وصفة مناهج منزلية

وقفت أتصفح أحد الكتب في إحدى المكتبات الصغيرة في وسط البلد حيث أعيش، وأثناء انسجامي في قراءة إحدى الصفحات، لمحت بطرف عيني شخص في منتصف العمر يحمل في يده ورقة يبدو أنها قائمة بعدد من الكتب، وقف بجانبي وهو ينظر إلى الرفوف أمامي، ثم حاول مد يده واعتذر بطريقة مهذبة. وأخذ كتابا دينيا. ونظر إليه ثم تفقد قائمته التي في يده. عدت إلى كتابي أستعجل النظر فيه, لأنني كما يبدو قد سببت ببعض الزحام في هذه المكتبة الصغيرة. ما أن هممت بالذهاب إلى البائع لأسأله عن سعر الكتاب الذي في يدي حتى تقدم ذلك الرجل مني وطلب مني مساعدته في اختيار أحد الكتب. وكان البائع قد أشار إليه بأن يتحدث لي باعتباري أحد زبائن هذه المكتبة الدائمين.
كانت الفرصة مواتية تماما لاقتحم بفضولي قائمته تلك التي في يده. وما أن أتم جملته حتى طلبت منه الورقة وأخذت أنظر إليها. كتب متخصصة في جميع فروع الدين الإسلامي وأغلبها كان مرجعيا أي من الأحجام الكبيرة التي تدل على أن صاحبها قد يكون متخصصا في العلوم الشرعية. وهذا ما سألته عنه.
وأخبرني بالعكس تماما فهو صاحب مهنة حرفية لم يكمل حتى دراسته الثانوية. فأعجبت به لأنه شخص يبحث عن مثل هذه الكتب. ولكنني تراجعت عن الحكم عليه وفضلت أن أسأله لماذا إذن هو يشتري الكتب؟؛ فمن يدري؟. لعله يفعل ذلك لأحدهم.!
كانت إجابته عبارة عن حديث طويل. وكلمات نابعة من القلب لرب أسرة يريد الأصلح لأبنائه، كنت قد فتحت له بوابة الحديث عن مشاعره الكامنة وما يحمله في قلبه من هم.
هذا الشخص بعد أن سمع عن الأخبار القائلة بأن المناهج سوف تتغير, وأن كثيرا من الكتب الدينية سوف يتم تحييدها من المناهج التعليمية. فكر ووجد انه غير ملزم بأن تكون المدرسة هي المكان الوحيد حيث يتلقى أبناؤه علومهم. رجل يريد أن يعيد دور البيت في تأهيل الأبناء وتثقيفهم.
أخبرني بأنه ليس هناك حاجة إلى المدرسة لكي يتعلم أبناؤه دينهم. وأن الدين الإسلامي ليس مادة تعليمية أكاديمية لكي تعتبر موضع قياس لصلاحية الطلاب علميا.
تلك القائمة كانت أشبه بوصفة منزلية لمناهج دينية رائعة.
شاركت ذلك الرجل في البحث عن كتبه التي يريد. وكنت سعيدا فعلا بأن أحدهم قد اكتشف الحل لنفسه وأبنائه. وربما بضعة أشخاص آخرين يبدأون بمثل هذا سيغيرون المخاوف المتراكمة مما يسمى حملة تغيير المناهج في العالم الإسلامي.
هناك المسجد وهناك المنزل وهناك دور لكل من أراد أن يشارك. وليس حكرا على وزارة التعليم والتربية أن تقدم ما تراه مناسبا للأجيال مادام الجميع يشعر بالمسؤولية نحو هذا الأمر .

…( MENU )…

ما أكثر القنوات التي تستجيب لرغبات المستمعين ، والشعوب دائما تنقاد لمن يحققرغباتها ، / حتى لو كانت أغنية ، والأكثر من ذلك ؛ أن الشارع العام يتجمهر ، ويتجمعحول كل من يعبر عنه ، أو يقول شيئا يريد سماعه ، وكالأغاني ؛ تكون المقالات، كلماتوكلمات يطلبها الناس .
ولنتأكد من هذا .!؟ ؛ ما علينا سوا ملاحظة الإعلام بجميعوسائله ، وكيف أنه لا يتغير _ فالأمر إن فكرنا به من الناحية التسويقية _ يتركز علىتحقيق أعلى نسبة من المشاهدين والقراء . سواء في الإذاعات أو القنوات الفضائية ، أوالجرائد والمجلات ، ولا تستغرب عندما ينشأ جيل من الكتاب والإعلاميين يكررون كل ماسبق لنا قرائته ومشاهدته والاستماع له .
وعلى سبيل المثال ، نأخذ الجرائد فقط ،دليلا على ذلك .
فعندما واجهت صعوبة في أن تنشر مقالاتي في الجرائد . اتجهت لأحدالأشخاص_ ذوي الباع الطويل في الصحافة _، وسألته عن رأيه ، وما كان منه إلا أن أشارلي بفتح الجريدة وقراءة العناوين ، واستخلاص مواضيع المقالات .
وبطريقة أخرى قال : اعتبرها ( منيو ) ( MENU ) _ قائمة الطعام لأحد المطاعم _؛ وتخيل معي الأطباقالتي يطرحها المطعم ، لن تخرج القائمة عن رغبات الزوار ، والنوعية الرائجة فيالمطاعم الأخرى وبنفس المواصفات .
لديك عدة قوائم :

قائمة الظواهرالتكنلوجية :
1- النت ، غرف الدردشة ، المنتديات .
2- البلوتوث.
3- التفحيط .
4- برامج الواقع ( ستار أكاديمي ) ، و ( سوبر ستار ) في المقدمة .
5- القنوات الغنائية . والفيديو كليب . والفنانين والفنانات.

قائمةالمشاكل الحكومية:
1- التعليم.
2- الصحة .
3- الخدمات الأخرى ، الهاتف ،الكهرباء.
4- البطالة.

قائمة الظواهر الاجتماعية
1- غلاء المهور ،العنوسة
2- الطلاق ، الأيتام
3- الغزل ، والانحلال الأخلاقي
4- القتل ،الديات .

قائمة الشكر والثناء والانجازات :
وتشمل كل موضوع يتعلق بذكرانجازات المسؤولين ، والثناء عليهم ، ومواقفهم في حل المشاكل والأزمات ، وأفضالهمفي مساعدة المحتاجين.

كانت تلك القوائم الخاصة بالمواضيع الداخلية ضمن حدودالوطن .
لكن من أراد بريقا أكثر وجمهورا واسع الانتشار في المحيط العربي وحتىالعالمي ، فلديه القائمة السياسية : والتي حاليا لا تتغير منذ ما يقارب القرن :
أمريكا ، وتحتها تقع ثلاثة أرباع مشاكل العالم وسياساته ، حتى إسرائيل وفلسطين، بالإضافة إلى حروبها في أرجاء العالم ، وحالياً حربها على العراق .

لأنأمريكا والحديث عنها هو أكثر ما يجذب الانتباه ، فإن كرهتها فأنت مناضل ، وإنأحببتها فإنت هدف للنضال _ وفي كلا الحالتين _ سيكون اسمك متصدرا للعديد منالعناوين ، وتلتهمك صفحات الجرائد بنهم ، وسوف تجد ألسنة الناس تتحدث عنك إما بصفةاللعن المطلق ، أو صفة الشكر الذي لا يعلو عليه شكر .

وبالفعل .!؛ عندما عدتللتدقيق في المقالات ، وأعدت تصفحها مرة أخرى ، لم أجد أياً منها يخرج من هذهالقوائم ، وكل كاتب أصبح متخصصا في طبقه اليومي أو الإسبوعي . لدرجة أنه يغلب علىمطاعم المندي والمضغوط أو الفاست فود الشهيرة . ولا تتفاجأ عندما يبدأ أحدهمبالدعاية عن عروض خاصة على مقالاته ، فهناك من يضيف السخرية والنكتة ، وهناك منيضيف اللسان اللاذع والوقاحة ، وهناك من يكتب لك موضوعين في مقال واحد .

الإعلام بشكل عام أصبح يكرر نفسه ، بعيدا عن حاجة القاريء والمشاهدوالمستمع ؛ لمواضيع ذات جانب شخصي جدا ، لا يعتمد في عنوانه على أي ظاهرة أو أي حدثاجتماعي أو سياسي ، ويكفي أن يكون مجرد تعبير عن حالة إنسانية كالغضب والكره ،والحب والسعادة ، كلمات قد تساهم في إزاحة شوائب تراكمت مع الزمن في نفوس الجمهور ،وأصبحت تتداخل مع تصرفاتهم اليومية ، وتعاملهم مع بعضهم البعض . فكم من شخص سمح خبرتفجير في العراق . أو قرار وزاري ، أو رأى مشهدا غنائيا سخيف ، ليعود إلى بيته وأهله ،أو يجلس بين أصدقائه ، وهو متعكر المزاج ، كارهاً للمجتمع وللعالم . معتقداً، أن لا خير في الدنيا .
وهذا ما يجعل المجتمع متوتراً في أغلبه ؛ مترقباً ومتوجساً من كل شيء ، داخل البيوت وخارجها في الشوارع . لم يعد هناك أي خانة ينعزلفيها الإنسان عن الواقع ليعقد معاهدة سلام مع نفسه ، بعد أن شاعت حالة حرب عامة تسود الاجواء ، ضد كل شيء .

إشارة الورد

ما من قضية تتم إثارتها في وطننا العزيز، حتى تصبح قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، ويصبح للجميع حق المشاركة في الاقتراح والتنظير حول هذه القضية، وفي نظري أن هذا الأمر يعطيني فكرة عن مدى أهمية وثقل دولتنا في المجتمع الدولي، وكيف أن دولتنا تؤثر على أغلب الكيانات الأخرى سواء المجاورة أو البعيدة، أو تلك المتعاونة والمرتبطة بنا سياسيا واقتصاديا. وخارج الوطن يستطيع المواطن السعودي تلمس هذا الأمر وملاحظته. قضية سعودية داخلية بسيطة وذات أبعاد خاصة بالمجتمع السعودي، تصبح بقدرة قادر عنواناً يتصدر كل وسائل الإعلام المقروءة والمرئية. ولم أعد بحاجة إلى تتبع الأخبار عن الوطن فهي تصلني حتى من سائق التكسي الذي ينقلني من الجامعة إلى المنزل ؛ كما حصل لي بعد يوم دراسي شاق في الجامعة، خرجت وركبت سيارة أجرة يسوقها مواطن أردني، وكعادة السواقين هناك، بدأ بالسؤال هل أنت سعودي؟ ولم يكن ينتظر الإجابة كما توقعت، بل كان فقط يريد جذب انتباهي لكي يتحدث عن موضوع أو يثير قضية معينة، والجميل في هذا البلد، أن سواقي التكاسي، ليسوا دائما ذوي ثقافة محدودة، فربما تفاجأ بأنك تركب مع حامل شهادة سياسة أو قانون أو أدب أو علم نفس، والكثير الكثير من الشهادات والعقول تشرفت بالتحدث إليها.

وعند أول إشارة مرورية توقفنا، ونظر السائق إلى جواره. وأطلق تمتمة من فمه. كانت تشبه الضحكة المكتومة. وهذه إشارة لجذب انتباهي، إعلان لبداية النقاش – كما تعودت -، حولنا ما يقارب الست سيارات تقف بجوارنا وخلفنا وأمامنا، أربع منها يقودها (أربع نساء)؛ إحداهن متحجبة ومعها أولادها في زي المدارس. وأما الأخريات فكن بدون حجاب. سبحان الله كيف تناسب الموقف مع القضية التي سيبدأ بالحديث عنها السائق. وكانت القضية التي اعتقدت؛ بعد أن ضج بها وطني لابد أن ينتقل الضجيج إلى الدول المجاورة، فنحن دولة يقاس ما نفعله فيها على أنه استسلام لنفس الظروف التي استسلمت لها المجتمعات الأخرى من حولنا، وأحيانا تكون هناك نظرات متسائلة : هل أنتم أكثر فضيلة وشرفا منا ؟، هل رجالكم أكثر غيرة من رجالنا ؟، هل نساؤكم أكثر شرفا من نسائنا؟.
ومن المؤسف جدا أن إجابة (نعم) هي النظرة التي يمثلها الكثير من أبناء هذا الوطن لمن يقابلهم في المجتمعات الأخرى. فكم من مرة أخذ يتحدث أحد المواطنين بنظرة دونية عن بعض الممارسات في دول أخرى مجاورة سواء عربية أو خليجية. متجاهلا حضور أحد الأصدقاء والزملاء المحترمين من تلك الدولة. ويصبح الموقف كأنه طعن مباشر وصريح في أعراض الآخرين. وكم من مرة سألت : لماذا نفعل ذلك؟
كانت تلك هي الأسئلة الفعلية التي باشرني بها السائق بجواري، بدأ يضرب الأمثلة بما حوله من سيارات ومن نساء يقدنها، وكيف أن تلك التي لا تلبس حجابا لا أحد يتعرض لها، ولا أحد يوقفها لينتهك عرضها، تماما كالأخرى التي تلبس الحجاب، وأن كلاً منهن اختارت طريقة لبسها وحياتها بغض النظر عن قيادة السيارة، وكانت هناك سيارة أخرى تقودها امرأة وبجانبها رجل كبير في السن يغلب البياض على لحيته، لم يدعهم هذا السائق إلا وأشار إليهم كمثال على أن المرأة التي تقود يمكن لها مشاركة الرجل ومساعدته. كان الحديث من طرف واحد، ولم أشارك إلا بسؤال واحد: ما هو تخصصك؟.. فأجاب بأنه يحمل إحدى الشهادات التي ذكرتها سابقا. وعدا هذا السؤال، فأنا أحتفظ بكل ما لدي حتى أعود للوطن، فالمجالس هناك تنتظر الكثير من الأحاديث، والجميع مشغول بقضية قيادة المرأة للسيارة، من مجلس الشورى حتى مجلس شباب الحارة.
قضية قيادة المرأة للسيارة، أصبحت هاجساً إعلامياً وارتبط بقضايا اجتماعية وسياسية، ولن أقول دينية، لأن الدين هو العنصر الرئيسي في إثارة كل تلك النقاشات.
أفكر بكل هذا وكيف نستهلك الاستشارات والمحاورات والمناظرات، من أجل قضية ذات بعد شخصي، هناك من يريد وهناك من يرفض، إذن الصيغة التي يجب أن تطرح هي كيف لنا تحقيق رغبة أحدهم واحترام رغبته، مع الاحتفاظ برفض الآخر واحترام رفضه. ما هي الوسائل التي نلزم بها جميع الأطراف على احترام الاختلاف في الخيارات، ما هي العملية الاجتماعية والأمنية التي توفر معادلة متوازنة تضمن الحريات الشخصية.
تلك هي القضية المطروحة وليست قيادة المرأة.
الإشارة الخضراء تعلن انتهاء النقاش – رغم أنه من طرف واحد – وأنتهي أنا من التفكير وأتابع تلك السيارات تتحرك إلى الأمام. ويقول السائق: إن المرأة أكثر التزاما بقواعد المرور من الرجل، ومن المفروض أن نقدر لها هذا الأمر ونغير الإشارات الحمراء إلى لون الورد.

أين الله من كل هذا ؟

لكي تكتشف اثر أي فكرة أو أية نظرية يجب ان ترى أقصى حالاتها تطبيقا ، وأن تصل معها إلى آخر حدود التطرف . وهو حالة تصيب الإنسان عندما يبدأ بالتوهم بأنه مستهدف في ماله أو دينه أو عرضه . والتطرف هنا ليس مرتبطا بمذهب أو عقول معينة ، هو حالة تصيب الجميع حتى على مستوى النظافة الشخصية لتجد شخصا متطرفا ربما يفجر سيارة النفايات كي يطمئن من أنها لن تمر بمنزله وتنقل له بعض الجراثيم ، أو قد تجد شخصا متطرفا يقتل كل عائلته لإيمانه بانهم يدبرون له مكيدة وكانت بداية الخيط لكل استنتاجاته أن والده تزوج والدته دون رضاه وعلمه .

وقد تجد شخصا لا ينفك يخبرك عن أن الهاتف المحمول يسبب السرطان وكذلك اسلاك الكهرباء والمايكروويف ، وطلاء المنزل يحتوي على مركبات الرصاص التي تسبب السرطان أيضا ، وأدلته أن جاره اصابه سرطان البروستات وابن عمه اصابه سرطان المعدة وآخر مات بسرطان الرئة ، والأخير لم يكن يدخن ولكنه مات بسبب جلوسه مع مدخنين مازالوا على قيد الحياة وبدون أي سرطان ، وسوف تتطور النظريات السرطانية حتى تصبح سياسية ، وتسمع من يقول أن امريكا تريد سرطنة العالم الإسلامي ، وأن انفلونزا الطيور تم انتاجها معمليا لكي تقتل كل طيورنا ، واسرائيل تفكر باختراع مادة جينية تتقصد جينات العرب ، ولا يهم أي عرب ، فأمازيغ الجزائر عرب ، وطوارق ليبيا عرب ، وأقباط مصر عرب . وأكراد العراق عرب ، والجميع عربي لأنه يتحدث العربية وليس لأنه من أصل عربي ، لذلك ربما من الأجدر أن نفكر بأن المادة تصيب جينات اللسان ومركز النطق في الدماغ ، ولن تكتفي اسرائيل بهذا ، فهي من انتج سوسة النخيل التي اكلت كل النخيل في القصيم ، فالسكري والخلاص والتمور السعودية هي المورد الأول لتصنيع القنبلة النووية لذلك هي مستهدفة. وتستمر المؤامرات تحاك تجاه هذا المواطن العربي المسكين ، وكأنه فقد الوسيلة والطريقة في محاربتها ، وجعلته يؤمن بانه في خندق دفاع ، وليس بقدرته الهجوم أبدا ، او حتى الخروج من ذلك الخندق للوقوف في مواجهة الواقع واختبار كل التطورات والتغييرات وجعلها تصب في مصلحته كتجربة منهجية قبل البت تماما بأن كل شيء جديد هو ناتج عن نظرية مؤامرة تستهدفنا كعرب ، والأمة الإسلامية من الشرق إلى الغرب ، لم يعد بمقدروها التخلص من هذا الوسواس القهري المدعو ” نظرية مؤامرة ” ، الكل يتحدث عنها ، والكل يحملها نتائج العجز والقصور في قدرتنا على المشاركة في أحداث العالم ومجريات الأمور . وسنظل نؤسس لنظريات المؤامرة قدراتنا الخيالية التي حاربها الجميع ويحاول كبتها وخنقها في مهدها ، فنحن أبناء الفلاسفة والمفكرين والأدباء ، لم يعد بمقدورنا التفكير ولا الفلسفة ولا عمل أي شيء آخر ، وأصبحنا ضحية ما نعتقده حرب عالمية ضدنا ، دون الاعتراف بأن الحضارة الإنسانية إنما وصلت إلى هنا من خلال تداول الأمم ، وأنها مستمرة بين قوي وضعيف ، ولا شأن لها باستهداف خارجي ، نحن في بيوتنا نستطيع التفكير بعيدا عن تأثير البرامج التلفزونية ، نقرأ باختيارنا كل تلك الكتب التي تدعي قدرتها على كشف الخداع والمؤامرات التي تحاك ضدنا . الجميع يعمل وينتج ويتوسع ويتطور ، وحن في خندق المحافظة على آخر مظاهر الغباء وهي عدم التغير ابدا ، وأن نكون على نفس الحال منذ ان سقطت آخر قلاع دولتنا الإسلامية ، أفضل من محاولة الخروج والموت إثر كل تلك المؤامرات .
الذعر يدب في الجميع ، والكل يتوجس من كل شيء ، ويتخوف ، يلعنون أمريكا حتى على حفريات الطرق في الشوارع ، ويفكرون بأن اسرائيل ورااء كل ذلك وتتواطأ مع أمريكا والعالم الغربي . وفلسطين ذهبت لأن العرب لم يكتشفوا أنهم محتلين إلا عندما خرج الانجليز واستبدلوا مكانهم اليهود ، ولم يكتشفوا أن العراق بعثي وطاغية الا عندما غزا الكويت المسالمية والبريئة جدا ، ولبنان الكل يتآمر عليه ومواطنيه يعرفون ذلك ولم يصبح لديهم خيار سوى اختيار أقل المتواطئين ضررا ، هناك من يفضل ايران وسوريا على فرنسا وامريكا . المغرب ثارت عندما اعلن ملك أسبانيا زيارته لسبتة ومللية وكأنها لم تتذكر أنها قضية تستحق الاستمرار في إثارتها سوا، زارها الملك الأسباني أم لم يزرها . وساركوزي يرفض الاعتذار عن حرب فرسنا ضد الجزائر ولكنه يمد يده للتسامح والتفاهم ، وليبيا تتنازل عن كل قضاياها وترسل الممرضات لبلدانهم . والكل أصبح تدريجيا يستسلم بعد الخروج المفاجيء من الخندق ، وما زلنا في أوراق الماضي نصارخ تجاهها دون أن نفتحها ، خوفا مما قد ينتج عنها ، ننتظر أحدا ما يثير آخر ما تبقى لدينا من كرامة كي نحرك ساكنا . تحدثت عن كل هذا مع صديق احسبه اكثر المتطرفين استخداما لنظرية المؤامرة . اتفقنا في النهاية أن هناك نظرية مؤامرة ، ولكن مازلنا نفكر كيف يحدث كل هذا ؟
إن كان لا بد أن نعترف بهذه النظرية
فعلينا أن نعترف قطعا بعدم قدرتنا على اكتشافها لو كانت فعليه .
وانها اكتشاف غربي آخر تم تمريره تجاهنا حتى نؤمن به أكثر ونصبح منزوعي القدرة على المواجهة .

نحن نؤمن بالقدر ، ونؤمن بأننا مخيرين ومسيرين أيضا ، ولكن خيارنا هنا أن نكون مسيرين في خيارات الآخرين الذين ينطبق عليهم أيضا قدر الله ، نحن نحارب شيئا نعتقد فيه أكثر من القدر نفسه ، بدأنا نؤمن بأن قدرة الغرب الذي يحاربنا أكبر من قدرة الله على منع ذلك . نسينا أبسط الأمور التي كانت تخلق لدينا الإرادة الحرة ، وهي ان علينا نغير من أنفسنا حتى يسمع الله لدعائنا في كل صلاة . ونتكل دون أن نعقل حتى الحمير التي لا تضيع ولا يهتم أحد بسرقتها .
ونعود لنسأل بعد أن فقدنا الإيمان بالله
ويكون السؤال المنطقي البسيط الذي ينتجه لنا اليأس .
أين الله من كل هذا ؟

ليبرالية ما فوق السماء وتحت السُّرة

من الجميل أن تؤسس لنفسك تصنيف في أعين من حولك ، حتى لو كان اتهاما .

ويقول أحد الفلاسفة أو الحكماء أو الكتاب _ وكلهم يقولون كلاما لو انتظروا قليلا لاكتشفه الناس بأنفسهم ولكنهم سباقون إلى فضحنا _ :
أن تكون مطلوبا لأي شيء خير لك من أن لا تكون مطلوبا على الإطلاق .

وذلك التصنيف الذي تشبعت به أذناي والكل يوجهه إلى هو أنني ( ليبرالي ) ، ومع مرور الوقت اكتشفت أن التهمة لا تصبح كذلك إلا عندما نرفضالاعتراف بها ونصبح مأسورين فيها . ومن الأفضل أن نتجاوب مع ما يقولونه الناس بطريقة تجعلنا أكثر تسامحا مع أنفسنا ، أو بطريقة حسنا ( ادعوا لي بالهداية ) .

وما وجدته في حالات مراجعة النفس وتصيد أخطائها التي تراكمت بما يجعل الآخرين يوجهون اتهاماتهم ، وجدت أن المصطلح هو الفكرة المجردة والبسيطة التي يستخدمها الناس في تصنيفاتهم ، إذن ( الليبرالية ) كلمة ذات شيوع متعارف عليه وتعني في ألسنة العامة ( ديوث ) كأقصى احتمال وأسوأه ، أو ( غير ملتزم دينيا ) كأبسط معنى لا يريد ممارسة الوقاحة .

وتأصيل أي مصطلح داخل المجتمع ينتج عن طريق العينات التي تتبنى ذلك المصطلح في خطاباتها ، ومن هذا نجد أننا مضطرين لتصديق الناس واعتبار ثقافتهم محل مصداقية نظرا لتلك العينات والأمثلة التي سيرمون بها أمامك في خلال أي حوار تحاول فيه الدفاع عن حقيقة ذلك المصطلح ( ليبرالي ) .

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .

الحرية هي المعنى الدقيق والترجمة الحرفية لمصطلح ( ليبرالية ) ، وهي الكلمة التي أصبحت هم من لا هم له ، وقد تجد طفلا في سن العاشرة يفاجئك بمطالبتهم بنوع من الحرية كي يخرج إلى الشارع ويلعب بطريقة تجعله أكثر الأطفال قذارة . وهذا ما يمنعك من اعتبار هذه الحرية جديرة بالثناء أو حقيقة يجب ممارستها ، لأنها تخرج المسئولية من أيدي المعنيين فيها .

وعندما انتشر الإسلام بفكرة الدعوة إليه ، ورغم ما قد يعتبره البعض غزوا ، إلا أنه خرج على مبدأ ( تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ) ، وهنا يكفينا فقط التقاط كلمة ( تحرير ) لنجدها هي الأصل المراد به في كل تلك الدعوة ، ومن ثم ننتقل إلى تفصيل الجزئيات الباقية ، والتي نجدها واضحة للعيان ودلائلها كثيرة في تاريخ النهضة الأوربية الحديثة . وحين اقتبسوها من أقرب الدول الإسلامية الأندلس وظفوها بطريقة تخرجهم من سطوة الكنسية التي تخلت عن مباديء الالتزام بالتعاليم وتحولت إلى سلطة يوقعها رجال الدين يمنعون من خلالها أي محاولة للتفكير والتجديد على جميع المستويات العلمية والأدبية ، ومن ذلك كان لا بد للغرب هناك أن يذهبوا بعيدا في مطالبتهم للتحرر من خلال نسف كل القيم الدينية المتوفر لديهم ، وهذا ما يقال عنه ( طالب بذراع باطل من أجل شبر حق ) ، وهو مثل بسيط ولكنه متقن ومختزل ويشرح معنى النهضة الأوربية التي خرجت بكل ما هم فيه الآن ، وانتقل الأوربيين إلى مرحلة التطوير العلمي والأدبي والاجتماعي ، ومن الضروري طبعا أن ندرك أن أي ثورة فكرية يجب أن يكون لها هوامش لا تخص المفكرين وإنما يلتقطها العامة كأبسط المعاملات التي يمارسون من خلالها المفهوم العام للحرية التي حصلوا عليها من خلال اسقاط التسلط الكنسي ، وبذلك نرى الاستقراطيين في كل الدول الأوربية مازالوا يحتفظون بالكثير من القيم الأخلاقية المرتفعة في مضمونها ولا نستطيع انكارها عليهم ، ونجد العامة من شعوبهم قد خرجت في تطورات هامشية لتؤسس لحرية الغريزة التي هي أسهل انواع الفكر والذي لا يحتاج إلى نظرة معمقة ويكتفي باطلاق العنان للغرائز .

وبذلك انتشرت ( الليبرالية ) أو ( الحرية ) في النطاق الغربي بكل فوائدها ومساوئها ، بعيدا عن إمكانية وجود ما يعتبر بنود معيقة ومؤخرة ومثال ذلك في الإسلام هو (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ، وأيضا أسست ( الليبرالية ) لطريقة تمنع أي محاولة لإعادة عصر اللظلمات والقرون الوسطى ، من خلال اطلاق ( الحق الفردي ) وجعله العملية الوحيدة لمنع أي تشكل سلطوي يعتمد في أصوله على بعض من المورورث القديم ، والسبب في ذلك أن التجمعات والجماعات إنما تجتهد دائما في تأسيس نظم متكاملة تختزل الكثير من المصالح بعيدا عن الحالات الفردية الخاصة ، وبذلك فإن الفكر الفردي الغربي المطبق ( لليبرالية ) لا يهتم ( بمصلحة الجماعة المقدمة على مصلحة الفرد ) ، وبذلك نجد الإنسان هناك قادر على التمدد في كل أشكال الحياة سواء الراقية والفاضلة أو المنحظة والمبتذلة . وهذا ما جعل العالم الغربي حديثا يبدأ بمراجعة هذا الأمر ، فنجد الكونغرس الأمريكي يمرر مشروع منع عرض الافلام الخالعة في الأماكن العامة ، وجد قبل ذلك في الستينات منع للكحول ، وإعادة تقنينه بسن البلوغ ، وهكذا دواليك بدأ العالم الغربي يغربل منتجات ( ليبراليته ) السيئة وإعادة تصفيتها بخلق قوانين وضوابط بعضها مستمد على حياء من ( القيم الدينية ) المتأصلة في نفوس الشعوب الغربية والتي لا يمكن لهم إنكارها مهما حاولوا ، لأن طبيعة الإنسان تطفعه دائما للتشبث بأي حقيقة فوق الطبيعة تجعله يتلمس الأمل فيها ويعتبرها طريق النجاة في حال امتناع ظروف الدنيا عن مساعدته . لذلك نجدهم خلقوا شخصيات المنقذين والأبطال ونشروها بطريقة تتناسب مع عقلية الفكر ( العلماني ) كي لا يتهمون أنفسهم بإعادة موروثهم الكنسي العقدي .

ومع تكون المجتمع الدولي الحديث وترابط المقدرات العالمية بتفاصيل المجتمعات الدقيقة ، وتداخل كل المؤثرات الخاصة بكل شعب لتؤثر في بناء شكل العالم الحديث ، وجدنا العرب سباقين إلى اقتناص واقتباس المظهر الغربي العام ، وهو مظهر لا يمكن إنكار جمالياته المعنونة في الديمقراطيات والتطور العلمي والتكنولوجي . ومن هنا كان المفكرين العرب يبحثون عن مخرج يجعلهم يصلون بسرعة إلى نفس المراحل الغربية ، وهنا وجدوا أن ( الليبرالية ) أو ( التحرر ) هو المبدأ القديم لهم والذي انطلق به الأوربيين وتركونا خلفهم في صراعات داخلية وانماط قمعية لم تقصد سوى المحافظة على الدين وليس القمع بمعنى المنع من التفكير ، فلقد كان العلماء المسلمين رغم شطحاتهم الدينية بارعين وقادرين على الانتاج . ولكن الدين يظل قيمة مرتفعة جدا لا يمكن المساس بها ، لسبب أن المجتمعات تحتاج إلى توجيه جماعي وطريقة انضباط تؤهل الدول والحكومات لعملية رسم سياساتها واستراتيجياتها . فلم يجد المفكرين العرب أسرع من طريقة الهدم الأخلاقي ، والحضور في تماثل غريب يستمد من الغرب كل المظاهر التي بدأ الغرب نفسه يحاربها حاليا ، وهي أمثلة الظواهر السيئة الناتجة عن ( الليبرالية ) . وهكذا نرى المثقفين والكتاب العرب قد ابتعدوا عن كل المباديء التي تعنيها ( الحرية ) ، فبدلا من قول الحق وعدم الخوف من السلطة والحكومة ، اتجهوا للتحدث في أمور بعيدة المنال عن المسائلة ، فكان باستطاعة المثقف والمفكر العربي أن يتجاوز كل المساحة الشاسعة بين واقعه والسماء من مشاكل اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية ، ليعيد النقاش في الذات الإلهية وينظر حولها ويتجاوز بها كل الحدود الفكرية الممكنة للعقل البشري ، ليثبت أنه شجاع وقادر على قول ما يريد ، لأن الله سبحانه وتعالى ( يمهل ولا يهمل ) ، ولأن أثر عقابه لا يأتي سريعا وبطريقة مباشرة وواضحة وموثقة بورقة سجن أو اعتقال ، فكان من السهل ادعاء الشجاعة على حساب رحمة الله وتأجليه للعقاب . وكأنهم بذلك يأسسون لنظرية أننا لا نخاف من احد حتى ( الله ) ، فكيف تتهمونا بالخوف من الوزراء أو الحكام أو غيرهم . فكان الفكر التنظيري العقدي هو النتيجة التي تظل تكرر مرحلة المتكلمية والفلاسفة الذين لم يخرجوا بشيء سوى كتب مليئة بالجدل دون نتيجة نهائية .

وفي خلال الصحوة الدينية الفكرية ، وجد المفكرين المتحررين من الالتزام بالحد الأدنى من ( موجبات الكفر ) أنهم محاصرين بتهم الالحاد والتكفير ، وهذا جعلهم يرون أنفسهم في مصاف مؤسسي الحضارات الغربية والشرقية الحديثة ، مثل الماركسية والبراغماتية ، مع العلم أن كل العقائد إنما أنتجت مفاهيم أوسع واشمل على النطاق الاقتصادي والنطاق العلمي بغض النظر عن تجاوزها الديني لشيء لا يملكونه وهو العقيدة . ولكن مفكرينا صدقوا أنفسهم حين تم اتهامهم بالكفر والإلحاد ، ولكن الطبيعة البشرية تمنع الضمير من الموت نهائيا والسكوت ، فكانت العقول المتكبرة والمتجاوزة تقع تحت تأنيب الضمير ، ولذلك نجد أن المفكرين والمثقفين وجدوا حلا مختلفا ، وهو أنه بدلا من قذف قمة الهرم العقدي بالحجارة والتشكيك فيه ، يمكنهم الصعود من الحضيض ، لذلك اتجهوا نحو مستوى الغريزة والتي هي أقل من أن تكون سوى وسيلة تكاثر ووسيلة تتجاوز عقلي وقلبي ينفع في اصلاح المجتمع ، فكان ما تحت السرة هو البداية الجديدة ، فهو محظور فطري له لذته التي لا تمنع من أن يتم اعتباره تجاوز أقل خطورة من التجاوز في الأصول الدينية ، فكان الجنس هو مصدر فكرهم وثقافتهم الحالية والتي انتشرت في الجيل الجديد من مثقفي هذا العصر ومفكريه ، لأنه ارتبط بكون ( الحرية ) نمط يجعل الإنسان قادر على التحدث بكل شيء يحظره الذوق العام والمجتمع عدا المنع المتوافر في الدين ، فكانت نتيجة ( الليبرالية ) العربية أنها استطاعت بكل فعالية على خلق فراغ كبير بين ما تتصدى له وبين واقعها ومشاكله المتنوعة ، وما بين السماء والسرة أصبح مجرد مشاكل اعتيادية لم يعد المفكر يرى فيها محفزا يسلط عليه الأضواء أو يقدم من خلاله مشاريع فكريقة وثقافية تحسن من معيشة المجتمع وترفع قدرات المواطنين المادية والفكرية ، فهو يستسلم لنظرية أن الأمور الخاضعة لسلطة الدول والحكومات غير قابلة للتغيير ، ولكنه يستطيع تغيير تلك التي لا تملك أي حكومة القدرة على ضبطها ، لأنها عبارة عن ظلمات تتدحرج خلف الكواليس الخاصة بالنخبة المثقفة وما يجاورها من وسائل خاصة بنشره كالإعلام ومؤسسات النشر والمنتديات الثقافية ، فكان النخبة بعيدين كل البعد عن مجتمعاتهم متعلقين ومتأرجحين بين ما فوق السماء وتحت السرة .

إرهابي طاح على ” متويزر”

يقولون في الأمثال :
عريان طاح على متويزر .
ولمن لا يعرف ما معنى ” متويزر ” أخبركم أنه إما أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو اسم فعل ، هو في الأخير اسم لشيء يدعى ” وزرة ” ، وهي رداء يلبسه أبناء المنطقة الجنوبية حتى خليج عدن وبحر العرب ، وهذا ما كنا نعتقده ، حتى أثبت وليام والاس الاسكتلندي الشهر ، أن هذا الزي الـ ( صفر سبعاوي ) ينحدر من ثقافات أوربية قديمة وعريقة في ايرلندا واسكتلندا ، وأنه فكرته سبق وسرقتها النسوة وحولوا هذا الرداء إلى تنوره .
وكثيرا ما نسرق أشياء ليست لنا ، ونحسبها لنا ، وندرك أنها ليست لنا عندما نكتشف أن هناك من يحاول سرقتها منا _وربما يفلح_ ليدعي أنها له .
ومن تلك الأشياء ، الأحلام ، وهي بعكس ما يتوقع ويفهم الجميع لم تعد صور غير مادية ينتشي لها الإنسان في حالة نومه أو هذيانه ، لتغادره بوهج جمالها ، وتترك له آثار الخيبة والخراب عليهم ، كنوع من البقع السوداء التي يجدها مدمني المخدرات على جلودهم بعد حالة من النشوة .
ولم أحاول يوما سرقة حلم . فأغلبها أصبح الشك يحيط به ، وتحاصرها الاتهامات بأنها ربما تكون أفكار خيالية للإسقاط بالدول ، ورغم أنها خيالية كما يزعمون ، أي أنها مستحيلة التحقق في الواقع ، إلا أنهم يخافون حتى الخيال ، وقال الإخوة المصريين : ” اللي يخاف من عفريت يطلع له ” . ونحن بما نحلم أو نتخيل عفاريت ، ولأن هذا المثل ذكرني أنني ذكرت واحدا آخر في بداية الموضوع ، أعود إلى ما كنت أنوي الحديث عنه . وهو العري والتعري ، والذي يعبر عن المثل عن حالة عدم التملك لأي لباس يستر الجسد ، بعكس المتويزر ، أي بالكاد يغطي عورته بتنوره رجالية شبه شفافة ومعرضة للسقوط مع أي محاولة للجري .
وجميع الحقائق عارية لذلك يكرهها الناس ويتجنبون النظر إليها ، لذلك أصبحت بعض الحقائق تحاول التشبه ببعض الكذب وتتجمل لنا بأشكال كثيرة لتصبح مستساغة ، من ذلك أن يتخيل الفقير نفسه غنيا في لحظة قراءته لرسالة من مجهول محتواها :
أنا السيدة فلانة .
كان زوجي يعمل مديرا لمؤسسة مناجم الألماس والذهب في سيراليون ، ولكن قتله الثوار ، وكان قد اخبرني أن اتجه أنا وأبنائي لساحل العاجل والانتقال من هناك بأموالنا للخارج ، وكل ما احتاجه منك هو محاولة مساعدتي لإخراج تلك الأموال مع اقتطاع نسبة معينة لك وقدرها 20% .
أريد استثمار أموالي والعيش في بلدك، ولن يتحقق ذلك إلا عندما تقدم لي رقم حسابك في بنك ويمكنك الاتصال على رقم الهاتف (……… ) . وعندما يرد عليك رجل فلا تخشى شيئا، فهذا هو ابني. ويمكنك مناقشته في كل التفاصيل .
أتمنى منك المساعدة فأنا بأمس الحاجة لها .

كنت قد انتهيت من قراءة الرسالة للتو ، وشعرت أن مدير مناجم الألماس لا بد أنه يملك الملايين ، و20% من هذا المال تجعلني غنيا ، بجاني أحد الأخوة المفكرين والذين يعرفون كل شيء حتى أنهم بدءوا يفكرون في اكتشاف اللاشيء ، نبهني من أن هذه محاولة لخداعي واستخدام حسابي في غسيل الأموال ، ولا أذكر أن حسابي قد غسل أموالي أبدا ، بل بالعكس ، فأنا استلمها جديدة ومرتبة وأعود لأصرفها لأجدها قذرة وبعضها ممزق ، وربما تحمل ذكريات كل الذين حملوها خلال غيابي ، والدليل على ذلك أن أحدهم صرح بذلك على ورقة من فئة الخمسين وكتب : ” لمن يجد هذه الورقة عليه الاتصال بهذا الرقم ” واتبعها برقم واسم ” أبو وسام اللي ما ينام ” .
استمر صديقي يحدثني عن مخاطر إرسال رقم الحساب ، لم اخبره أنني سأفعل ، ولم أشعره بأنني سأفعل ، ولا ادري هل شعر بأنني تحمست للفكرة ، أم أنه يستعرض معلوماته عن الإرهاب العالمي ، والذي أصبح حتى أطفال المدارس الابتدائية يكتبون عنه في مادة التعبير . واعتقد أنه يخبرني عن أشياء فكر فيها هو عندما لمعت في ذهنه الفكرة ، وعندما تجد إنسانا ينصحك بشيء وهو ليس طبيب ، فأعلم أنه مجرب ، أو قارب على التجربة ، والخوف والتخويف هو أكثر ما يمارسه الناس بين بعضهم البعض ، لم يبقى من الأفكار المتفائلة شيء يمكن مشاركة الآخرين به ، وربما لم يعد التفاؤل يكفي شخصا واحدا عدا عن مشاركة آخرين .
أقفلت البريد الالكتروني وانتقلت مع هذا الصديق وأنا اخبره ، بأنني عاري جدا ، وأنني بدأت أفكر بإقفال حسابي ، لأن رسوم بقائه استهلك مني آخر الحوالات التي وصلت لي ، فلقد سجل حسابي عددا بالسالب ، تخيلوا كيف أن حسابا في البنك بدلا من أن يحفظ لكم المال ، أصبح يحفظ لكم سالب المال ، بحيث أنه متى وصل لك مال يغادر قبل أن تلمسه ، وأن أصبح مديونا بسبب بنك أردت منه حفظ مالي أمر يجعلني أشعر بأنني غبي جدا لدرجة أنني اتجهت للبنك وطلبت منهم أن يسلموني كل ذلك المال المسجل على حسابي ومع السالب الذي يسبقه ، بل أنني صممت على السالب قبل المال كله ، فهو القيمة الحقيقية في ذلك الحساب . ولكن اعتبروني مجنونا آخر تعودوا التعامل معه ، حتى أنهم في ذلك البنك وضعوا اجراءت معينة للتعامل مع كل انهيار عصبي يحدث داخل أروقة البنك ، من ذلك غرفة مجهزة بأريكة فخمة ، وجهاز تكييف وعصيرات وبعض من الحلويات ، أعجبني الجلوس هناك وفكرت أن أمارس الجنون من وقت لآخر ، لذلك تنازلت عن طلبي في سحب المال وسالبه ، ووعدتهم بالعودة مرة أخرى قريبا .
ولان هذا الحساب حقيقة عارية أمامي دائما، ولا يوجد فيه أي مبلغ يستره، فكرت بان استره ببعض من الخيال والأحلام فهي مجانية، والخوف من لاشيء يعتبر جنون، والجنون في هذا العصر أن تكون عاقلا ينتظر الواقع أن يتغير. ولم أشعر بأنني سأجازف بشيء، ماذا حدث إن صالحي.أحدهم حسابي لغسيل أمواله، ماذا لو أراد تموين منظمة إرهابية، ماذا لو أراد سرقة ما في حسابي.
كل التوقعات التي يشير لها صديقي تمشي في صالحي .
من غسل أمواله في حسابي ربما يترك شيئا استر به ذلك الحساب ، كتلك الجوارب التي تعلق في الغسالات الكهربائية
ومن أراد تموين منظمة إرهابية سيجعلني على قائمة المطلوبين وربما يعرض من اجل القبض علي مبلغ من المال سأتفق مع أحدهم أن يبلغ عني ويقتسم المبلغ مع عائلتي التي ستتبرأ مني ، وهي تعلم جيدا أنني وجه الفقر والنكبات التي مرت بهم ، وبذلك انهي واجبي تجاههم وابريء ذمتي من مطالبهم تجاهي بأن أكون ولدا صالحا .
وبالطبع بقي الاحتمال الأخير وهو أن يسرق أحدهم ما في حسابي، وفي هذه الحالة سيكون هو الخسران، فالسالب الذي يسبق كل مبلغ يظهر على شاشة الصراف الآلي سيكون من نصيبه وأتخلص منه. ومعنى ذلك أنني مازلت أملك كل الفرص والحظوظ في مقابل ذلك الذي يريد خداعي كما يزعم صديقي .
وبعكس ما يعنيه المثل ، من قوله عريان طاح على متويزر ، اعتقد أنني أنا العريان هنا ، وهو المتويزر ، وهو من طاح حظه في محيط حظوظي الخيالية ، ولذلك سيفقد حتى وزرته التي يملكها ، ولا يهم أن كسبتها أنا أم لا ، فالعري بحد ذاته مكسب جميل لمن يعيش في منطقة استوائية حارة مثل ساحل العاج . وبالطبع أيضا امرأة، تخيلوا ماذا يمكن لها أن تحقق من مجرد فكرة ( التعري ). هناك في أوطان العرب من يستر الراقصات بالأوراق النقدية، ربما أرسل لها فكرتي الجهنمية وانصحها بالتوجه إلى أقرب مركز سياحي يحوي عربا يمكنها عرض مهاراتها عليهم ليتم تبنيها سريعا في برنامج خاص.

 

حرث النفوس وثمار الإبداع

العقل والروح هو مجموع ما نطلق عليه النفس. وكل ما يصيب هذه النفس ويدخل إليها هو محرك أساسي لتفاعلاتها، سواء مع ذاتها أو مع محيطها، والمعطيات والمداخلات المحيطة بالنفس هي عناصر المكونات الرئيسية للتفاعلات النفسية، وما ينتج عنها دائما هو محصلة مختلفة من مشاعر وأفكار، وهذه النواتج هي ما يمكن لنا قراءته في كل وسائل التعبير التي يستخدمها الإنسان.

والإبداع تم دراسته والوقوف على محطاته ضمن مراحل التطور الحضاري والثقافي، وكان هناك مدارس كثيرة قامت بتعريفه، منها من أخبر أنه توجه وتعمق نحو ألذات إلى الداخل، يؤدي إلى تعبير منغلق يمكن قراءته من الخارج وفمهمه بطريقة تتناسب حسب القواسم المشتركة بين المبدع والمتلقي، وإن لم تخني الذاكرة فهذا التوجه الرومانسي للمدرسة الرومانسية ورائدها الفليسوف شيلنغ.
وأما المدرسة الأخرى فهي الوجودية، ولا أستطيع هنا تجاوز سارتر أبدا، والذي طرح الإبداع كتوجه وانفتاح نحو الخارج، أي باتجاه المجتمع، وأصبح المبدع فيه ممثلا لكل من حوله، مما يجعل المتلقي مشاركا رئيسيا مهما اختلفت ظروفه الفكرية الخاصة، والسبب في أنه توجه اجتماعي يضم الجميع، لأن ما يحدث لفرد يؤثر بطريقة أو أخرى على من حوله وبذلك يكون المجتمع هو محصلة ما تم بناءه تراكميا من محصلات التفاعلات النفسية للأفراد فيه.

المزيد

صفحة 17 من 17« الأول...10...1314151617