الشيطان يمسك بالريموت

جلست أمام التلفاز ذات يوم ، ووجدت نفسي أقلب على القنوات الفضائية أشاهد كل قناة ومافيها ؛ دون البحث عن شيء معين ، فقد إطلاع سريع على كل ما في قنوات العالم بجميع اللغات ؛ لست بذلك اللغوي لست أفهم كل لغات العالم؛ ولكن قد يفهم الانسان بالايحاء ومراقبة المتحدثين بعض ما يجري .. وخدمة الصور تتيح أيضا للشخص فرصة كبيرة لمعرفة بعض ما يتضمنه مضمون الحديث .

برامج الحوار والنقاش… برامج الأسئلة والمسابقات … البرامج التاريخية والوثائق .. برامج تفسير الأحلام على الهواء مباشرة .. الأبراج والحظ … برامج منوعة يكون للمتصلين والمستفسرين مشاركات متنوعة ومباشرة …

إن الإعلام الفضائي أصبح وسيلة واسعة الانتشار .. تتميز عن الجرائد والمجلات .. بسهولة المتابعة .. بالتفاعل السريع .. بجذب الأنظار .. كلها أمور تجعل البث المرئي يقف بقوة متصدرا على قائمة وسائل النشر الإعلامي ..

بدات اخفف سرعة التنقل بين المحطات .. ومتابعة ما أستطيع فهمه .. وكان هناك ما يكفي لجعلي مشغولا بالمتابعة لمدة اربع وعشرين ساعة متواصلة علىالقنوات العربية وحدها ..

وفي جهاد متواصل مع الوساوس والشكوك .. تجسد لي الشيطان في أحد زوايا الغرفة .. وكأنه لا يراني .. أو انني انتقلت من بعد الى بعد آخر .. فاصبحت أراه .. وحين أقول الشيطان فاعني إبليس شخصيا .. وليس احد جنوده ..

كان مبتسما سعيدا ويمسك بالريموت … ولا اعتقد ان الشيطان يعجز عن استخدام وسائل التكنلوجيا الحديثة ..
على غير ما قد يتوقع الجميع .. فهو لم يمر أبدا بأي قناة تبيع الدعارة او الفساد .. بل كان اهتمامه واضحا بنفس تلك البرامج التي شدت انتباهي .. ولعل تفكيري كاملا كان عبارة عن وساوس شيطانية …

برنامج تاريخي عن الاحتلال اليهودي … ارى ويرى الشيطان كيف يوجد اختلاف في سرد بعض التفاصيل الصغيرة وادخالها ضمن مضمون وسياق البرنامج .. فالتواريخ والاحداث الكبيرة تم الاتفاق عليها .. ولكن هناك اجزاء خفية لم يعلمها الا من كان حاضرا.. وكل شخص وصفها بوجهة نظره .. فكان كل كاتب او معد لسيناريو وثائقي يضع بصمته الخاصة في ذلك البرنامج او ذاك .. مع بعض الاضافات الصغيرة التي تجعل مبدأه او انتمائه الخاص او بعض من افكاره السوداء تبدو منسجمة مع بقية الاحداث المنجرفة بقوة نحو عقل المشاهد الذي يعتقد ان الثقافة هي معرفة التاريخ .. ولو كان الأمر كذلك فليس هناك من هو أكثر ثقافة من الشيطان .. الذي كان حاضرا في كل عصور البشرية جميعا …

اخرج الشيطان من جيبه هاتفه المحمول واتصل باحد اعوانه … يبدو ان تلك المحطة قد ادت واجبها كما يجب .. اذهب الان الى مخرج تلك المحطة واجعله يعارض هذا البرنامج ويعارض بعض مما جاء في هذا اليوم.. واجعله يضع بعض الدعايات الخاصة بالمرأة وعطورها وادوات التجميل بين فواصل البرنامج .. فبدل ان يقول المعلق على البرنامج ( حائط البراق ) يقول ( حائط المبكى ) .. شيء بسيط ولكنه يمر مرور الكرام… كان المجاهدون يناضلون عن عروبتهم .. ( وين راح الاسلام يا ابو الشباب ) …

يعود الشيطان ويغير الى قناة أخرى … برنامج حواري يجلس فيه شخصان متحفزان وكل واحد منهم قد كدس بجانبه العديد من الأوراق ( مظاهر !! انا مثقف وعندي دلائل واثباتات)… المذيع او المدير للحوار في النصف او على احد اطراف الطاولة .. في كل مرة يقول جائني فاكس جائني فاكس ( مع ان الهاتف مشغول طوال اليوم ) … وفي كل مرة يقول جائني فاكس كان الشيطان يحدث احدهم ويوصيه بأن يوسوس الى ذلك العالم او ذلك المؤرخ ليتصل ويشارك او يرسل فاكسا ..او يلهم المذيع بفكرة جديدة ( ما يقفل على نفسه )

تشويش مستمر لبعض الثوابت التي كانت واضحة المعالم جلية للجميع حتى يرى او يسمع ذلك البرنامج او ذلك الحوار …

نعم نعم ان الاسلام قد اوضح وبين ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقال …في الطرف الآخر ولكن هناك حديث آخر يقول ويقول … ان العالم الفلاني قد قال كذا وكذا .. وهذا دليل … يقول الآخر لدي فاكس يقول ان عالمك قد فعل وفعل …. ( تعددت الاسباب والموت واحد )

لدينا اتصال من مشاهد … عفوا انقطع الاتصال ( ركبة ) … عاد الاتصال … ( ترقيع)

ماذا تريد ان تضيف ( كل اناء بما فيه ينضح ).. وكأن هناك شيء ناقص أو غائب عن التاريخ او الدين لكي يكمله ذلك المتصل .. أو كأن الحوار ينقصه بعض نقاط الفبركة والتشويش لكي يضيفها ذلك المتصل الكريم…

ويجلس الجاهل .. فاتحا فمه ( قد يكون انا او انت او هو ) .. وكأنه يتابع مباراة وقد ختار الاقرب لنفسه من المتحاورين .. وينتظر ان يفوز … او يرد .. وهو نفس شعور الجاهل عندما يتابع بحماس مباراة لكرة القدم .. وليس هناك فرق .. لأنه يعتقد ان الحق دائما مع الممثل لانتمائه حتى لو بالاسم واللهجة وليس في الفكر .. فما يهمه الان ان يدخل بعد ذلك الى احد مواقع الحوار والمنتديات ليقول قال الدكتورالفلاني ذات يوم ( لانه انتصر في دوري الكلام )…

والشيطان في كل هذا يضحك ويبتسم .. لأنه في هذه الاثناء يعلم جيدا .. أن احدهم قد اصبح لقمة سائغة لاحد جنوده بعد كل هذا التشويش ( الناس وشت ) .. فبعد ان كان متاكدا ان ذلك الأمر مخالف دخل اليه الشك بانه قد ( يمشي الحال ) …

ليست المشلكة هناك فقط ..

برامج الحوار المفتوح لحل مشاكل الأسر …

ابي ضربني … امي تمنعني من الخروج …. انا تزوجت ثم طلقت ثم تزوجت … اولادي لا استطيع رؤيتهم .. كنت مدمنا .. مازلت مدمنا …. ( برنامج فضائح على الهواء ) والمضحك هنا ايضا انه حتى لو كان البرنامج يختص بمشاكل الأسرة .. يأتي أحدهم ويتصل ليقول ..ان الدولة هي مسؤلة عن مأساتي فلقد كنت احب فتاة ولم اجد عملا ولم اتزوجها ( لو برنامج عالم الحيوان جاب سالفة المهم يسب )… ويكيل السب والشتايم لتلك الدولة ( الأخ معارض وفي نفسه يتصل من امس والخط مشغول ) … او آخر يتصل ليس له علاقة بذلك المجتمع نهائيا … ويقول لقد كنت اعيش هناك وفعلا شاهدت بعض الحالات التي والتي .. وكأن مجتمعه قد انتهت كل مشاكله فاخذ الاخ الكريم يساعد المجتمعات الأخرى في حل مشاكلها .. ( عجزت عن بيتها )

في نفس البرنامج او برنامج مشابه على محطة أخرى … تجلس طبيبة تستقبل مكالمات نسائية في فترة الصباح ( ما عندها عيادة ؟؟).. أو في اغلب الاحيان دكتور .. وطبعا شعارهم لا حياء في العلم .. وتبدأ بشرح تفاصيل مشكلتها الزوجية ومعاشرتها الخاصة .. وذلك الدكتور ينتفخ ليتصدى لحل الاستفسار بنوع من الرجولة لا اجده حريصا على اظهاره لو كان المتصل رجل مثله ( يتمنى لو ان جميع الرجال مصابين بالعقم) .. ويصبح اكثر تفصيلا من السيدة نفسها … والعجيب في الامر ان مكياج المذيعة لا يجعلني اتاكد هل تغير لون ملامحها .. هل احمرت وجنتاها خجلا … لا اعلم فهي كالتمثال ( لا قلب يخاف ولا وجه يستحي ) …..

او برنامج يتعدى كل الوصف .. نحن اليوم يجب ان نعالج مشاكل الشذوذ .. معنا اتصال من شاذ له تاريخ طويل من الشذوذ .. مارايك بالشذوذ … يجيب هذا حقي وطبيعتي ( يا بطل !! أجل مآخذ موقف ولديك قناعات )… يسمع ذلك الشخص على الطرف الآخر من التلفاز ويمد براطمه … ويقول مسكين شاذ ( الله يشفيه ولا يبلانا ) .. او تتصل فتاة أخرى وتقول انا شاذة ( يافرحة اهلك فيك ) … او يتصل آخر صوته حزين .. ابي كان السبب .. المدرس كان السبب … ( اجل ليه عينك مكسورة ؟؟؟ )…

ومازال الشيطان في كل مرة يجد ان العمل يجري على قدم وساق في كل برنامج .. وفي يده الأخرى يمسك بالهاتف المحمول يتصل ويوجه جنوده …

في مكان آخر يخرج علي شخص انكر وجهه وحديثه وشكله .. وكأنه أحدب نوتردام … ويقول لفتاة اتصلت به .. ضعي يدك على التلفاز…( يمكن وضعت رجلها ) لا يهم. رجل؛ يد؛ يسرى؛ او يمنى ؛؛ لكي اعرف ماهو مستقبلك (ل وتعرف المستقبل ماكان هذا وجهك )اهم شيء التحليل
والعجيب في ألامر .. ان كل التحليلات بعد ان جمعتها وسمعتها .. هي تبدأ بانك شخص تعاني ( غريبة كل المتصلين يعانون ) .. ومن ثم انت شخص سيكون لك حظ سعيد فلا تحزن( اكيد لان الخاتم سعره فوق الخمسمائة دولار ) . وكأنه قد ( جاب التايهة ) لديك ماشكل عائلية ( ومن يخلو .؟) وا بالاصح لو لم يكن لديه مشاكل لما اتصل اساسا ….

وفي المقابل .. أجد احدهم قد بدأ يأخذ قصص الناس في مناماتهم واضغاث احلامهم .. ويضعها على طاولة التحليل .. فمرة يتاجهل شروط التفسير ويدخل في علم النفس والعقل الباطن .. وارى الشيطان قد اخذ بالضحك عندما اتصل احدهم وقال رأيت نفسي آكل كثيرا .. فيرد عليه الآخ لقد نمت واانت جوعان ( نام خفيف وتحسف).. او يتصل طفل فيقول شاهدت نفسي اموت بطلقة رصاصة .. فيعود الى التفسير الجائز ويفسر الحلم تفسيرا كامل … هناك من يتكلم في ظهرك ويغتابك ( نعم زميله يقول انه ما يحبه ما خلاه يلعب معاه ) .. وكأنني أرى الشيطان قد اتصل على احدهم وقال اجعل ذلك الفتى يخرج من لعبة البلاي ستيشن خسران (Game Over) فنام الصغير وهو يرى نفسه يقتله وحش اللعبة ….

وكل ذلك يهون .. عندما ترمي بعدة ريالات (اتصل الأن واربح _هو_.. الفاعل ضمير يعود لشركة الاتصال ) لتجرب حظك في مبلغ يفوق الخيال ( كل ما فاق الالف خيال ؟؟شعب طفران ) … فيأتي أحدهم ويقول سأتبرع بها (ايه هين!! لا تحسدوني ) … انه عمل انساني او رباني .. هنا نحيل التساؤل الى برنامج آخر

برنامج يناقش العلاقة بين الانسانية والدين وهل بينهما تعارض …

مازلت ارى الشيطان يحرك الريموت وازرار جهازه قد رسم عليها وجوها تظهر عليها ملامح الغباء … او وجوها لرؤساء وعلماء ( وفي اغلبها نفس الاشكال لنفس الشخص ) … بحسب الحاجة…

كم تمنيت ان اسرق شريحة هاتفه المحمول لعلي اجد فيها كل من اراه على التلفاز يناقش بغير علم .. او يحاول ان يدلس على الناس في امور دينهم ودنياهم… ولعلي اجد في جهازه ارقام قرناء الرؤساء والزعماء لدول واحزاب .. او جماعات او مؤسسات …. تلك الشريحة ثمينة جدا …

تمنيت ان خيالي الغريب حقيقة فاخذ الريموت واخرج منه بطارياته ..

او آخذ شريحة هاتفه فاحرقها او اغير رقمها السري ..

ان الشر لا يظهر دائما جليا لكي نغمض اعيننا ونصم اذاننا .. بل يأتي بصور مختلفة نجد فيها بعض الجاذبية… ( كمن صب سما وسط الدسم ) …

وقبل ان تحطموا .. اجهزة التلفاز .. هل العيب فيه ام فينا … هل المستمع حين يسمع او الرأئي حين يرى … يجد نفسه مغلوبا على أمره في تصديق ما يراه أو يسمعه … ان كان الشيطان يمسك بريموت اولئك .. فمن يسمك بريموتاتنا نحن …؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *