤثر في بناء شكل العالم الحديث ، وجدنا العرب سباقين إلى اقتناص واقتباس المظهر الغربي العام ، وهو مظهر لا يمكن إنكار جمالياته المعنونة في الديمقراطيات والتطور العلمي والتكنولوجي . ومن هنا كان المفكرين العرب يبحثون عن مخرج يجعلهم يصلون بسرعة إلى نفس المراحل الغربية ، وهنا وجدوا أن ( الليبرالية ) أو ( التحرر ) هو المبدأ القديم لهم والذي انطلق به الأوربيين وتركونا خلفهم في صراعات داخلية وانماط قمعية لم تقصد سوى المحافظة على الدين وليس القمع بمعنى المنع من التفكير ، فلقد كان العلماء المسلمين رغم شطحاتهم الدينية بارعين وقادرين على الانتاج . ولكن الدين يظل قيمة مرتفعة جدا لا يمكن المساس بها ، لسبب أن المجتمعات تحتاج إلى توجيه جماعي وطريقة انضباط تؤهل الدول والحكومات لعملية رسم سياساتها واستراتيجياتها . فلم يجد المفكرين العرب أسرع من طريقة الهدم الأخلاقي ، والحضور في تماثل غريب يستمد من الغرب كل المظاهر التي بدأ الغرب نفسه يحاربها حاليا ، وهي أمثلة الظواهر السيئة الناتجة عن ( الليبرالية ) . وهكذا نرى المثقفين والكتاب العرب قد ابتعدوا عن كل المباديء التي تعنيها ( الحرية ) ، فبدلا من قول الحق وعدم الخوف من السلطة والحكومة ، اتجهوا للتحدث في أمور بعيدة المنال عن المسائلة ، فكان باستطاعة المثقف والمفكر العربي أن يتجاوز كل المساحة الشاسعة بين واقعه والسماء من مشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية ، ليعيد النقاش في الذات الإلهية وينظر حولها ويتجاوز بها كل الحدود الفكرية الممكنة للعقل البشري ، ليثبت أنه شجاع وقادر على قول ما يريد ، لأن الله سبحانه وتعالى ( يمهل ولا يهمل ) ، ولأن أثر عقابه لا يأتي سريعا وبطريقة مباشرة وواضحة وموثقة بورقة سجن أو اعتقال ، فكان من السهل ادعاء الشجاعة على حساب رحمة الله وتأجليه للعقاب . وكأنهم بذلك يأسسون لنظرية أننا لا نخاف من احد حتى ( الله ) ، فكيف تتهمونا بالخوف من الوزراء أو الحكام أو غيرهم . فكان الفكر التنظيري العقدي هو النتيجة التي تظل تكرر مرحلة المتكلمية والفلاسفة الذين لم يخرجوا بشيء سوى كتب مليئة بالجدل دون نتيجة نهائية .

وفي خلال الصحوة الدينية الفكرية ، وجد المفكرين المتحررين من الالتزام بالحد الأدنى من ( موجبات الكفر ) أنهم محاصرين بتهم الالحاد والتكفير ، وهذا جعلهم يرون أنفسهم في مصاف مؤسسي الحضارات الغربية والشرقية الحديثة ، مثل الماركسية والبراغماتية ، مع العلم أن كل العقائد إنما أنتجت مفاهيم أوسع واشمل على النطاق الاقتصادي والنطاق العلمي بغض النظر عن تجاوزها الديني لشيء لا يملكونه وهو العقيدة . ولكن مفكرينا صدقوا أنفسهم حين تم اتهامهم بالكفر والإلحاد ، ولكن الطبيعة البشرية تمنع الضمير من الموت نهائيا والسكوت ، فكانت العقول المتكبرة والمتجاوزة تقع تحت تأنيب الضمير ، ولذلك نجد أن المفكرين والمثقفين وجدوا حلا مختلفا ، وهو أنه بدلا من قذف قمة الهرم العقدي بالحجارة والتشكيك فيه ، يمكنهم الصعود من الحضيض ، لذلك اتجهوا نحو مستوى الغريزة والتي هي أقل من أن تكون سوى وسيلة تكاثر ووسيلة تتجاوز عقلي وقلبي ينفع في اصلاح المجتمع ، فكان ما تحت السرة هو البداية الجديدة ، فهو محظور فطري له لذته التي لا تمنع من أن يتم اعتباره تجاوز أقل خطورة من التجاوز في الأصول الدينية ، فكان الجنس هو مصدر فكرهم وثقافتهم الحالية والتي انتشرت في الجيل الجديد من مثقفي هذا العصر ومفكريه ، لأنه ارتبط بكون ( الحرية ) نمط يجعل الإنسان قادر على التحدث بكل شيء يحظره الذوق العام والمجتمع عدا المنع المتوافر في الدين ، فكانت نتيجة ( الليبرالية ) العربية أنها استطاعت بكل فعالية على خلق فراغ كبير بين ما تتصدى له وبين واقعها ومشاكله المتنوعة ، وما بين السماء والسرة أصبح مجرد مشاكل اعتيادية لم يعد المفكر يرى فيها محفزا يسلط عليه الأضواء أو يقدم من خلاله مشاريع فكريقة وثقافية تحسن من معيشة المجتمع وترفع قدرات المواطنين المادية والفكرية ، فهو يستسلم لنظرية أن الأمور الخاضعة لسلطة الدول والحكومات غير قابلة للتغيير ، ولكنه يستطيع تغيير تلك التي لا تملك أي حكومة القدرة على ضبطها ، لأنها عبارة عن ظلمات تتدحرج خلف الكواليس الخاصة بالنخبة المثقفة وما يجاورها من وسائل خاصة بنشره كالإعلام ومؤسسات النشر والمنتديات الثقافية ، فكان النخبة بعيدين كل البعد عن مجتمعاتهم متعلقين ومتأرجحين بين ما فوق السماء وتحت السرة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *