فواتير وطنية

يبقى السداد واجب يبلغ حد الالتزام في ذمة كل انسان يحمل انتماء . ويظل الانسان أسير انتمائه فإما ينتصر به أو ينتصر له أو يخسره . وبالقاء نظرة سريعة الى خارطة العالم الاسلامي اليوم نجد الطموح في تحقيق وحدة الانتماء يجعلنا نختزل الرؤيا في طموح الوحدة العربية . لأنها الأكثر تيسرا وسهولة لوجود الكثيرمن المضمون المشترك . فمنذ سقوط الدولة العثمانية كان على الخارطة العربية الاندراج تحت منهجية العمل السياسي للمجتمع الدولي .

كانت الثورات هي الحق المشروع انسانيا للحصول على الاستقلال المرهون باكتساب قيم معاصرة والتخلي عن اكثر المباديء توغلا في عمق الانسان العربي المسلم واعتبارها رجعية وموروث استعماري يجب التخلص منه . وفي سبيل تحقيق مكاسب الثورة كان على الشعوب اتباع رموز النضال والتمسك بمفوهم ( الجهاد ) القديم قياسا الى عنصر القومية الحديثة . وهو مفهوم تضحية يقدم كل المعنويات على الحياة ويعتبر الحرية والكرامة والشرف والعزة رواسخ تنمو جذورها على ارضية بذل دماء ابناء الوطن .

والوطنية سياسة فكرية تسعى الى بتر روابط القومية واعتبار كل وطن حالة خاصة بموروثه وحضارته . فيسهل التعامل في هذه الحالة مع كل قطر على اساس المصلحة الخاصة به . فكانت الدولة دائما هيكل اداري ناشيء ضمن ظروف طارئة واعجازية يكتسب معنوياته من عدة مستويات فكرية انتمائية تأتي في الترتيب حسب التجزئة التاريخية الدولية منذ عام 1924 كالتالي : عقيدة اسلامية . قومية عربية . اقطاعات اقليمية ( كاتحاد مغاربي . او مجلس تعاون خليجي او عربي . او حتى دول الشام )… ثم اخيرا تأتي الوطنية الخاصة .

الحكومات دائما تبدأ في اجتذاب صلاحيتها من خلال دعم اكبر الانتماءات ثم تبدأ تنازليا في بث جدارتها بواسطة ترسيخ قيم خاصة بها وطبيعة مستقلة تحيزها وتفردها عن دول الجوار . وتلك الطريقة هي عبارة عن بناء قوالب فكرية تضمن صلاح المجتمع لكل دولة على حده وجعل التركيبة الفكرية له ذات نسق يدعم مواقف الحكومة في كل الظروف . وبهذا تكون مشاعر المواطنين تصاعدية حسب المواقف الحكومية من احداث الساعة والمنطقة . ويمكن التعامل مع تلك المشاعر باثارة العناوين العامة للقيم والمفاهيم القديمة قياسا على النهج السياسي الحديث ؛ كالعقيدة الاسلامية . ثم العناوين الاحدث والاقرب الى مضمون الحدث ؛ كالقومية العربية . واخيرا الورقة الرابحة وهي الوطنية .

تلك الورقة هي فاتورة مستحقة الدفع من المواطن كغرامة انسانية لانتمائه او ضريبة الرعاية التي يحصل عليها من حكومته . وبحسب تميز تلك الرعاية او ذلك الانتماء الجزئي تكون ردة فعل المواطن الذي يكون ادنى مستوى فكري له وخالص هو ضمن مشاعر الحصول على لقمة العيش والحياة الرغيدة . وذلك امتياز يختلف من دولة الى اخرى وربما يجعله قياسا يخترق كل القيم والمفاهيم الحديثة والقديمة . فتكون نقطة النزاع هنا هي مقارنات المواطنة على المستوى الاقليمي .

ولذلك تكون الحكومات حريصة على اثارة هذه النقطة وجعلها نقطة البداية لاكتساب الشعبية والرضا حول اي خطوات او قرارات قد تمس عمق القيم الانسانية للمواطنين وعدالة القضايا المشتركة لابناء المنطقة العربية والاسلامية .

معاهدة كامب ديفيد المصرية . التعاون العسكري الكويتي الامريكي . وكذلك التعاون القطري الامريكي .. ومصالح وطنية مجزئة على مستوى جميع الدول الحاملة لنفس المسؤولية الانتمائية في واجهة شعوبها .. كل تلك هي مصالح وطنية خاصة يتم اعتبارها كحلول افضل لضمان عيش المواطن .

اذن السداد المطلوب على المواطن هو التجاوب مع كل تلك الافعال والقرارات السياسية المنفردة في اغلبها من صناع القرار والحكومات بحيث يسلم المواطن بان هذا هو الاصلح له وانه في سبيل تحقيق حياة كريمة تحفظ له جوهر انتمائه . ويكون المبلغ المطلوب هنا هو التهاون وغض النظر عن جميع الانتماءات الصارخة التي مر بها مواطن المنطقة العربية منذ بداية صناعة المجتمع الدولي الحديث . والتنازل تدريجيا عن كل قيمه ومبادئه التي كانت هديرا صاخبا يحرك الثورات ومعارك الاستقلال او حتى معارك التوحيد ..

ولكن يأتي المحك الاساسي والصعب وهو العقيدة حين توضع كخيار ضمن الاثمان المطروحة لسداد الفواتير الوطنية من قبل المواطنين ..

فهل يقبل الشيك …………………….؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *