اخوكم / محمد … واخوهم / جوزف

على طاولة في مقهى شرقي يعج برائحة القهوة والاراجيل ذات النكهات الاستوائية . كان اللقاء لا يتحمل اكثر من معنى الصداقة التي نشات دون تكلف في احد مراحل العمر . ودائما يكون الانتقال الى احداث الواقع العربي سريعا ولا يمكن ابدا لاي شخص من المتحاورين الرجوع لتذكر سبب الدخول في هذا النقاش . هي فكرة دائما تجد طريقها الى اي لقاء بين شخصين لمجرد اشتراك اللغة . او ربما الصفة الانتقادية في الشخصية العربية تتطور من ملاحظة فتاة تتغنج بخرطوم الارجيلة او شاب يضع سلسال حول عنقه . لكي يصل الانتقاد الى واقع المجتمع ومن ثم الوصول الى التجمع العربي سياسيا .
والسياسة هي شماعة المواطن التي دائما يجد لنفسه ملاذا لكي يتخلص من سلبيته ويحمل مسؤوليتها على عاتق الاضطهاد والقمع الفكري . والحقيقة هي ان ذلك القمع لو لم يكن لكان الوضع اسوأ مما هو عليه
والاختلاف في وجهات النظر هو سمة اساسية لطبع النقاش بحرارة الثقافات المتكدسة لدينا جميعا . ولاني انتمي الى كيان اكبر فلابد لي ان اتنازل الى انتماءات صغرى للمحافظة على كل تلك الدوائر المتشابكة داخل انتمائي .
ولان الفكر المطروح على طاولة القهوة والنقاش يتحملها تاريخ لم تمم قرائته بشكل جيد ؛واستمرت فكرة ان التاريخ يعيد نفسه لدينا هي ( اعادة نفس الأخطاء ) وليس اعادة التاريخ كاملا . لان التاريخ كان مليئا بالنتائج الايجابية . ولكن تعودنا الوقوف على ملفاته السرية وحقائق الخيانات والتنازعات . والتركيز على جوانب الفتن واسبابها . ليس لحل تلك القضايا العتيقة والتي اندثرت نتائجها وضحايها في اتربة الاوطان الجديدة ضمن المجتمع الدولي . وكل ما يهمنا هو القاء الاتهامات وابراء الذمم . واكتساب الحقوق في تصدر القرارات الصائبة .
وعليه كان جوزف مصمما على ان الليبريالية هي الحل الامثل لتركيبة المجتمع العربي الجديد . ومن خلالها يمكن له اخذ مساحة اكبر من الحرية لوجود نظام يرعى حقوقه .
وطائفية جوزف لا تاتي من واقع كرهه للاخرين ولكن لحبه بان يكون في مثل موقعهم من الخريطة الايدلوجية لهذا العالم العربي .
وحقيقة طموحه الى نظام ليبريالي ليس كرها للاسلام والمسلمين ولكن لشعوره بان التاريخ قد وضعه على هامش الاحداث في هذه المنطقة واقتصر الوقائع على كون الحكم المطلق في عجلة الدولة كان اسلاميا بغض النظر عن اختلاف التراكيب الاجتماعية .
جوزف عندما يتحدث عن الليبريالية يرمي بكل مصطلحات العصر الجديد . ديموقراطية ؛ براغماتية ؛ علمانية . وغيره مما يطبع كل ذلك الطموح بنظرة التفائل لحلول واقعية نتائجها واضحة العيان في واقع العالم الغربي .
ورغم كرهنا للعالم الغربي وكرهنا لكل انظمته الا الانتاج الكلي لكيانه هو التصدر والتقدم نحو الامام . وياتي كرهنا هنا ليس لاختلاف الايدلوجيات او رضوخ منطق المعاملة الى ريبة وشكوك نظريات المؤامرة .
ولكن ياتي الكره من اساس العجز والضعف وعدم القدرة على تحقيق بعض ما يوجد في ذلك الكيان . لذلك كانت الليبريالية طموح مشروع لاي شخص يتمنى ان يكون قويا ومتصدرا .
ولكن يا جوزف :
الديمقراطية خدمة تلك المجتمعات لان اساسها الحكم للاغلبية .
ولن تخدمك هنا لانك ستكون ضمن الاقلية
والبراغماتية خدمة مجتمع اتى يبحث عن الفرص في عالم جديد
وهنا عالم قديم ومنطق الفرص لا ينطبق عليه
والعلمانية هناك اتت كاملة في استخدام كل امكانيات العلم
وهنا ستكون ظواهرها سطحية لمجرد استعراض القدرة على التقليد

ومحمد على غفلة وبكل اهمال لكل مقدمات الحوار الناتج عن ود مسبق ومتفق عليه بين صداقة قائمة دون اعتبارات سوى الانسانية . يرى ان المرونة والتساهل يفقد هذه الطاولة حرارة الغيرة على الاسلام واثبات المثبت سلفا وهو جدارة هذا الدين بالتسيد . واعادة كل الاقوال وكل المناضرات لاثبات منطق سيكون نهائيا ولو كره الاخرون . ولكي يكون محمدا اكثر حرصا مني على الدين ولكي يكون في موقف الضد من جوزف كان لابد عليه ايضا من ان يطبع الحوار بسمة الثقافة الاسلامية المتكدسة لديه . وحقيقة كره محمد لجوزف ليس لان الاخير انسان بغيض ولكن لانه مسيحي ولانه يكره المسيحية فهو يكره كل اتباعها ولانه قرأ ان مسيحي العالم الجديد يخضعون للصهيونية . وواقع كرهه لمثل هذه الحوارات التي ترجح انظمة الغرب على النظام الاسلامي . ليس لانه يعرف نظامااسلاميا كاملا وله نتائج حقيقية ملموسة. ولكن لانه يفترض ان التاريخ يجب ان يعيد نفسه . ولكي يثبت النقيض من ذلك الحوار كان لابد عليه ان يزج بكل المصطلحات الدينية .. شورى ، ولاء وبراء ، جهاد . وهو ايضا طموح مشروع لكل مسلم باخضاع كل قيم العصر الحديث الى كل اسس التاريخ الاسلامي في العصر القديم . ولكنه ليس كطموح جوزف . فطموح دولة اسلامية ياتي بالتقاط صور متقطعة عبر حقبة تاريخية طويلة . لذلك طموح محمد اقرب الى الحلم . واما جوزف فهو طموح واقعي لرؤية نتائجه المسبقة على واقع الاحداث

ولكن يا محمد
الشورى كانت في زمن تميز فيه الافضل وعرف فضله على الجميع
فمن يحدد اليوم مثل اولئك وماهو المقياس الذي سيجتمعون عليه
والولاء والبراء كان عند حدود الالتحام في صراع على احقية السيادة
واليوم اصبحت السيادة واقع مفروض لا يحتاج الى التحامات ايدلوجية
والجهاد كان وسيلة لنشر الدين وازالة العوائق امام الدعوة
واليوم اصبحت الدعوة اكثر يسرا برضوخ هذا العالم الى حرية الانتشار الفكري

قلبت الطاولة وسقطت الاكواب لتعلن ان ما يحدث على اطرافها ليس الا مثالا مصغرا ومبسط لواقع كبير اكثر تعقيدا مما يبدو .
ما يعجبني في مثل هذه الاحداث انها تختزل علي رؤية مجريات الساحة السياسية او متابعة النزاعات الايدلوجية . ولذلك احرص دائما على ان تكون طاولتي مليئة بكل الأصدقاء ومهما كانت افكارهم . فهم بحق شخصيات تمثل لي مسرح العالم وتجعله اقل تراجيديا مما هو عليه في الحقيقة ..

وحتى انقل لكم احداث طاولتي التي اجلس عليها وحيدا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *